لماذا تصاعدت مكانة “سبيس إكس” في مشروع القبة الذهبية “الأمريكية”؟
فرع بنغازي

تحولت شركة "سبيس إكس" خلال فترة وجيزة إلى الفاعل المركزي في مشروع "القبة الذهبية" الذي أطلقه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، وهو مشروع دفاعي ضخم يستهدف بناء درع فضائي متعدد الطبقات لرصد الصواريخ والطائرات المعادية عبر شبكة واسعة من الأقمار الصناعية. ويعود هذا التحول إلى امتلاك الشركة بنية تحتية فضائية لا تملكها أي شركة أخرى، وقدرتها الفريدة على تصنيع وتشغيل مجموعات ضخمة من الأقمار الصناعية بكفاءة عالية. ولهذا السبب اتجهت وزارة الحرب الأمريكية إلى التخطيط لمنح الشركة عقداً بقيمة (2) مليار دولار لنشر ما يصل إلى نحو (600) قمر صناعي ضمن طبقة "الأهداف المتحركة جواً" التي تُعد أحد الأعمدة الأساسية للمشروع. غير أن اتساع هذا الدور أثار في المقابل تساؤلات ومخاوف داخل الأوساط الأمريكية بشأن مخاطر الاعتماد على شركة واحدة في منظومة دفاعية بهذا الحجم والدور.

توسع الدور

تضافرت مجموعة من العوامل التي دفعت شركة "سبيس إكس" لتصبح الفاعل الرئيس في مشروع "القبة الذهبية" الذي أعلنه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، ويمكن إبراز أهم هذه العوامل على النحو الآتي:

1- تفوق البنية التحتية الفضائية والجاهزية التشغيلية: تمتلك شركة "سبيس إكس" مجموعة من أقمار الاتصالات "ستارلينك"، بجانب أنها تمتلك وحدة خدمات مخصصة للعملاء الدفاعيين وهو ما يمنحها قاعدة تقنية وتجريبية مجهزة لتوفير اتصالات ونظم استشعار لصالح منظومة الدفاع الفضائية، وهو ما يقلل الحاجة لبناء كل شيء من الصفر، بالإضافة إلى أنها رائدة في إطلاق وتشغيل مجموعة كبيرة من الأقمار الصناعية بفضل امتلاكها وحدة "ستارشيلد"، غير أنها تبني الأقمار الصناعية بطريقة خطوط الإنتاج (مثل مصانع السيارات) وليس بصورة فردية كما تفعل شركات الفضاء التقليدية، لذا فهي تعتبر مؤهلة لبناء الأقمار الصناعية التي يطمح فيها مشروع "القبة الذهبية" والذي يتكون من حوالي (600) قمر صناعي لرصد الصواريخ وتتبعها.

2- توافق النموذج التقني للشركة مع متطلبات المشروع الدفاعي: من بين الأسباب التي جعلت شركة "سبيس إكس" هي الخيار الأول أمام البنتاجون لتكون الفاعل الرئيس في مشروع "القبة الذهبية" أنهما يشتركان في نفس الرؤى والأهداف، وذلك لأن مشروع "القبة الذهبية" يهدف إلى الانتشار الكثيف للأقمار الصناعية الصغيرة، وهو ما تبرع فيه شركة "سبيس إكس"، بجانب أن الشركة لديها صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام وهذا الأمر يقلل من تكلفة إطلاق الأقمار الصناعية بشكل كبير مقارنة بالشركات التقليدية التي تعمل في نفس المجال، وهذا الأمر يتوافق مع رؤية الرئيس الأمريكي الذي يريد إنشاء درع فضائي ضخم وفي الوقت ذاته منخفض التكلفة.

3- التفوق التنافسي لـ"سبيس إكس" على الشركات الدفاعية التقليدية: تتمتع الشركة بالعديد من المزايا التي تجعلها تتفوق على شركات الدفاع التقليدية، ومن بين هذه المزايا القدرة على نشر أقمار صناعية خلال فترة قصيرة مقارنة بغيرها، وذلك لأن لديها سرعة في التنفيذ وسلاسة في الإنتاج إذا ما قورنت بشركة "بوينج" وشركة "لوكهيد مارتن"، بجانب أنها تستطيع إطلاق الصواريخ بتكلفة منخفضة، وذلك لأنها تنتج صواريخ قابلة للاستخدام مرة أخرى، بالإضافة إلى أن لديها خبرات واسعة في العقود الحكومية، وذلك لأنها حصلت على عقود حكومية سابقة وقدمت خدمات الاتصالات العسكرية لصالح قطاعات داخل البنتاجون، وهذا ما جعلها مرشحاً طبيعياً للعمل على قطاعات الاتصالات والاستشعار للمشروع أكثر من نظرائها الذين يعملون في المجال نفسه.

 

4- الارتباط المؤسسي بين "سبيس إكس" ووزارة الحرب الأمريكية: لا يعد المشروع أمراً مستحدثاً على شركة "سبيس إكس"، حيث فازت الشركة بعقود متتالية مع وزارة الدفاع الأمريكية (وزارة الحرب حالياً) منذ عام 2002، مثل عقود إطلاق عسكرية وعقود لإنشاء شبكة اتصالات عسكرية قائمة على أقمار "ستارلينك"، بالإضافة إلى تعاونها مع وكالة تنمية الفضاء (SDA)، بجانب ذلك أثبتت الشركة قدرتها على نشر أقمار ذات مستشعرات تتبع بالأشعة تحت الحمراء، والتي لديها القدرة على رصد الصواريخ الباليستية، حيث إن البنتاجون يعتبر هذه التكنولوجيا أساس مشروع "القبة الذهبية"، لذلك رأى أنها شريك موثوق به أكثر من المؤسسات الدفاعية الأخرى.

تداعيات متعددة

تتوقع الأوساط الأمريكية أن تترتب جملة من التداعيات إثر تولي شركة "سبيس إكس" موقع الفاعل الرئيس في مشروع "القبة الذهبية" الذي أطلقه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، ويمكن إبراز أهم هذه التداعيات على النحو الآتي:

1- تعاظم حضور الشركة داخل بنية الأمن القومي الأمريكي: من المتوقع أن يلجأ البنتاجون إلى الاعتماد الأساسي على شبكة الاتصالات الفضائية التي تُديرها الشركة، وهذا الاعتماد سيُمكن الشركة من ترسيخ مكانتها كمزود تقني استراتيجي دفاعي وليس مجرد شركة فضائية تجارية، وبوجودها في قلب مشروع فضائي ضخم بهذا الحجم ستحظى بنفوذ تقني داخل العديد من المؤسسات الدفاعية على مستوى العالم في الفترة المقبلة، فقد أفادت مصادر مُطلعة بأن الشركة من المحتمل أن تحصل على عقود دفاعية ضخمة بمليارات الدولارات، وهذا الأمر سوف يعزز من مكانتها كلاعب رئيس في المجال.

2- ترسيخ نفوذ استراتيجي ممتد للشركة في منظومة الدفاع: من المرجح أن تحظى الشركة بنفوذ طويل الأمد في منظومة الأمن الأمريكي، وذلك من خلال اقتراحها على وزارة الحرب الأمريكية أن يكون التعامل بينهما جزءاً من "نموذج اشتراك" تدفع فيه الحكومة الأمريكية مقابل الوصول إلى قدراتها بدلاً من امتلاكها بالكامل، وهذا الاقتراح سيمنحها نفوذاً مستمراً لأنها لا تكتفي بصفقة واحدة بل قد تستمر الحكومة الأمريكية في الاعتماد عليها لفترة طويلة مما يعزز من دورها في منظومة الأمن القومي الأمريكي، لذلك انتقد بعض النواب الديمقراطيين هذا الاقتراح لأن من شأنه أن يُقيد من قدرة الحكومة على التحكم الكامل بالمشروع من حيث الملكية والتشغيل والصيانة والتحديث.

3- تعزيز مرونة وسرعة الاتصالات الميدانية الدفاعية: من المحتمل أن تستخدم "سبيس إكس" الكوكبة الفضائية التي تمتلكها المتمثلة في ستارلينك في بث البيانات التي تتعلق بالكشف عن الصواريخ وتتبعها، وهذا الأمر قد يتم دمجه مع أنظمة البنتاجون لتوفير تغذية سريعة للمعلومات الاستخباراتية وبيانات الرصد الفضائي، بجانب أنه مع وجود شبكة أقمار صناعية خاصة بشركة "سبيس إكس" قد يسمح بتحسين الاتصالات الميدانية عند وقوع أي تهديد صاروخي بحيث تصبح البيانات والتنبيهات منتشرة بسرعة وبشكل موثوق.

4- تحول خريطة التوازنات داخل قطاع الصناعات الدفاعية: من المتوقع أن يشهد قطاع الصناعات الدفاعية التقليدية تحولاً كبيراً نتيجة الصعود المتسارع لشركة "سبيس إكس"، وهو صعود بات يهدد موقع الشركات الكبرى مثل "لوكهيد مارتن" و"نورثروب جرومان" و"بوينج" التي اعتادت لعقود أن تكون المزود الرئيسي للمؤسسات الحكومية. ويعود هذا التحول إلى امتلاك "سبيس إكس" قدرة فائقة على تصنيع الصواريخ وإطلاقها بسرعة وتكلفة منخفضة، ما جعلها الخيار الأول أمام وزارة الدفاع الأمريكية في مشروع "القبة الذهبية". وسيدفع هذا الواقع الشركات التقليدية إلى إعادة هيكلة عملياتها للحفاظ على قدرتها التنافسية، كما قد يفتح المجال أمام دخول شركات تكنولوجية جديدة إلى القطاع، ويحفز تعديل سياسات التعاقد بما يعزز مستوى المنافسة داخل السوق الدفاعية الأمريكية.

مخاطر مُتصاعدة

تبرز مجموعة من المخاطر المحتملة المرتبطة بصعود شركة "سبيس إكس" وتوليها موقع الفاعل الرئيسي في منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية، ويمكن عرض أبرز هذه المخاطر على النحو الآتي:

1- احتكار قدرات الإطلاق والاتصالات الدفاعية: فقد يؤدي ترشيح البنتاجون لشركة "سبيس إكس" عن غيرها من الشركات الدفاعية إلى تركيز السلطات والقدرات الدفاعية في يد شركة واحدة، وستصبح هذه الشركة هي المزود الوحيد للدفاع الأمريكي، لذلك انتقد الكثير من النواب الديمقراطيين هذا القرار لأنهم يرون أن أي قرار تجاري أو سياسي قد تتخذه الشركة قد ينعكس مباشرة على العمليات الدفاعية الأمريكية وعلى منظومة الأمن القومي الأمريكي بأكمله، لذلك يجب الاعتماد على أكثر من شركة حتى لا تُهدد منظومة الدفاع الأمريكي.

2- تهديد الأمن القومي الأمريكي في حالات الخلل والاختراق: قد يواجه الأمن القومي الأمريكي مخاطر جدية في حال تعرض شركة "سبيس إكس" لأي خلل تقني أو توقف مفاجئ في عملياتها، سواء نتيجة أعطال داخلية أو تحركات من دول تعتبر قدرات الشركة تهديداً لمصالحها. وفي مثل هذه الحالات، قد تتعطل منظومات الدفاع الفضائي الأمريكية، ويتباطأ تدفق البيانات الحساسة المتعلقة برصد التهديدات الصاروخية، بما يؤدي إلى تأخر الاستجابة أو فقدان معلومات حيوية، وهو ما يُضعف قدرة الولايات المتحدة على مواجهة التهديدات الخارجية. وإلى جانب ذلك، يظل خطر الاختراق السيبراني قائماً، إذ قد تستهدف جهات معادية البنية الرقمية للشركة لاختراق أنظمة التحكم بالأقمار الصناعية أو اعتراض الاتصالات الدفاعية، ما يفاقم مستوى الهشاشة داخل المنظومة الدفاعية الأمريكية.

3- تراجع تطور الشركات التقليدية وصعود "سبيس إكس" كخيار شبه حصري: قد تجد الشركات الدفاعية التقليدية نفسها مضطرة إلى إبطاء أو حتى وقف مسار تطويرها التقني بسبب عجزها عن مجاراة وتيرة التقدم السريعة التي تحققها "سبيس إكس". ومع تقلص البدائل القادرة على المنافسة، تصبح الشركة الخيار شبه الحتمي أمام البنتاجون، الأمر الذي يضعف قدرة وزارة الحرب الأمريكية على التفاوض بشأن الشروط أو الأسعار. ونتيجة لذلك، قد تزداد درجة اعتماد مشاريع الدفاع الأمريكية على مزود واحد، بما يرفع تكلفة العقود المستقبلية ويحد من مرونة الحكومة في إدارة منظومتها الدفاعية.

4- تزايد عوائق دخول منافسين جدد للشركة بسبب التكلفة: قد تواجه الشركات الراغبة في دخول مجال الدفاع الفضائي عقبات كبيرة نتيجة الشروط الصارمة التي تفرضها وزارة الحرب الأمريكية، إضافة إلى الحاجة لاستثمارات ضخمة في البنية التحتية والبحث والتطوير لإنشاء منظومات قادرة على مجاراة المعايير العسكرية. ويتضاعف حجم التحدي مع التسارع الكبير في التقنيات التي تطورها "سبيس إكس"، ولا سيما في إدارة الأقمار الصناعية وتشغيلها. ولهذا، تجد الشركات الجديدة نفسها أمام حاجز دخول مرتفع يجعل قدرتها على منافسة "سبيس إكس" أمراً بالغ الصعوبة.

ختاماً، تكشف تجربة "سبيس إكس" داخل مشروع "القبة الذهبية" عن تحول عميق في طبيعة الصناعات الدفاعية الأمريكية، حيث لم تعد المشاريع الاستراتيجية الكبرى حكراً على الشركات التقليدية، بل أصبحت الشركات التكنولوجية ذات القدرة على الابتكار السريع والهيكلة المرنة شريكاً رئيسياً في صياغة مستقبل الدفاع الصاروخي. وقد استطاعت "سبيس إكس" أن تفرض نفسها في قلب المشروع بفضل قدراتها الفريدة على خفض تكلفة الإطلاق، وتسريع عمليات الإنتاج، وتشغيل مجموعات ضخمة من الأقمار الصناعية. ومع ذلك، فإن توسع دور الشركة ترافقه تحديات بالغة الحساسية تتعلق بتركيز القدرات الدفاعية في يد فاعل واحد، وتعاظم مخاطر الأعطال أو الهجمات السيبرانية، إضافة إلى الضغط المتزايد على الشركات الدفاعية التقليدية، وتراجع فرص المنافسين الجدد في دخول سوق التعاقدات الدفاعية.



المراجع:

ناريمان عبدالفضيل،5.12.2025، لماذا تصاعدت مكانة "سبيس إكس" في مشروع "القبة الذهبية" الأمريكية؟، موقع إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية.

 

وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون). (2024). تقارير عن تعزيز القدرات الفضائية للدفاع الصاروخي. واشنطن العاصمة.

المقالات الأخيرة