الإطار القانوني لمكافحة الفساد في ليبيا بين النص والتطبيق
فرع بنغازي

يُعَدّ الفساد من أخطر الظواهر التي تهدد التنمية والاستقرار في الدول، إذ يُقوّض مبادئ العدالة ويُضعف الثقة بالمؤسسات العامة. وفي ليبيا، تفاقمت مظاهر الفساد نتيجة هشاشة البنية المؤسسية وضعف تطبيق القانون. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الإطار القانوني لمكافحة الفساد في ليبيا من حيث النصوص التشريعية والآليات التنفيذية، مع بيان مواطن القصور والتحديات العملية التي تواجه الجهات الرقابية والقضائية. كما تسعى الورقة إلى تقديم رؤية إصلاحية لتعزيز الشفافية والمساءلة بما يتوافق مع المعايير الدولية.

أولًا: مفهوم الفساد وأشكاله

يُعرَّف الفساد بأنه استغلال الوظيفة العامة لتحقيق منافع شخصية أو فئوية على حساب المصلحة العامة. ويتخذ صورًا متعددة مثل: الرشوة، والاختلاس، وسوء استعمال المال العام، والمحاباة والمحسوبية في التعيينات، والتلاعب في العقود والمشتريات العامة.

أن الفساد لا ينطوي فقط على إساءة استخدام المنصب العام، بل يشمل أيضًا إساءة استخدام السلطة والنفوذ المخول لشخص ما نتيجة توليه منصبًا سياسيًا، أو تولي دور مؤثر في شركة، أو امتلاك ثروة شخصية أو الوصول إلى موارد كبيرة، أو التمتع بمكانة اجتماعية عالية. 

 

نتوسع أكثر في مفهوم الكسب الشخصي. لا يقتصر الفساد على الكسب الشخصي فحسب، بل قد يشمل مكاسب لكيان جماعي، كحزب سياسي أو شركة أو مجموعة من الأفراد. ولا يقتصر الكسب على الكسب المالي فحسب، بل يشمل أيضًا المكاسب غير المالية، وخاصةً الحفاظ على نفوذ شخص أو كيان أو تعزيزه. 

 

من المهم ألا يقتصر الفساد على الرشوة المالية، بل أن يشمل مجموعة واسعة من السلوكيات، مثل تضارب المصالح، والمحسوبية، والمحسوبية، والاختلاس، واستغلال النفوذ، والتلاعب بالعمليات التشريعية لتحقيق غرض فساد خفي. ويمكن توسيع هذه القائمة. 

 

أخيرًا، لم يعد الفساد دائمًا مسألة فعل ونتائج فورية أو مباشرة، بل يُنظر إليه بشكل متزايد على أنه لعبة طويلة الأمد، خاصةً عندما يكون هدفها الوصول إلى السلطة والنفوذ أو الحفاظ عليهما، وتوسيع النفوذ الجيوسياسي. 

 

وفي السياق الليبي، يتداخل الفساد الإداري بالفساد المالي نتيجة غياب منظومة محاسبية موحّدة وضعف الرقابة على المؤسسات العامة.

ثانيًا: الإطار التشريعي لمكافحة الفساد في ليبيا

وضعت ليبيا عددًا من القوانين والقرارات التي تهدف إلى مكافحة الفساد، من أبرزها:

1. القانون رقم (2) لسنة 2005 بشأن مكافحة الفساد.

2. القانون رقم (11) لسنة 2013 بشأن إنشاء هيئة مكافحة الفساد.

3. القانون رقم (19) لسنة 2013 بإنشاء هيئة الرقابة الإدارية.

4. القانون رقم (20) لسنة 2013بشأن ديوان المحاسبة.

رغم تعدد هذه الأطر التشريعية، إلا أن التداخل بين اختصاصات الأجهزة الرقابية يؤدي إلى ضعف التنسيق وازدواجية القرارات.

ثالثًا: دور الأجهزة الرقابية والقضائية

تتوزع مهام مكافحة الفساد بين ثلاث مؤسسات رئيسية: هيئة الرقابة الإدارية، ديوان المحاسبة، وهيئة مكافحة الفساد. إلا أن الأداء العملي لهذه الجهات يُعاني من ضعف التنسيق المؤسسي، ونقص الكوادر المؤهلة، وتأثير الانقسام السياسي الذي يحدّ من فاعلية الرقابة الموحدة.

رابعًا: التزامات ليبيا الدولية

انضمّت ليبيا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد سنة 2005، والتي تُلزم الدول باتخاذ تدابير تشريعية ومؤسسية لضمان تعزيز الشفافية وتجريم الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ والتعاون القضائي واسترداد الأموال المنهوبة. غير أن التطبيق الفعلي في ليبيا لا يزال محدودًا بسبب غياب استراتيجية وطنية متكاملة.

خامسًا: التحديات العملية في مكافحة الفساد

تواجه ليبيا عدة تحديات أبرزها: الانقسام السياسي والإداري، وغياب الشفافية في الإنفاق العام، وضعف استقلالية الأجهزة الرقابية، ونقص برامج التوعية القانونية والثقافة المؤسسية للنزاهة.

سادسًا: نحو إصلاح منظومة النزاهة الوطنية

لتفعيل مكافحة الفساد، تقترح الدراسة مجموعة من التدابير الإصلاحية:

1. إعادة هيكلة الأجهزة الرقابية.

2. إصدار قانون لحماية المبلّغين عن الفساد.

3. تعزيز الشفافية الإلكترونية.

4. تطوير قدرات القضاء المالي والإداري.

5. إطلاق استراتيجية وطنية شاملة تعتمد على مبادئ الحوكمة الرشيدة.

الخاتمة

أن مكافحة الفساد في ليبيا ليست مسؤولية قانونية فقط، بل هي قضية وطنية تتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني والإعلام. إن بناء منظومة نزاهة وطنية راسخة يمثل خطوة أساسية نحو استعادة الثقة العامة وتحقيق التنمية المستدامة في ليبيا.



المراجع

1. القانون رقم (2) لسنة 2005 بشأن مكافحة الفساد، الجريدة الرسمية الليبية.

2. القانون رقم (11) لسنة 2013 بشأن إنشاء هيئة مكافحة الفساد.

3. القانون رقم (19) لسنة 2013بشأن هيئة الرقابة الإدارية.

4. القانون رقم (20) لسنة 2013 بشأن ديوان المحاسبة.

5. اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (2003، الأمم المتحدة – نيويورك.

6. تقرير ديوان المحاسبة الليبي، (2023).

7. إبراهيم فتحي مبارك، الشفافية والمساءلة في الإدارة العامة الليبية، مجلة القلم، جامعة طرابلس الأهلية، 2022.

المقالات الأخيرة