شهدت الفترة التي تلت اندلاع الحرب الصهيونية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، موجةً متصاعدة من الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين من قبل عدة دول، منها أرمينيا، وسلوفينيا، وأيرلندا، والنرويج، وإسبانيا، وجامايكا، وباربادوس، وترينيداد وتوباغو، وجزر الباهاماس. وقد بلغ عدد الدول المعترفة بفلسطين حتى الآن أكثر من 147 دولة، مع توقعات بزيادة هذا العدد خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الجاري، حيث أعلنت دول مثل فرنسا، والمملكة المتحدة، والبرتغال، وكندا، وأستراليا، ومالطا عن نيتها الإعلان عن الاعتراف.
يُمثل هذا الاعتراف خطوة جوهرية نحو تجسيد حق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، خاصة في ظل المعاناة الإنسانية الاستثنائية التي يعيشها. وهو يستجيب أيضاً لدعوات صريحة من منظمات دولية عدة، لا باعتباره إجراءً رمزياً فحسب، بل كأداة قانونية وسياسية فعالة لدعم حل الدولتين وإحياء عملية السلام العادلة.
الأساس القانوني للاعتراف
يستند شرعية الاعتراف بدولة فلسطين في القانون الدولي إلى عدة ركائز أساسية:
1. ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها: تنص المادتان 1 (2) و55 من الميثاق على حق الشعوب في تقرير المصير، وهو حق آمر (Jus Cogens) في القانون الدولي العرفي. وقد أكدت الجمعية العامة هذا الحق للشعب الفلسطيني في العديد من القرارات، أبرزها:
قرار التقسيم رقم 181 (1947): الذي يشكل الأساس التاريخي والقانوني لإقامة دولتين.
القرار رقم 3236 (1974): الذي يعترف بالحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني.
القرار رقم 67/19 (2012): الذي منح فلسطين صفة "دولة مراقب غير عضو" في الأمم المتحدة، وهو ما عزز مكانتها الدولية وأهلها للانضمام إلى معاهدات مثل اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
2. اتفاقية مونتيفيديو (1933): تستوفي فلسطين عناصر الدولة المنصوص عليها في الاتفاقية (إقليم محدد، سكان دائمون، حكومة، قدرة على إقامة علاقات مع دول أخرى)، وهو ما عززه القرار 67/19.
3. الآراء الاستشارية لمحكمة العدل الدولية: أكدت المحكمة في رأييها الاستشاريين لعام 2004 (بشأن الجدار العازل) و2024 (بشأن السياسات الإسرائيلية) على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وعدم قانونية الممارسات التي تعيق هذا الحق.
4. اتفاقيات أوسلو (1993) وإعلان الاستقلال (1988): مثلت هذه الاتفاقيات اعترافاً جزئياً بكيان سياسي فلسطيني، بينما شكّل إعلان الجزائر حجر أساس للاعتراف الثنائي من قبل عشرات الدول.
الآثار والتداعيات المترتبة على الاعتراف
يترتب على الاعتراف الدولي المتزايد بفلسطين آثار قانونية وسياسية عميقة:
1. ترسيخ حق تقرير المصير: يُعزز الاعتراف الحق الأصيل للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره سياسياً وإقامة دولته المستقلة، ويُضعف الشرعية القانونية للممارسات الاستيطانية ويفرضها كانتهاك صارخ للقانون الدولي.
2. تعزيز الشخصية القانونية الدولية: يمكن الاعتراف فلسطين من:
الانضمام إلى المزيد من المعاهدات والمنظمات الدولية (مثل منظمة الصحة العالمية، الإنتربول).
ملاحقة المسؤولية القانونية للكيان الصهيوني عن انتهاكات القانون الدولي، كما حدث مع إحالة الوضع في فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية وإصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين صهاينة.
3. إقرار مبدأ المساواة في السيادة: يضع الاعتراف فلسطين، نظرياً وقانونياً، على قدم المساواة مع باقي الدول في المحافل الدولية، تماشياً مع ميثاق الأمم المتحدة (المادة 2/1). كما يخلق ضغطاً دبلوماسياً وسياسياً متزايداً على الكيان الصهيوني لإنهاء احتلاله.
4. تعزيز الحضور الدولي والفاعلية الدبلوماسية: يمنح الاعتراف فلسطين وزناً أكبر في المنظمات الدولية، ويوسع قدرتها على:
المشاركة الفاعلة في صياغة القرارات والمقترحات.
إقامة تحالفات دولية وعلاقات ثنائية.
الحصول على دعم لبناء مؤسسات الدولة (قضائية، تعليمية، صحية).
التحديات والعقبات
رغم هذه الآثار الإيجابية، لا تزال هناك تحديات تعترض طريق تحويل الاعتراف إلى واقع ملموس، أبرزها:
استمرار استخدام أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي من قبل بعض القوى، كما حدث مع إلغاء الولايات المتحدة التأشيرات لأعضاء السلطة الفلسطينية قبل اجتماعات الجمعية العامة، في محاولة للحد من حركتهم الدولية.
خاتمة
يُشكل الاعتراف الدولي المتصاعد بدولة فلسطين أداة قانونية وسياسية حاسمة لتعزيز مكانتها الدولية، وترسيخ حقها في الوجود، ومحاسبة الاحتلال على انتهاكاته. ورغم العقبات، فإنه يمثل زخماً لا يمكن تجاهله نحو تحقيق حل الدولتين وإنهاء الصراع.
المراجع:
إبراهيم سيف منشاوي،9 سبتمبر 2025، "الآثار القانونية والسياسية المترتبة على الاعتراف الدولي بفلسطين"، مركز المستقبل،
محمد عبد الله، "الاعتراف بدولة فلسطين: خطوة نحو إنهاء الاحتلال"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 145، 2024.
