الذهب الأفريقي في مواجهة التقلبات
فرع القاهرة

تشهد القارة الأفريقية محطة مفصلية في تعاملها مع ثروتها الذهبية، فمع تصاعد التحركات الرامية إلى كسر النمط التاريخي القائم على تصدير الذهب في صورته الخام وإعادة استيراده مكررًا بقيمة مضافة مهدرة وفي هذا السياق، تأتي مذكرة التفاهم لتأسيس أول بنك متخصص في الذهب على مستوى القارة باعتبارها خطوة استراتيجية لإعادة تنظيم سلسلة القيمة للذهب داخل أفريقيا، وتعزيز احتياطيات البنوك المركزية، وتقليص الاعتماد المزمن على مراكز التكرير والتجارة الأجنبية، بما يعيد للذهب الأفريقي دوره كرافعة للاستقرار النقدي والمالي.

وبهذا يتحول الذهب المستخرج من القارة إلى أصل مالي قابل للتداول والتمويل داخل الإقليم نفسه، بما يتيح للدول والشركات تحويله إلى سيولة أو استخدامه كضمان للحصول على التمويل، دون الحاجة إلى تصديره للخارج، وهو ما يعزز مناعة الاقتصادات الأفريقية، ويرسخ سيادتها على واحدة من أهم ثرواتها الاستراتيجية.

بنوك الذهب العالمية

رغم حداثة فكرة إنشاء «بنك ذهب» يخدم قارة بأكملها في السياق الأفريقي، فإن التجربة العالمية تكشف أن هذا الدور اضطلعت به فعليًا مؤسسات سيادية كبرى، وفي مقدمتها البنوك المركزية ومستودعات الذهب الحكومية، التي تولت حفظ وإدارة احتياطيات الذهب الوطنية والدولية بوصفها ركيزة للاستقرار النقدي والسيادة الاقتصادية، وقد تركزت هذه «البنوك الوظيفية للذهب» في مراكز مالية عالمية محددة، حيث لم يقتصر دورها على التخزين الآمن للسبائك، بل امتد ليشمل إدارة الذهب كأصل استراتيجي داعم للعملات والأنظمة المالية، خصوصًا في أوقات الأزمات. ومن ثم، فإن المبادرة الأفريقية المرتقبة لا تمثل قطيعة مع التجربة الدولية، بقدر ما تعكس سعيًا لتوطين نموذج احتكرته القوى الاقتصادية الكبرى طويلًا، وإعادة توظيفه داخل أفريقيا لتعزيز قدرتها على إدارة ثروتها الذهبية وتحويلها إلى أداة للصمود والتنمية.

يتميّز «بنك الذهب الأفريقي» المخطط إنشاؤه بكونه أول كيان مؤسسي من نوعه يُصمَّم لخدمة قارة بأكملها، لا دولة بعينها، مستلهمًا في ذلك تجارب حديثة مثل تجربة إندونيسيا التي دشّنت في عام 2025 أول بنك سبائك لدمج احتياطيات الذهب ضمن منظومتها المالية. وعلى هذا الأساس، يُنتظر أن يضطلع البنك الأفريقي بدور جامع للذهب من الدول الأعضاء، ومعالجته وتخزينه وفق معايير دولية صارمة، بما يتيح استخدامه كأصل مالي معترف به عالميًا وقابل للتداول والتمويل. وقد عبّر مسئولو «أفريكسيم بنك» عن جوهر هذه المبادرة بوصفها إعلانًا جريئًا بأن ذهب أفريقيا يجب أن يخدم شعوبها أولًا، عبر إحداث تحول جذري في كيفية استخراج الذهب وإدارته وتسعيره وتخزينه والتجارة به، بما يضمن الاحتفاظ بالقيمة المضافة داخل القارة بدلًا من تسربها إلى الخارج.

إنتاج وتصدير الذهب

تُعدّ أفريقيا إحدى الركائز العالمية لإنتاج الذهب، إذ تختزن نحو 30% من احتياطياته الخام في باطن الأرض، وتتصدر اليوم مناطق العالم من حيث حجم الإنتاج السنوي. وخلال العقدين الماضيين، شهد الإنتاج الأفريقي طفرة لافتة، ارتفع معها إنتاج المناجم بنحو 60% منذ عام 2010، متجاوزًا المعدل العالمي بكثير، حتى تخطى حاجز الألف طن سنويًا بحلول 2024، أي قرابة ربع الإنتاج العالمي. وتتركز الكتلة الأساسية للإنتاج في عدد محدود من الدول، تتقدمها غانا وجنوب أفريقيا ومالي والسودان وبوركينافاسو، حيث يمثل الذهب عمودًا فقريًا للصادرات ومصدرًا رئيسيًا للعملات الأجنبية، سواء عبر شركات تعدين صناعية كبرى أو من خلال قطاع واسع من التعدين الحرفي الذي يعمل فيه ملايين الأفارقة.

ورغم هذه الوفرة، ظلت القارة تاريخيًا تفقد جزءًا كبيرًا من القيمة المضافة للذهب، نتيجة تصديره في صورته الخام أو شبه الخام إلى الخارج، ليُكرر ويُعاد تسويقه من مراكز عالمية رئيسية. فقد اتجه نحو 80% من ذهب أفريقيا المُصدّر إلى ثلاث وجهات أساسية: الإمارات (ولا سيما دبي) بوصفها بوابة عالمية للذهب الحرفي، وسويسرا باعتبارها مركز التكرير الأول عالميًا، والهند كأكبر سوق استهلاكي للذهب. ويجري في هذه المسارات “تدويل” الذهب الأفريقي، حيث يكتسب شرعية وقيمة أعلى بعد تكريره خارج القارة، بينما تُحرم الدول المنتجة من العوائد الكاملة لسلسلة القيمة.

ويفاقم هذه الخسارة انتشار التهريب على نطاق واسع، إذ تشير التقديرات إلى خروج نحو 435 طنًا من الذهب سنويًا من أفريقيا بطرق غير مشروعة، أي ما يقارب 40% من إنتاجها، نتيجة الضرائب المرتفعة وضعف الرقابة. ومن هنا تبرز أهمية المبادرة الجديدة لإنشاء مصفاة معتمدة وبنك ذهب أفريقي، بوصفها محاولة بنيوية لكسر هذا النمط التاريخي، عبر توفير مسار رسمي وآمن لتكرير الذهب وتسويقه من داخل القارة، بما يقلل الحوافز للتهريب، ويُبقي القيمة المضافة داخل الاقتصادات الأفريقية، ويحوّل الذهب من مورد مُهدر إلى أصل سيادي داعم للاستقرار والتنمية.

المصافي وشركات التعدين

رغم الغزارة الكبيرة في إنتاج الذهب الأفريقي، ظلت قدرات التكرير داخل القارة محدودة تاريخيًا، واقتصر الدور المحوري لعقود طويلة على مصفاة «راند» في جنوب أفريقيا، التي كانت المصفاة الأفريقية الوحيدة المعتمدة دوليًا وفق معيار «التسليم الجيد» (LBMA)، ما مكّنها من إدخال الذهب الأفريقي إلى الأسواق العالمية. وخارج هذا الإطار، اضطرت معظم الدول إلى تصدير ذهبها خامًا أو شبه نقي إلى أوروبا والخليج وأمريكا الشمالية، وهو ما أدى إلى تسرب القيمة المضافة خارج القارة. غير أن السنوات الأخيرة شهدت بداية تحوّل تدريجي، مع اتجاه عدد متزايد من الدول الأفريقية لإنشاء مصافٍ محلية بهدف الاحتفاظ بجزء أكبر من سلسلة القيمة داخل اقتصاداتها الوطنية.

ورغم انتشار ما بين 13 و15 مصفاة ذهب في نحو ثماني دول أفريقية حاليًا، فإن معظمها لا يزال يفتقر إلى الاعتماد الدولي، وهو ما يحدّ من قدرتها على تسويق الذهب مباشرة في الأسواق العالمية الكبرى. ويُعد الحصول على اعتماد LBMA تحديًا جوهريًا، نظرًا لما يتطلبه من التزام صارم بمعايير النقاء والشفافية ومكافحة غسل الأموال. وتسعى دول مثل غانا ونيجيريا وزيمبابوي للحاق بهذا المعيار.

تمتلك غانا عدد 5 مصافٍ رئيسية تتمثل في مصفاة رويال غانا بطاقة إنتاجية 400 كجم يوميًا، ومصفاة جولد كوست بطاقة إنتاجية 480 كجم يوميًا، مصفاة صحاري رويال بطاقة إنتاجية 300 كجم يوميًا مصفاة سيوة بطاقة إنتاجية 100 – 200 كجم يوميًا.

تمتلك أوغندا عدد ثلاث مصافٍ بطاقة إنتاجية بحوالي 850 كجم يوميًا، مصفاة أفريكا جولد بحوالي 600 كجم يوميًا مصفاة كي بي جلوبال بحوالي 250 كجم يوميًا، مصفاة سيمبا بطاقة إنتاجية 100 كجم يوميًا. لكن الإنتاج الفعلي اليومي حوالي 500 كجم يوميًا.

تمتلك تنزانيا حوالي 14 مصفاة لمختلف المعادن، 6 منها مخصصة للذهب، وتتراوح القدرة الإنتاجية لتلك المصافي من 60 - 600 كجم يوميًا. تتواجد تلك المصافي في مناطق Geita، Mwanza، Kahama، Dodoma، and Dar es Salaam، وتعتبر مصفاة موانزا ومصفاة جيتا من أهم المشاريع. وتشير البيانات إلى امتلاك تنزانيا بنية تحتية قادرة على تكرير 600 كجم يوميًا للمصفاة الواحدة كحد أقصى، مما يضع إجمالي طاقة الدولة في نطاق يسمح بمعالجة كامل الإنتاج المحلي وتصديره كذهب مكرر بنسبة 999.9، إلا أن بيانات التصدير التي تشير إلى حجم صادرات بحوالي 3 مليارات دولار سنويًا تشير إلى معالجة ما يقرب من 50 إلى 60 طن سنويًا من الذهب عبر هذه البنية التحتية، وهو ما يعني أن الإنتاج الفعلي اليومي حوالي 151 طن.

وبذلك، تعمل في أفريقيا شبكة واسعة من شركات تعدين الذهب، تضم عمالقة عالميين وشركات متوسطة وصغرى، إلى جانب آلاف المنقبين الحرفيين، ويأتي معظم الإنتاج من نحو 30-40 منجمًا كبيرًا تديرها شركات دولية معروفة، بينما يتوزع الباقي على نشاط تقليدي واسع النطاق. هذا التعدد والتشتت في المنتجين يعمّق الحاجة إلى كيان قاري منظم، إذ يمكن لبنك الذهب الأفريقي أن يوفر منصة موحّدة للتكرير والتخزين والتسعير، ويخفف الأعباء اللوجستية والمالية عن الشركات، ويعزز قدرة الحكومات الأفريقية على إحكام السيطرة على مواردها الذهبية وتحويلها من نشاط مجزأ إلى صناعة استراتيجية متكاملة داخل القارة.

فائدة بنك الذهب لأفريقيا

من شأن إنشاء بنك الذهب الأفريقي أن يُحدث تحولًا نوعيًا في سوق الذهب داخل القارة عبر تنظيم العرض والطلب وربط السوق المحلية مباشرة بالمنظومة العالمية، بعد عقود من التقلبات والفجوات السعرية الناتجة عن شُح المعروض وضعف قنوات التداول والاعتماد على التكرير الخارجي. فبفضل تجميع الذهب المنتج أفريقيًا وتخزينه في خزائن مركزية آمنة وتكريره وفق معايير دولية، سيتوافر معروض مستقر من السبائك عالية النقاء، ما يقلّص الفروق بين السعر المحلي والعالمي، ويحد من حوافز التهريب والمضاربة. كما يتيح البنك تسعير الذهب المحلي على أساس السعر الدولي الشفاف، ويدعم إنشاء منصة تداول إقليمية تُوحّد آلية التسعير وتزيد السيولة، إلى جانب لعب دور «صانع السوق» القادر على التدخل لضبط الاختلالات المؤقتة. وبهذا لا يتحقق فقط استقرار سعري يحمي المستهلك والمستثمر، بل تُحتجز القيمة المضافة داخل الاقتصادات الأفريقية، لترتفع دخول الدول المنتجة وإيراداتها الضريبية، ويتحول الذهب من سوق فوضوية إلى رافعة مالية وتنموية منظمة تخدم القارة وشعوبها.

يشكّل «بنك الذهب» ركيزة استراتيجية لتعزيز صمود الاقتصادات الأفريقية وسيادتها النقدية في مواجهة الصدمات الخارجية، مستندًا إلى الدور التاريخي للذهب كأصل آمن يحتفظ بقيمته ولا يرتبط بمخاطر طرف مقابل. فعلى الرغم من أن أفريقيا تنتج أكثر من ربع الذهب العالمي، فإن حصتها من الاحتياطيات الرسمية لا تتجاوز 2%، ما جعلها شديدة الاعتماد على العملات الأجنبية، وخاصة الدولار، وعرضة لتقلبات الأسواق وسياسات الفائدة العالمية. ويأتي بنك الذهب ليعالج هذا الخلل البنيوي عبر تمكين الدول الأفريقية من الاحتفاظ بجزء أكبر من ذهبها داخل القارة، وتحويله إلى احتياطيات فعلية قابلة للاستخدام وقت الأزمات، سواء لدعم العملات أو لتوفير سيولة طارئة، بما يقلل هشاشتها المالية ويعزز قدرتها على المناورة في بيئة دولية مضطربة.

وفي موازاة ذلك، يسهم بنك الذهب في دعم استقرار العملات الأفريقية وتحسين الجدارة الائتمانية للدول، من خلال رفع حصة الذهب في الاحتياطيات، وهو ما يعزز الثقة الداخلية والخارجية بالعملات الوطنية، ويحد من الدولرة، ويفتح المجال لاستخدام الذهب كضمان مباشر للتمويل بشروط أفضل. فوجود مخزون ذهبي موثّق وقابل للتسييل وفق المعايير العالمية ينعكس إيجابًا على تقييم وكالات التصنيف الائتماني ويخفض علاوات المخاطر وتكلفة الاقتراض السيادي، كما يتيح للدول أدوات تدخل أكثر فاعلية في أوقات الأزمات. وبهذا لا يقتصر دور بنك الذهب على البعد التجاري، بل يتحول إلى أداة سيادية تعزز الاستقلال النقدي، وتحسّن شروط التمويل، وتعيد توظيف ثروة أفريقيا الذهبية لدعم الاستقرار والتنمية بدل أن تبقى مجرد مورد خام مُصدَّر إلى الخارج.

ختامًا، يمكن القول إن مكاسب مشروع «بنك الذهب الأفريقي» تتوزع على دوائر متعددة، لكن المستفيد الأكبر سيكون الدول المنتِجة للذهب؛ إذ يتيح لها تكرير إنتاجها داخل القارة وبيعه كسبيكة معتمدة بدل خامٍ يُباع بخصم، مع خفض تكاليف الشحن والتأمين والتكرير الخارجي، وخلق صناعات مساندة (تخزين، فحص جودة، خدمات لوجستية)، فضلًا عن تمكين البنوك المركزية من تعزيز احتياطياتها عبر شراء الذهب محليًا بصورة أسهل وأكثر انتظامًا، هذا إلى جانب استفادة الدول الأقل إنتاجًا أو غير المنتِجة من البنك بوصفه قناة موثوقة لشراء الذهب وتخزينه وتنويع الاحتياطيات، كما ستجني مكاسب غير مباشرة من تحسن المناخ المالي الإقليمي هي: تراجع علاوات المخاطر، قدر أكبر من استقرار العملات، وتنامي التجارة البينية. كذلك قد تستفيد دول كانت تُعرف كممرات عبور للذهب غير الرسمي من انتقال التدفقات إلى قنوات شرعية تُحقق عوائد وتقلل الكلفة السمعة والرقابية.

وعلى مستوى المؤسسات والأفراد، يعزز المشروع دور «أفريكسيم بنك» كبنك قاري من خلال نشاط تجاري وتمويلي جديد، ويفتح أمام الاتحاد الأفريقي وبنك التنمية الأفريقي مساحة أوسع لتعميق التكامل الاقتصادي حول مورد استراتيجي. أما المواطنون، فثمّة مكاسب ملموسة تتمثل في سوق ذهب أكثر شفافية واستقرارًا، وفرص ادخار واستثمار أقل تقلبًا، وانعكاسات إيجابية على فرص العمل مع توسع حلقات القيمة داخل القارة.

 

 

المصدر : الجزيرة نت

الكاتب : محمد عبد الله الباشا

التاريخ : 8/1/2026

--------------------------------------------------------------------------------------

المصدر : المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

الكاتب : أحمد بيومي

التاريخ : 12/1/2026

المقالات الأخيرة