هل تقترب التجربة الصينية من نهاية “عصر الوفرة”؟
فرع بنغازي

استهدف الإصلاح الاقتصادي الصيني، الذي بدأه الرئيس الأسبق دينغ شياو بينغ، المُلقب بـــ"مهندس الإصلاح الاقتصادي" في أواخر السبعينيات، التحول من دولة زراعية تعاني الفقر إلى ثاني أكبر اقتصاد عالمي، واستند ذلك إلى استراتيجيات عدة أبرزها: تعظيم الاستفادة من العمالة الوطنية، وتحسين البنية التحتية ووضع سياسات حكومية قائمة على تشجيع التصنيع والتصدير، وفتح الأبواب أمام السوق الحرة وجذب الاستثمارات الأجنبية؛ الأمر الذي أسهم في النمو الاقتصادي الصيني ورفع مستويات المعيشة لمئات الملايين وأعاد تشكيل موازين القوى العالمية.

ومع ذلك، تواجه الصين حالياً تحديات مثل: شيخوخة السكان، والتفاوت الاجتماعي، والتوترات الجيوسياسية، وهي تثير تساؤلات حول استدامة هذا الصعود الاستثنائي. هذا الأمر طرحه الكاتب وانغ فينغ، في كتابه الذي جاء بعنوان "عصر الوفرة في الصين: الأصول، الصعود، والتداعيات". ويناقش الكتاب ما يعرف بــ"المعجزة الصينية" ويفسر التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها الصين خلال العقود الأخيرة، والتي استطاعت خلالها تحقيق طفرة اقتصادية هائلة. ويبيّن التحديات التي تواجه استراتيجيات النمو ذاتها خاصة، تضاؤل احتياطي العمالة الريفية، والتي كانت ركيزة رئيسية في النهضة الاقتصادية الصينية، إضافة إلى أن تشديد السيطرة السياسية داخل الصين قد يؤدي إلى الركود الاقتصادي والاختناق الاجتماعي. 

ركائز وعوامل الانتقال:

أسهمت عدة عوامل في تحقيق الطفرة الاقتصادية في الصين وتحولها إلى قوة اقتصادية عالمية بداية من السبعينيات، ويمكن توضيحها في التالي:

التوازن بين الدور المركزي للدولة واقتصاد السوق: على عكس التصورات الغربية التي ترى الإصلاحات الاقتصادية كتحرر اقتصادي كامل؛ كان هناك قدر من التوازن بين دور الدولة وحرية السوق في الصين، فاحتفظت الدولة بدور قيادي في إدارة وتوجيه النمو من خلال التخطيط الاستراتيجي والاستثمارات في البنية التحتية؛ حيث وجهت الحكومة الموارد نحو القطاعات ذات الأولوية، وهذا المزيج من التخطيط المركزي والمرونة السوقية كان مفتاح النجاح.

وارتباطاً بذلك فقد عكست زيادة استهلاك السلع الاستهلاكية في الصين التحول نحو اقتصاد السوق، ففي عام 1978، كان استهلاك السلع الأساسية مثل الأحذية محدوداً للغاية. وبحلول عام 2015، أصبحت الصين أكبر مصدر للأحذية في العالم، حيث صدَّرت 3,5 مليار زوج سنوياً، هذا التوسع لم يقتصر على السلع الأساسية؛ بل شمل السلع الفاخرة مثل السيارات وغيرها، فعلى سبيل المثال، ارتفع عدد السيارات المملوكة للأفراد من بضعة ملايين في التسعينيات إلى أكثر من 200 مليون بحلول عام 2020. هذا التحول يعكس ليس فقط زيادة في الدخل؛ بل أيضاً تغيراً في أنماط الحياة والتوقعات الاجتماعية.

_ تعظيم الاستفادة من العمالة الريفية: كانت العمالة الريفية العمود الفقري لنمو الصين. فقبل الإصلاحات الاقتصادية في الثمانينيات، كانت الصين تمتلك قوة عاملة ريفية صحية ومتعلمة نسبياً بفضل سياسات الصحة العامة والتعليم في عهد ماو تسي تونغ، هذه العمالة تم استغلالها من خلال نظام الهوكو (نظام لتسجيل الأفراد والأسر)، الذي فرض قيوداً على حركة الريفيين إلى المدن؛ مما جعلها متاحة بتكلفة منخفضة للصناعات الريفية والحضرية. فعلى سبيل المثال، أسهمت الشركات الريفية بنسبة 50% من الناتج الصناعي في التسعينيات؛ مدفوعة بهذه العمالة، هذا النموذج، المعروف بـ"التصنيع دون تحضر" سمح للصين بتحقيق طفرة صناعية دون تحمل تكاليف التحضر الشامل.

_ العوامل التاريخية والعالمية: أسهمت عوامل تاريخية وأخرى دولية في صعود الصين، فداخلياً أعادت قرارات دينغ شياو بينغ، مثل جولته الجنوبية في عام 1992، الزخم للإصلاحات الاقتصادية وتشجيع الاستثمارات. كما أن الثورة الثقافية، رغم تكاليفها الاجتماعية، خلقت جيلاً من العمال الريفيين المتعلمين والمنضبطين. وعلى الصعيد العالمي، حوّلت أحداث مثل 11 سبتمبر 2001انتباه الولايات المتحدة بعيداً عن الصين؛ مما سمح لها بتسريع نموها دون مواجهة ضغوط جيوسياسية كبيرة. كما أن انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في 2001 عزز أيضاً صادراتها؛ مما أسهم في تحقيق فائض اقتصادي كبير.

_ تحول الديناميكيات الاجتماعية القاعدية: إن التحولات الرئيسية في الصين جاءت مدفوعة بديناميكيات اجتماعية قاعدية على سبيل المثال، فإلغاء الجماعية الزراعية (الكوميونات الشعبية) في أواخر السبعينيات بدأ كمبادرة محلية في قرى مثل شياوقانغ في مقاطعة "أنهوي" حيث قاومت الحكومة هذه المبادرات في البداية قبل أن تتبناها، كذلك فإن صعود الصناعات الريفية وهجرة العمالة إلى المدن لم يكن نتيجة تخطيط حكومي مباشر؛ بل استجابة لضغوط اقتصادية واجتماعية. هذه الديناميكيات تُظهر أن نجاح الصين لم يكن نتيجة سياسات من أعلى إلى أسفل فقط؛ بل تفاعل معقد بين المبادرات الشعبية والتدخلات الحكومية.

مظاهر عصر الوفرة:

إن ما حققته الصين من تحولات اقتصادية واجتماعية خلال العقود الأربعة الماضية، ومسار انتقالها من حالة الفقر المدقع إلى ما يُعرف بـ"عصر الوفرة"، لم يقتصر فقط على تحسين مستويات المعيشة؛ بل امتد ليشمل زيادة استهلاك السلع، وتحسين التغذية، وارتفاع مؤشرات الصحة والرفاهية، ولعل تلك الطفرة ناجمة عن عدة مظاهر يمكن توضيحها في التالي:

_ التحول الاجتماعي والاقتصادي: شهدت الصين منذ أواخر السبعينيات تحولاً جذرياً من اقتصاد زراعي فقير إلى قوة اقتصادية عالمية. هذا التحول، الذي يُشار إليه بـ"عصر الوفرة"؛ أدى إلى تحسين مستويات المعيشة لنحو 1,4 مليار شخص؛ أي خُمس سكان العالم. ففي عام 1978، كان الاقتصاد الصيني يعتمد بشكل رئيسي على الزراعة الجماعية، مع مستويات معيشة محدودة، ولكن بحلول عام 2015، أصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد عالمي، مع نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير. هذا الانتقال من الفقر إلى الوفرة المادية لم يكن مجرد تحسن اقتصادي؛ بل شمل تغيرات اجتماعية عميقة، مثل زيادة استهلاك السلع والخدمات، وتحسين مستويات التعليم، والرعاية الصحية.

_ توطين الأمن الغذائي: كانت مقومات التغذية في الصين خلال السبعينيات ضئيلة للغاية، ولكن مع إصلاحات دينغ شياو بينغ الزراعية، التي ألغت الجماعية الزراعية، زاد إنتاج الحبوب بنسبة 30% بين عامي 1978 و1985. هذا الارتفاع أدى إلى تحسن كبير في تعزيز كمية وجودة السلع والمنتجات الغذائية المختلفة، فضلاً عن تغيير الأنماط الغذائية وارتفاع القدرة الشرائية، ولعل هذا التحسن لم يقتصر على المدن؛ بل شمل المناطق الريفية؛ مما أسهم في تقليص الفجوات الغذائية بين الريف والحضر.

مؤشرات الصحة والرفاهية: تُعد زيادة متوسط الطول، خاصة بين الفتيات الريفيات، أحد أبرز مؤشرات تحسن الصحة والتغذية، هذا التحسن يعكس زيادة الوصول إلى التغذية الجيدة، والرعاية الصحية، وتحسين الظروف المعيشية، كما تقلصت الفجوة في مؤشرات الصحة بين الريف والحضر؛ حيث أصبحت الفتيات الريفيات أقرب إلى نظيراتهن الحضريات في الطول والوزن، بالإضافة إلى ذلك فقد انخفضت معدلات الوفيات بين الأطفال، وزادت متوسطات العمر المتوقع؛ مما يعزز فكرة أن عصر الوفرة لم يكن مجرد ظاهرة اقتصادية؛ بل تحولاً شاملاً في الرفاهية العامة.

_ الانتقال إلى الوفرة المادية: يُظهر الانتقال إلى الوفرة المادية قدرة الصين على تحقيق نمو اقتصادي واجتماعي غير مسبوق في فترة زمنية قصيرة. هذا الانتقال لم يكن نتيجة عوامل اقتصادية فقط؛ بل شمل ديناميكيات اجتماعية معقدة، مثل تحرير القوى المنتجة في الريف، وتوسع الصناعات الريفية، والهجرة الداخلية الكبيرة. ومع ذلك، فإن هذه الوفرة لم تتوزع بالتساوي؛ حيث استفاد سكان المدن بشكل أكبر من الريفيين؛ مما أدى إلى ظهور تفاوتات اجتماعية كبيرة ستُناقش لاحقاً.

خصائص الصعود والنمو:

هناك جملة من الخصائص التي يتسم بها النمو الصيني يمكن توضيحها في الآتي:

_ التصنيع دون تحضر: تميز نمو الصين بنمط فريد يُعرف بـ"التصنيع دون تحضر"، ففي عام 1978، شكل القطاع غير الزراعي 50% من الناتج الاقتصادي، لكن 20% فقط من السكان كانوا حضريين، هذا النمط نتج عن نظام الهوكو، الذي منع الريفيين من الاستقرار الدائم في المدن؛ مما سمح بتوسيع الصناعات الريفية دون تحمل تكاليف التحضر الشامل. هذا النموذج مكّن الصين من تحقيق نمو صناعي سريع مع الحفاظ على تكاليف العمالة منخفضة؛ لكنه أدى أيضاً إلى تفاقم التفاوتات بين الريف والحضر.

_ الهجرة الحضرية والتمييز: بعد التسعينيات، بدأت هجرة واسعة النطاق من الريف إلى المدن؛ حيث أسهم المهاجرون الريفيون في بناء البنية التحتية الحضرية، مثل المباني، والجسور، والمطارات. ومع ذلك، ظلوا مواطنين من الدرجة الثانية بسبب قيود الهوكو، التي حرمت المهاجرين من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية مثل التعليم والرعاية الصحية. هذا التمييز أدى إلى انخفاض أجور المهاجرين مقارنة بنظرائهم الحضريين.

_ الفائض الاقتصادي: تميز نمو الصين بزيادة الفائض الاقتصادي، وهو الفرق بين الإنتاج والاستهلاك. فبين عامي 2002 و2014، نما هذا الفائض بشكل كبير، مدعوماً بالصادرات والاستثمارات في البنية التحتية. ومع ذلك، بدأ الفائض ينخفض بحلول 2018؛ بسبب زيادة الاستهلاك الخاص والعام، خاصة في التعليم والرعاية الصحية. 

_ دور بارز للصناعات الريفية: كان للشركات الريفية دور محوري في نمو الصين، ففي التسعينيات أسهمت هذه الشركات بنسبة 50% من الناتج الصناعي، وكانت المحرك الرئيسي للصادرات الصينية. وعلى عكس الصناعات الحكومية الكبرى، كانت الشركات الريفية مرنة ومملوكة محلياً؛ مما سمح لها بالاستجابة بسرعة لاحتياجات السوق العالمية. كما مهدت هذه الشركات الطريق لجيل من رواد الأعمال الصينيين، الذين انتقلوا لاحقاً إلى المدن لتأسيس شركات خاصة؛ مما عزز الاقتصاد الحضري.

تحديات مستقبلية:

على الرغم من النمو الاقتصادي الذي شهدته الصين؛ فإن هناك العديد من التحديات التي من المحتمل أن تواجهها مستقبلياً، ويمكن توضيحها في الآتي:

_ التفاوتات الاجتماعية: أدى نمو الصين إلى تفاقم التفاوتات الاجتماعية، خاصة بين الريف والحضر؛ حيث استفاد سكان المدن من طفرة العقارات، والتي نتجت عن زيادة قيمة العقارات في مدن مثل بكين وشنغهاي بشكل كبير؛ مما أتاح للحضريين مكاسب مالية كبيرة، في المقابل، استُبعد المهاجرون الريفيون من هذه الطفرة بسبب قيود الهوكو؛ مما عزز الفجوة الاقتصادية، وجعل الصين واحدة من أكثر المجتمعات تفاوتاً في العالم.

_ شيخوخة السكان: تواجه الصين تحدياً ديمغرافياً كبيراً بسبب شيخوخة السكان، كما أن ارتفاع الأمراض المزمنة يزيد من الضغط على النظام الصحي، هذا التحدي يتطلب إصلاحات جذرية في نظام التقاعد والرعاية الصحية لضمان استدامة النمو.

_ تداعيات سياسة الطفل الواحد: أنتجت سياسة الطفل الواحد، التي فُرضت بين عامي 1979 و2015، ملايين الأسر بطفل واحد. هذه السياسة، رغم أنها أسهمت في تقليل معدل الخصوبة وتحسين الصحة العامة؛ فإنها وضعت عبئاً اقتصادياً وعاطفياً على الأطفال الوحيدين، الذين يتحملون مسؤولية رعاية والديهم المسنين. وهذا الوضع يفاقم تحدي شيخوخة السكان، حيث يتقلص عدد السكان في سن العمل؛ مما يهدد الإنتاجية الاقتصادية.

_ غياب النهضة الثقافية: على الرغم من الطفرة المادية الهائلة التي حققتها الصين خلال العقود الأخيرة؛ فإنها لم تشهد نهضة ثقافية أو فكرية تضاهي ما حدث في أوروبا خلال عصر التنوير. ففي الثمانينيات، برزت مناقشات واعدة حول حقوق الفرد وحرية التعبير؛ لكن هذه الحركة سرعان ما تراجعت مع تعزيز السيطرة السياسية. فالإنتاج الثقافي الحالي في الصين، مثل الأوبرا والقصور، يميل إلى التركيز على تعزيز الفخر الوطني بدلاً من تشجيع الفردية أو الإبداع الشخصي، مع تراجع واضح في "سوق الأفكار"؛ مما يحد من الابتكار الثقافي والاجتماعي.

_ عدم اليقين المستقبلي: هناك هشاشة في النجاح الاقتصادي الذي حققته الصين، حيث أسهمت عوامل تاريخية وعشوائية مثل قرارات دينغ شياو بينغ وأحداث 11 سبتمبر بشكل كبير في صعودها. لكن الصين تواجه اليوم "قوى جاذبية اقتصادية" مشابهة لتلك التي أبطأت نمو دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية؛ مما يجعل من غير المرجح أن تستمر في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، وقد تنخفض في العقود المقبلة. هذا التباطؤ، إلى جانب التفاوتات الاجتماعية المتفاقمة وشيخوخة السكان، يثير شكوكاً حول استدامة عصر الوفرة.

ختاماً، فإن صعود الصين إلى عصر الوفرة ناجم عن تفاعل معقد بين العمالة والصناعات الريفية والديناميكيات الاجتماعية القاعدية، وليس نتيجة للإصلاحات الحكومية فقط. فقد أسهم هذا التحوّل في تحسين مستوى معيشة ملايين السكان؛ لكنه جاء مصحوباً بتفاوتات اجتماعية عميقة، أبرزها الفجوة بين الريف والحضر، والتمييز البنيوي ضد المهاجرين الداخليين. ومع مواجهة الصين اليوم لتحديات بنيوية مثل شيخوخة السكان وتباطؤ النمو الاقتصادي؛ تصبح الحاجة ملحّة لإصلاحات جذرية تشمل نظام الهوكو، والسياسات الاجتماعية، والبنية الاقتصادية، مع ضرورة تعزيز الإبداع الثقافي والاجتماعي لضمان استدامة هذا العصر، ويرى الكاتب أن مستقبل الصين يتوقف على تحولها نحو اقتصاد يعتمد على الابتكار والتكنولوجيا. ورغم نجاحاتها في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية؛ فإن الكاتب يُحذر من تحديات مثل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية والقيود على الحريات الأكاديمية، داعياً إلى زيادة الاستثمارات في البحث والتطوير للحفاظ على التنافسية العالمية. يضاف لذلك، أهمية إعادة تعريف مقاييس النجاح وإعادة تقييم معايير التقدم؛ حيث يجب على الصين أن تركز على العدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية وتحسين نوعية الحياة، بدلاً من الاكتفاء بالنمو الاقتصادي. 

 

المراجع

وانغ فينغ، 29/6/2025، هل تقترب التجربة الصينية من نهاية "عصر الوفرة"؟، مركز المستقبل للابحاث والدراسات المتقدمة.

_ حمدي سيد محمد، 18/1/2025، النهضة الصينية، المركز الديمقراطي العربي.

المقالات الأخيرة