أعلن
وزير خارجية توجو روبرت دوسي، في مقابلة مرئية على قناة "فوكس أفريكا"
في 16 يناير الماضي أن بلاده لا تستبعد الانضمام
إلى تحالف دول الساحل الذي يضم دول النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وتأسس في سبتمبر 2023، وأن الأمر ليس مستحيلاً، خاصة أنه زعم أن هناك تأييداً شعبياً
للانضمام إلى التحالف الثلاثي.
وتعد
هذه الخطوة المحتملة مفاجئة بالنسبة لتكتل إيكواس، لا سيما في ضوء العلاقات
الإيجابية التي تربط التكتل مع دولة توجو، خاصة أن الرئيس فوري جناسينجبي قد تم
اختياره من قبل إيكواس بجانب نظيره السنغالي باسيرو ديوماي فاي، للتفاوض مع دول
الساحل الثلاث عقب انسحابها من التكتل الإقليمي؛ وذلك في ضوء المخاوف من احتمال
انسحاب توجو من إيكواس بما قد يضعف الأخيرة بشكل واضح ويقوض تماسكها ووحدتها.
في
حين قد يدفع انضمام توجو المحتمل إلى تحالف دول الساحل نحو إعادة التوازنات
الجيوسياسية الإقليمية في منطقة غرب أفريقيا التي يطرأ على المشهد الإقليمي فيها
العديد من التغيرات الجوهرية، بما في ذلك تراجع النفوذ الغربي، لا سيما الفرنسي،
في مقابل صعود أدوار بعض القوى الدولية الكبرى الأخرى مثل روسيا والصين، وهو ما
يجعل الخطوة المحتملة التي أعلنت عنها توجو بمنزلة ضربة دبلوماسية قاسية لفرنسا،
وربما تستغل موسكو ذلك وتدفع باتجاهه خلال الفترة المقبلة، بهدف زيادة عدد الدول
الأعضاء في تحالف دول الساحل ليكون أداة نفوذ قوية بالنسبة إلى الكرملين في الساحة
الأفريقية، وهو استمرار للموجة الأفريقية المكثفة ضد الوجود الفرنسي والغربي في
الساحل وغرب أفريقيا.
دوافع
الانضمام
يلقي
إعلان دولة توجو نيتها الانضمام إلى التحالف الثلاثي في الساحل الضوء على جملة
الدوافع والأسباب التي قد تدفع لومي نحو هذه الخطوة في إطار سياق إقليمي يتسم
بالتعقيد على مستوى ديناميات العلاقات الإقليمية في غرب أفريقيا والساحل وفي إطار
تكتل إيكواس. ويمكن الإشارة إلى أبرز تلك الدوافع لدى توجو على النحو التالي:
1–
تعزيز العلاقات مع دول التحالف: تسعى توجو إلى تطوير علاقاتها مع محيطها الإقليمي،
بما في ذلك دول الساحل الثلاث؛ وذلك على مستويات عدة سياسية واقتصادية وعسكرية؛ إذ
شاركت توجو في مايو 2024 في مناورة عسكرية مشتركة
"تارهاناكالي" ضمت دول مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد بالقرب من
الحدود مع مالي، بما يعزز العلاقات العسكرية بين الطرفين، ويمهد لتعاون أكبر في ظل
التحالف الإقليمي في حال انضمام توجو إلى تحالف دول الساحل، كما يمكن لتوجو
استغلال الوضع لتطوير العلاقات التجارية الثنائية مع دول الساحل في قطاعات
استراتيجية مثل الطاقة والزراعة، إضافة إلى لعب دور مركز إقليمي للمستثمرين
الأجانب من أجل فتح آفاق جديدة في الأسواق الإقليمية في دول المنطقة.
وفي
سياق متصل، ربما يضمن توطيد علاقات توجو مع دول التحالف قيامها بدور الوسيط
السياسي بين التحالف الوليد وتكتل إيكواس في المرحلة المقبلة، خاصة أنها قامت بدور
الوسيط في بعض الأزمات الإقليمية، مثل الأزمة بين مالي وبوركينا فاسو، والأزمة بين
النيجر وإيكواس، إضافة إلى تخفيف التوترات بين كوت ديفوار ومالي، كما أسهمت في حل
الأزمات الداخلية في مالي.
2–
دعم شعبي لخطوة الانضمام: يبدو أن موقف الرأي العام الأفريقي الرافض للغرب وفرنسا
في غرب أفريقيا يتسع نطاقه الجغرافي على مدار السنوات الماضية؛ فبعد إعلان وزير
الخارجية التوجولي أن أمر انضمام بلاده إلى تحالف دول الساحل ليس مستحيلاً، أكد أن
هذه الخطوة المحتملة ستحظى بدعم شعبي واسع في الداخل التوجولي، مضيفاً أنه عند طرح
الأمر للاستفتاء على الشعب التوجولي، فإن الأغلبية ستؤيد عملية الانضمام إلى
التكتل الإقليمي الوليد. وربط ذلك بموافقة القنوات الشرعية في بلاده المتمثلة في
قرار رسمي من رئيس الجمهورية، وموافقة البرلمان.
3–
الهروب من أزمات الداخل: يرى اتجاه معارض في الداخل التوجولي أن النظام الحاكم في
البلاد يسعى إلى الانضمام إلى التحالف الإقليمي واستغلال الاستياء من الاستعمار
لإخفاء إخفاقه في الوفاء بالتزاماته تجاه مواطنيه، في ظل عدم قدرته على تلبية
الاحتياجات الأساسية لهم. ومن ثم فإن النتيجة المباشرة للانضمام المحتمل إلى تحالف
دول الساحل هي الاستمرار في حرمان شعب توجو من حقوقه الأساسية والحريات العامة
وسيادة القانون والقيم الديمقراطية، وفقاً لما تزعمه المعارضة التوجولية.
4–
تكثيف الجهود لمواجهة الإرهاب: تتزايد المخاوف لدى توجو من تمدد الإرهاب الذي
يتصاعد بشكل جلي في منطقة الساحل الوسطى إلى ما وراءها ليهدد دول غرب أفريقيا
الساحلية المطلة على المحيط الأطلسي، ومنها العمق الداخلي في توجو بجانب دول بنين
وغانا وكوت ديفوار وغيرها. وربما تجد توجو في انضمامها إلى التحالف فرصة للتصدي
للتهديدات الإرهابية خارج أراضيها في محاولة للقضاء على تنظيمات القاعدة وداعش في
الساحل، والعمل على تحجيم تركاتها لدعم نفوذها في الدول الساحلية بغرب القارة.
5–
الانفتاح على بديل إقليمي صاعد: قد يدفع حجم التحديات الجيوسياسية في غرب أفريقيا،
ومنها تراجع دور تكتل إيكواس في مجال مكافحة الإرهاب، بعض دول المنطقة نحو البحث
عن بديل إقليمي يمكن الاعتماد عليه في التصدي لتصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية
هناك، لا سيما مع التراجع الفرنسي الذي أدى إلى توتر العلاقات السياسية بين إيكواس
وبعض الدول الأعضاء؛ ما أسهم في إضعاف الثقة بالتكتل الإقليمي بسبب مواقفه السلبية
خلال السنوات الأخيرة.
وهو
ما قد يعني احتمال توسع عضوية تحالف دول الساحل لما بعد انضمام توجو المحتمل لتلحق
بها بعض دول المنطقة مثل تشاد وكوت ديفوار وغيرهما، لا سيما أن توجو تربطها علاقات
جيدة مع العسكريين الجدد في دول الساحل عقب اندلاع سلسلة الانقلابات العسكرية على
مدى السنوات الخمس الأخيرة، بما يخلق بيئة من الثقة الإقليمية والتوافق
الاستراتيجي في المنطقة.
كما
أن توجو تدرك قدرة هذا التحالف على خلق نموذج تعاون مستقل؛ ما يشير إلى عصر جديد
للقارة الأفريقية، ومن ثم يشكل انضمامها خطوة محورية من أجل تعزيز الوحدة
الإقليمية والاستقرار الإقليمي.
6–
توفير توجو منفذاً بحرياً مهماً لدول الساحل الحبيسة: من المحتمل أن تصبح توجو،
حال انضمامها إلى التحالف الثلاثي الإقليمي، بمنزلة المنفذ الرئيسي لدول الساحل
الحبيسة إلى العالم الخارجي عبر المحيط الأطلسي؛ وذلك من خلال توفير منفذ بحري
استراتيجي هو ميناء لومي الذي يمثل بوابة بحرية تسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي
والسياسي داخل المنطقة.
وهو
ما قد يقوض العقوبات التي فرضتها إيكواس على دول الساحل الثلاث، خاصة أن بعض دول
غرب أفريقيا، مثل نيجيريا وبنين، قد وضعت شروطاً قاسية على عمليات الاستيراد
والتصدير للدول الحبيسة في الساحل. ومن ناحية أخرى، قد يدعم ذلك تطوير البنية
التحتية في مدينة وميناء لومي بهدف تعزيز كفاءة الميناء الإقليمي في ضوء مساعي
توجو لتصبح مركزاً تجاريّاً إقليميّاً في غرب أفريقيا.
7–
رفض توجو النفوذ الأجنبي في أفريقيا: يبدو أن هناك توافقاً بين رؤيتي توجو ودول
تحالف الساحل فيما يتعلق برفض النفوذ الغربي في أفريقيا الذي يرتبط بالاستيلاء على
الموارد والثروات الأفريقية؛ فقد انتقد وزير الخارجية التوجولي روبرت دوسي،
استغلال القوى الكبرى لأفريقيا؛ حيث أوضح أن القارة تستخدم فقط لخدمة مصالح القوى
الكبرى، وهو أمر غير مقبول، مؤكداً ضرورة أن تنهض أفريقيا وتشكل مصيرها بنفسها.
تحديات
قائمة
هناك
جملة من التحديات التي تواجه عملية الانضمام المحتمل لجمهورية توجو إلى تحالف دول
الساحل، ويمكن الإشارة إلى أبرز تلك التحديات على النحو التالي:
1–
ممارسة ضغوط خارجية على توجو: قد تكثف بعض القوى الغربية، بالتعاون مع تكتل
إيكواس، من ضغوطها على توجو لعدم الانضمام إلى تحالف دول الساحل، في ضوء ما تشكله
هذه الخطوة من تهديد واضح لتماسك إيكواس، مع ضرورة التزامها بمسؤولياتها تجاه
المنظمة الإقليمية، والحفاظ على علاقات متناغمة ومتوازنة مع دول غرب أفريقيا
والساحل.
2–
المخاوف من التعرض لعقوبات اقتصادية من إيكواس: قد تتعرض توجو في حال انضمامها إلى
التحالف الثلاثي لسلسلة من العقوبات من جانب تكتل إيكواس بإيعاز غربي وفرنسي
بالأساس، في سبيل الضغط عليها من أجل التراجع عن الانضمام المحتمل إلى تحالف دول
الساحل، وقطع الطريق أمام أي دولة أفريقية في غرب أفريقيا في المستقبل خوفاً من
فرض المزيد من العقوبات والعزلة الدولية والإقليمية، وهو ما قد يفاقم الاختلالات
الاقتصادية لدول المنطقة بما في ذلك الاقتصاد التوجولي.
3–
استمرار التحديات الأمنية في دول الساحل: يمثل القرب الجغرافي من دول الساحل مصدر
تهديد واضح للعمق الداخلي في توجو، ويحمل آثاراً سلبية فيما يتعلق بالتوترات
الإقليمية، في ضوء الاعتقاد بأن يؤدي انعدام الأمن في الساحل إلى زيادة الأنشطة
الإرهابية على طول الحدود التوجولية واحتمال تسللها إلى عمق البلاد، بما يهدد
أمنها واستقرارها الداخلي.
4–
المخاوف من انقسامات عميقة في غرب أفريقيا: تتزايد المخاوف الإقليمية من أن يؤدي
انضمام بعض دول المنطقة إلى تحالف دول الساحل إلى مزيد من الانقسام السياسي
والعسكري، وتفاقم حالة الاصطفاف الإقليمي والدولي بين دول المنطقة، بما قد يهدد
الأمن والاستقرار الإقليمي في المنطقة، وهو ما قد ينعكس على تدهور السياق الأمني
الإقليمي هناك في ضوء استغلال التنظيمات الإرهابية للمشهد المتأزم في المنطقة من
أجل توسيع نفوذها الإقليمي على نطاق جغرافي أوسع في غرب أفريقيا والساحل.
5–
تهديد تماسك تكتل إيكواس: ربما تضطر توجو إلى الانسحاب من تكتل إيكواس من أجل
الانضمام المحتمل إلى تحالف دول الساحل، لا سيما في ظل الاختلاف الأيديولوجي بين
التكتلين الإقليميين؛ الأمر الذي قد يهدد وحدة وتماسك تكتل إيكواس الذي يتعرض
لضربة قاسية عقب إصرار دول تحالف الساحل على الانسحاب بشكل نهائي.
وإجمالاً،
لا يمكن إغفال المكاسب السياسية والاقتصادية التي قد تجنيها توجو في حالة انضمامها
إلى تحالف دول الساحل، وعلى رأسها تعزيز نفوذها الإقليمي في الساحل وغرب أفريقيا،
بجانب لعب دور مركز إقليمي تجاري تمر عبره التجارة الإقليمية لدول الساحل الحبيسة
عبر ميناء لومي وصولاً إلى المحيط الأطلسي ثم إلى العالم الخارجي، وانعكاسات ذلك
على انتعاش الاقتصاد التوجولي، وتعزيز العلاقات التجارية الثنائية مع دول المنطقة،
وارتفاع أسهم ميناء لومي ونفوذه الإقليمي وسط تصاعد موجة التنافس المحتدم بين
الموانئ البحرية الإقليمية الاستراتيجية في غرب أفريقيا.
ولا
يخفى أن انضمام توجو إلى التحالف الثلاثي من شأنه أن يوسع النطاق الجغرافي والنفوذ
السياسي والاقتصادي له على مستوى الإقليم في غرب أفريقيا والساحل، وهو ما قد يقلص
في المقابل من نفوذ تكتل إيكواس الذي ربما يتلقى ضربة قاسية خلال المرحلة المقبلة
بانضمام توجو، وربما يتبعها مباشرة بعض دول المنطقة الأخرى مثل تشاد وبنين وكوت
ديفوار وغيرها.
لكن
الأمر اللافت أن منطقة غرب أفريقيا، بما في ذلك الساحل، تشهد مرحلة حاسمة من
تاريخها، في ضوء ما يشير إليه حجم التفاعلات الإقليمية والدولية التي قد تسهم في
إعادة تشكيل هندسة الإقليم، بما في ذلك الديناميكيات السياسية والاقتصادية في
المنطقة، وما قد يعنيه ذلك من إعادة صياغة التحالفات الإقليمية والدولية، التي من
شأنها أن تترك آثارها على المنطقة بما في ذلك إعادة توازنات القوة الإقليمية هناك
خلال المرحلة المقبلة.
وربما يمهد ذلك كله لتحقيق دول غرب أفريقيا والساحل قدراً أكبر من الاستقلالية والسيادة الوطنية بعيداً عن النفوذ الغربي، لتبدأ مرحلة جديدة تتخلص فيها الدول الأفريقية من آثار الحقبة الاستعمارية التي أضرت بأفريقيا والأفارقة على مدار قرون ماضية.
المراجع:
أحمد
عسكر،29 ،1، 2025، هل تنضم توجو إلى تحالف دول الساحل؟،انترريجونال.
بدر
حسن شافعي،21.2025، هل
تتمدد كونفدرالية الساحل على حساب المنظمات الإقليمية؟،الجزيرة نت.