في وقت تشهد فيه إيران موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية الرافضة للأوضاع الاقتصادية الكارثية التي تمر بها البلاد، جاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم السبت 3 يناير 2026، عن اعتقال نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو، والذي يمثل حليف استراتيجي لطهران، ليثير الكثير من المخاوف الإيرانية بشأن الرسائل التي يحملها التدخل الأمريكي في فنزويلا، وليضع النظام الإيراني في مواجهة مع تساؤل شديد الخطورة؛ ألا وهو “هل تكون إيران هي الهدف التالي، ويتكرر سيناريو مادورو مع مرشدها الأعلى؟”:
احتجاجات “البازار” تعمق جروح النظام الإيراني
تعرض النظام الإيراني خلال العام 2025، لضربات استراتيجية متتالية، طالت ثالوث الردع الذي لطالما اعتمد عليه؛ ألا وهو البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي الباليستي وأذرعه الإقليمية في الشرق الأوسط، مما أدى إلى تآكل وضعف النفوذ الإقليمي لطهران، بل باتت تلك الضغوط تهدد بقاء النظام الإيراني بشكل مباشر.
وفي الأمتار الأخيرة من العام الماضي، شهدت إيران موجة جديدة من الاحتجاجات، التي اندلعت على خلفية التردي الاقتصادي الذي يعاني منه الشعب الإيراني منذ سنوات طويلة، وبذلك، بات النظام الإيراني محاصر بين مأزق الداخل وضغوط الخارج، مما يزيد من احتمالية سيناريو السقوط والانهيار:
1. حيثيات المشهد الاحتجاجي في إيران: بدأت الاحتجاجات الإيرانية يوم 28 ديسمبر 2025، عندما قام التجار وأصحاب المحال في بازار طهران بإغلاق متاجرهم؛ رفضًا واحتجاجًا على الأوضاع المعيشية الصعبة التي تشهدها البلاد، والتي جاءت أبرز ملامحها في: هبوط غير مسبوق في قيمة الريال الإيراني في مقابل الدولار الأمريكي، حيث تراجعت قيمة الريال في السوق الحرة إلى نحو 1.39 مليون ريال للدولار الواحد، ارتفاع أسعار السلع الغذائية وأسعار المحروقات البترولية، وصول معدل التضخم إلى 42.2% في ديسمبر الماضي، حالة الركود التي يواجهها الاقتصاد الإيراني؛ إذ توقع البنك الدولي تراجع الناتج المحلي الإجمالي لطهران بنسبة 2.8% في العام 2026.
2. انقسام وتباين في مواقف النظام الإيراني من الاحتجاجات: في ظل توسع رقعة الاحتجاجات، وارتفاع نسق أعمال الشغب والعنف التي بدأت تخرج المظاهرات الإيرانية من النهج السلمي، تباينت آراء ومواقف قادة النظام الإيراني بشأن كيفية التعامل مع المحتجين، فبينما وصفهم المرشد الأعلى بأنهم “عملاء للعدو”، أكد الرئيس الإيراني على أحقية وعدالة أسبابهم التي دفعتهم للاحتجاج، محذرًا من أي اشتباك لقوات الأمن معهم، ومطالبًا بالتفرقة بين المحتجين السلميين ومثيري الشغب.
3. إجراءات حكومية لاحتواء الأزمة: حاولت السلطات الإيرانية احتواء الحراك الاحتجاجي، وتهدئة الأوضاع، من خلال اتخاذ خطوات وإجراءات اقتصادية عدة، من بينها:
- قبول استقالة محافظ البنك المركزي محمد رضا فرزين، الذي تولى هذا المنصب منذ ديسمبر 2022، وتعيين وزير الاقتصاد السابق عبد الناصر همتي، محافظًا جديدًا للبنك المركزي.
- إنهاء العمل بسعر الصرف التفضيلي، والذي كان يُخصص لاستيراد بعض السلع الأساسية مثل الأدوية ومدخلات الثروة الحيوانية، على أن تُستورد هذه السلع عبر سعر صرف آخر يُعرف بـ”تالار دوم”، والذي يبلغ نحو131 ألف ريال إيراني للدولار الواحد.
- قرار الحكومة بمنح80 مليون شخص، قسائم سلعية إلكترونية بقيمة مليون ريال إيراني شهريًا، للمساعدة في المعيشة، على أن يبدأ استخدامها من الأسبوع التالي.
- إعلان وزير التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي أحمد ميدري، شحن حسابات70 مليون شخص، برصيد أربعة أشهر في إطار آلية “الكالابرغ”.
- قرار الحكومة الإيرانية، بصرف دعم نقدي شهري يعادل نحو7 دولارات للمواطنين، للمساعدة في تغطية تكلفة السلع الغذائية الأساسية.
ولكن؛ يبدو أن تلك الإجراءات لم تجدي نفعًا، إذ استمر تراجع قيمة العملة الإيرانية، مسجلة مستوى قياسي، بلغ يوم 8 يناير الجاري، 1.48 مليون ريال إيراني للدولار الواحد.
4. تدخل أمريكي إسرائيلي على خط الاحتجاجات: لم يكن للولايات المتحدة وإسرائيل، أن يفوتا الفرصة الراهنة دون توجيه انتقادات لاذعة إلى إيران، مع إطلاق بعض التصريحات التي تزيد من سخط الشعب الإيراني، وتضع طهران تحت مزيد من الضغوط الداخلية والخارجية.
قراءة إيرانية لاعتقال الرئيس الفنزويلي
وسط احتدام فوضى الداخل الإيراني على خلفية توسع وامتداد الاحتجاجات الشعبية المطالبة بإسقاط النظام وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، تلقت طهران ضربة استراتيجية أخرى، تحمل في طياتها رسائل ودلالات يراها النظام الإيراني، أخطر من احتجاجات الداخل؛ وهي إسقاط الرئيس الفنزويلي واعتقاله هو وزوجته من قبل القوات الأمريكية، إذ تدرك إيران أن هذا التحرك لا ينفصل عن التنافس الأمريكي- الإيراني في دوائر النفوذ المختلفة، ويمكن إيجاز رسائل ودلالات التدخل الأمريكي في فنزويلا من وجهة النظر الإيرانية على النحو التالي:
1. خسارة إيران لحليف استراتيجي شديد الأهمية؛ كان نظام نيكولاس مادورو أحد أقرب حلفاء إيران خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من العلاقات الوثيقة التي جمعت الدولتين خلال فترة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، ونظيره الفنزويلي هوغو تشافيز، وصولًا إلى المشاريع الكبرى التي نفذتها طهران في مجالات اقتصادية ولوجستية مختلفة داخل فنزويلا، حيث:
عسكريًا؛ برزت فنزويلا كأول دولة في أمريكا اللاتينية تدخل الطائرات المسيرة المسلحة إلى ترسانتها، وذلك من خلال التعاون العسكري مع إيران، والذي بدأ بين عامي 2006-2007، ومن أبرز شواهد هذا التعاون: التشابهات التقنية بين طائرات ” ANSU-100″ وطائرات “مهاجر2” إيرانية الصنع، وبين طائرات “ANSU-200 ” وطائرات “شاهد 171” الإيرانية، والتقارير الصادرة في العام 2024، والتي أفادت بأن إيران زودت فنزويلا بزوارق دورية وطائرات مسيرة وصواريخ بحرية مضادة للسفن.
سياسيًا؛ بدأت جذور التعاون الوثيق بين طهران وكاراكاس في عهد الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز، الذي كان من أشد المنتقدين للسياسة الأمريكية في المنطقة، ولذلك سعى تشافيز إلى تنويع علاقات فنزويلا الخارجية وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، ومن هنا وجد في إيران شريكًا موثوقًا به، في المقابل، استثمرت إيران هذا الأمر وحولت فنزويلا إلى نقطة ارتكاز لتعزيز الحضور الإيراني في أمريكا اللاتينية، وهي منطقة تعتبرها الولايات المتحدة ساحة نفوذ تقليدية لها. ومن ثم؛ فإن التعاون السياسي بين إيران وفنزويلا، يمثل محاولة لتشكيل كتلة دولية قادرة على تحدي الهيمنة الأمريكية ونظام الأحادية القطبية الذي تفرضه واشنطن.
اقتصاديًا؛ تعرضت كل من إيران وفنزويلا لعقوبات اقتصادية أمريكية صارمة، مما دفعهما إلى البحث عن آليات لتجاوز هذه العقوبات، ومن هنا؛ أقام البلدان شراكة اقتصادية قوية شملت العديد من المجالات، منها النفط والغاز، الزراعة، صناعة السيارات، قطاع النية التحتية، قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وقد تعززت تلك الشراكة من خلال التوقيع على خارطة طريق للتعاون بين البلدين مدتها 20 عامًا في يونيو 2022. ولا شك أن هذا التعاون الاقتصادي الوثيق قد ساعد فنزويلا في تخفيف أزمة الوقود الحادة التي تعاني منها، بينما سمح لإيران بتصدير نفطها إلى أسواق جديدة، وبتأمين مصادر للعملة الأجنبية.
وقد رأت الولايات المتحدة في الشراكة بين إيران وفنزويلا، تحديًا لها، وخطرًا لأمنها القومي، وكان هذا أحد أسباب العداء بين واشنطن ونظام مادورو، ودافعًا للإقدام على إسقاط نظامه واعتقاله بهذا الشكل، كجزء من استراتيجية أمريكية أكبر وأشمل، تهدف إلى تقويض النفوذ الإيراني واحتواءه.
مواجهة سيناريو مشابه للسيناريو الفنزويلي.
إثبات جديد على عدم جدوى الرهان على روسيا والصين؛ اعتقال مادورو بهذا الشكل، ومن قبله سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، يزيد من مخاوف النظام الإيراني، لأنه يحمل دلالة واضحة ألا وهي؛ في حال اندلاع أي تصعيد عسكري بين طهران والولايات المتحدة وإسرائيل، فلن يكون هناك أي إمداد لوجسيتي أو عسكري أو مادي من موسكو أو بكين لإيران، خصوصًا مع احتدام المشهد في أوكرانيا، وتعثر محاولات الوساطة الأمريكية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وهذا يزيد من الضغوط على النظام الإيراني، ويجعله يقف وحيدًا أمام فوضى الداخل وتحديات الخارج.
الرمزية شديدة الحساسية التي تمثلها القوات الأمريكية التي نفذت اعتقال مادورو؛ مع إعلان الرئيس ترامب عن تنفيذ الولايات المتحدة لضربة واسعة النطاق ضد فنزويلا، أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد، أُثيرت تساؤلات عديدة عن تفاصيل العملية الأمريكية وكيفية تنفيذها، وهنا؛ أفادت شبكة “سي بي إس نيوز” بأن قوات “دلتا” الأمريكية هي من نفذت الاختطاف.
وتُعرف قوات “دلتا” التابعة للجيش الأمريكي رسميًا باسم “الفرقة العملياتية الأولى للقوات الخاصة “دلتا”، وكانت قد أُنشئت عام1977 ، بغرض تعزيز قدرة الولايات المتحدة على مكافحة الإرهاب.
وتمتلك هذه القوات رمزية تاريخية بالنسبة لإيران؛ حيث كان أول ظهور لها في منطقة الشرق الأوسط بعام1980 ، وذلك لتنفيذ عملية “مخلب النسر”، والتي هدفت إلى تحرير الرهائن الأمريكيين الذين وقعوا كأسرى في أعقاب اقتحام مبنى السفارة الأمريكية في طهران بالعام 1979، ولكن العملية باءت بالفشل، بل وأسفرت عن مقتل 8 جنود أمريكيين.
وإدراكًا لتلك الرسائل والدلالات، كانت إيران أول دولة تدين اعتقال الرئيس الفنزويلي، حيث صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، قائلًا “العدوان العسكري الأمريكي على فنزويلا واعتقال رئيسها الشرعي نيكولاس مادورو، يمثل اعتداءً صارخًا على سيادة الشعب الفنزويلي، وشكلًا من إرهاب الدولة”، مضيفًا “تعرب طهران عن تضامنها الكامل مع الشعب الفنزويلي والحكومة الشرعية”، مؤكدًا أن “يهدف الهجوم الأمريكي إلى السيطرة على الموارد والمعادن الاستراتيجية في فنزويلا”.
قدرات إيران والسيناريوهات المحتملة للمواجهة
رغم التهديدات المتكررة التي يطلقها الرئيس الأمريكي بشأن التدخل في إيران على خلفية الاحتجاجات، ورغم حالة الضعف الشديد التي يبدو عليها النظام الإيراني، وحتى مع التشابه الكبير بين التجربة الإيرانية والفنزويلية، فإنه لا يزال من الصعب أن تلاقي طهران مصير كراكاس، نظرًا لعدة أسباب، من أهمها: القدرات والإمكانات التي تمتلكها إيران؛ هناك فارق كبير للغاية بين فنزويلا وإيران فيما يخص القدرة على رد الفعل، فبينما كان هناك رد فعل هزيل من كراكاس على اعتقال رئيسها، فهذا الأمر لا يمكن أن يتكرر في حالة طهران، فالنظام الإيراني لديه من القدرات العسكرية والتسليحية، كما لديه من أذرع ومليشيات عسكرية في المنطقة، تجعله قادر على الرد، والإضرار بالمصالح الأمريكية الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، وبشكل يهدد باندلاع حرب واسعة في المنطقة.
في السياق ذاته؛ أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، أن “القواعد والقوات الأمريكية في المنطقة، ستكون أهداف مشروعة، في حال قيام واشنطن بمجازفات”، فيما هدد القائد السابق في الحرس الثوري الإيراني محسن رضائي، بـ”تدمير إسرائيل والقواعد الأمريكية وزعزعة استقرار المنطقة” كما حذر مستشار المرشد الإيراني علي شمخاني، قائلًا “أمن إيران القومي خط أحمر، وكل يد تتدخل أو تقترب من أمن إيران بذرائع واهية، ستُقطع قبل أن تصل للبلاد” وامتلاك إيران لقدرات نووية غير معلوم مدى تطورها؛ خيار الردع النووي الذي تمتلكه إيران، يجعل التدخل العسكري بها، أو محاولات اعتقال قادة نظامها على نحو مماثل للسيناريو الفنزويلي، أمر شديد الصعوبة، ومغامرة لا يمكن للولايات المتحدة أن تتحمل تكلفتها والجغرافيا السياسية التي تتمتع بها إيران؛ تمتلك طهران موقع جغرافي استراتيجي، يجعلها تتحكم في منطقة حيوية للغاية، ومؤثرة في حركة الملاحة والتجارة الدوليين، وذلك من خلال قدرتها على التحكم في مضيق هرمز، والذي يمر عبره ما يقرب من خُمس تجارة النفط العالمية.
وبالتالي؛ مهما أوجدت الولايات المتحدة من بدائل نفطية من خلال السيطرة على النفط الفنزويلي، وحتى لو سيطرت على طرق ملاحية بديلة مثل قناة بنما، يظل مضيق هرمز أهم طرق التجارة النفطية العالمية، وأي تهديد إيراني بإغلاقه، حتى لو بقي مجرد تهديد فقط، فإنه كفيل بإرباك أسواق الطاقة العالمية، ورفع الأسعار، وهنا؛ تتحول الجغرافيا إلى سلاح، ويتحول النفط من سلعة إلى رهينة محتملة، ولهذا السبب تحديدًا، تبدو واشنطن أكثر حذرًا في التعامل مع طهران مقارنةً بتعاملها مع كاراكاس.
وإجمالًا؛ لا يمكن فصل مشهد الاحتجاجات بالداخل الإيراني، عن السياق الخارجي الضاغط على طهران، والذي يأتي إسقاط نظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كجزء منه، باعتباره أحد صور المواجهة الإيرانية الأمريكية غير المباشرة، كما لا يمكن فصل كلا الحدثين عن الضربات المتتالية التي تلقتها طهران في العام 2025، وكل تلك المعطيات تشير إلى أن النظام الإيراني يمر بفترة شديدة الحساسية، فقد بات نظام ولاية الفقيه يواجه خطرًا وجوديًا حقيقيًا يهدد بسقوطه وإنهياره، ويضع بقاءه على المحك.
ولكن، هذا لا يعني أن تكرار سناريو فنزويلا في إيران، حتى وإن تشابه البلدين في كثير من المعطيات، أمرًا يسيرًا، نظرًا للتبعات شديدة الخطوة التي قد تنتج عن هذا الأمر، والتي من شأنها أن تهدد أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط.
ورغم ذلك، يبقى سيناريو المجازفة والتدخل الأمريكي المباشر في إيران، سيناريو قائم، خاصةً وأن السياسة الترامبية المغامرة باتت تتخطى حسابات المنطق والتحليل السياسي، ولكن حينها ينبغي أن تتأهب الولايات المتحدة لرد فعل النظام الإيراني الذي سوف يقامر بكل ما يمتلك من قوة ونفوذ؛ دفاعًا وحفاظًا على بقاءه.
المصدر: مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية
الكاتب : شيماء عبد الحميد
التاريخ : 10/1/2026
---------------------------------------------------------------------------------
المصدر: يورونيوز
التاريخ : 6/1/2026
