أدى القصف الأمريكي لفنزويلا واعتقال رئيسها، نيكولاس مادورو، إلى تجدد المخاوف من سيطرة أمريكية محتملة على جرينلاند فبعد ساعات فقط من العملية الأمريكية في فنزويلا، نشرت مقدمة البودكاست اليمينية كاتي ميلر -زوجة ستيفن ميلر، نائب رئيس موظفي البيت الأبيض للشئون السياسية ومستشار الأمن الداخلي-، على موقع X”” خريطة لجرينلاند مُزينة بالنجوم والخطوط الأمريكية مع تعليق: “قريبًا”.
واستطرد الرئيس ترامب تبريره المعتاد لحاجة الولايات المتحدة للاستحواذ على جرينلاند: “نحن بحاجة إلى جرينلاند من منظور الأمن القومي. فجرينلاند مُغطاة بالسفن الروسية والصينية في كل مكان”. وأوضح أن الدنمارك لن تستطع الوقوف في وجه تلك التهديدات جرينلاند وأضاف: “سنتعامل مع جرينلاند في غضون شهرين تقريبًا فلنتحدث عن جرينلاند بعد 20 يومًا”، دون أن يُفصح عن مزيد من التفاصيل حول ما قصده. كما قام الرئيس ترامب بتعيين حاكم ولاية لويزيانا، جيف لاندري، مبعوثًا له إلى جرينلاند بنهاية ديسمبر الماضي. وكرر الرئيس ترامب حينها ادعاءاته ذاتها في مؤتمر صحفي، قائًلا: إن الولايات المتحدة “يجب أن تمتلك جرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي”. وقال لاندري: إنه سيسافر إلى جرينلاند لإقناع السكان المحليين بالانضمام إلى الولايات المتحدة.
الموارد والموقع الاستثنائيان لجرينلاند
تتمتع جرينلاند بموقع استراتيجي يمتد على شمال المحيط الأطلسي والقطب الشمالي، وهي منطقة تتنافس فيها الولايات المتحدة ومنافسوها الاستراتيجيون الصين وروسيا على ثروات هائلة من المعادن الحيوية والوقود الأحفوري. حيث يُسهّل ذوبان الغطاء الجليدي في جرينلاند المتسارع نتيجة لتغير المناخ الوصول إلى هذه الرواسب فقد أظهر مسح أُجري في 2023 أن 25 من أصل 34 معدنًا تعتبرها المفوضية الأوروبية من “المواد الخام الأساسية” تسنى العثور عليها في جرينلاند. وتشمل هذه المعادن المواد المستخدمة في البطاريات مثل الغرافيت والليثيوم وما تسمى بالعناصر الأرضية النادرة المستخدمة في المركبات الكهربائية ومولدات طاقة الرياح.
تلك المواد لا توجد بكميات عادية، بل بكميات قادرة على قلب السوق العالمية، فوفقًا لبيان جريء أصدرته شركة التعدين الأسترالية Energy Transition Minerals (ETM)، فإن جرينلاند لديها القدرة على أن تصبح أكبر منتج في العالم الغربي للعناصر الأرضية النادرة الحرجة، منافسةً بذلك الصين التي تُعد المصدر الرئيسي للعناصر الأرضية النادرة. فوفقًا لوكالة الطاقة الدولية، تهيمن الصين على استخراج خامات العناصر الأرضية النادرة (60٪ من السوق) والتكرير (90٪ من السوق) وقد استغلت الصين هذه الهيمنة على السوق،بخاصة حين قامت بحظر على تصدير التكنولوجيات اللازمة لاستخراج المعادنالنادرة وفصلها وتنقيتها. ولهذا كان كسر هذا الاحتكار شبه الكامل هدفًارئيسيًا للخطط الصناعية الخضراء الغربية، التي ركزت على تأمين سلاسل القيمة العالمية إلا أن استغلال تلك الموارد من قبل الغرب، العائق الرئيس أمامه، هو قرار حكومة جرينلاند منذ 2021 بوقف تقديم تراخيص استخراج النفط والغاز الطبيعي لأسباب بيئية، وقد واجه قبل هذا الإيقاف قطاع التعدين العامل بالجزيرة عراقيل بسبب البيروقراطية ومعارضة السكان الأصليين لأعماله.وأدى هذا إلى اعتماد اقتصاد جرينلاند على الصيد الذي يمثل أكثر من 95 بالمائة من الصادرات، وعلى الإعانات السنوية من الدنمارك والتي تغطي ما يقرب من نصف الميزانية العامة وتنفق الدنمارك في المجمل ما يقل قليلًا عن مليار دولار سنويًا على جرينلاند، أو 17500 دولار سنويًا لكل فرد من سكانها وعليه؛ فإن التوجه الأمريكي الذي يحكمه فكرة تأمين المجال الحيوي للولايات المتحدة وفق مبدأ مونرو، استراتيجيًا واقتصاديًا، تجعل التوجه نحو السيطرة على الجزيرة سواء باللين أو الشدة كما صرّح الرئيس ترامب، أمرًا لا مناص عنه.
دوافع الولايات المتحدة للاستحواذ على جرينلاند
لم يكن طرح الرئيس ترامب المتكرر لشراء جرينلاند عرضًا غير مسبوق متصل برئاسته، بل إن له جذورًا تاريخية لدى الإدارات الأمريكية السابقة. ففي عام 1867، تم طرح الفكرة للمرة الأولى، وقد صدّق البرلمان الدنماركي بالفعل على بيعها ولكن فشلت الصفقة حينها من قبل الجانب الأمريكي. وجاءت المحاولة الثانية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. حين وقّع السفير الدنماركي، اتفاقية مع حكومة الولايات المتحدة تسمح لها باحتلال الجزيرة وتحصينها لمنع ألمانيا من استخدامها كقاعدة ضد الولايات المتحدة وكندا. وحينها تم احتلالها من قبل الجانب الأمريكي، وقامت ببناء عديد من المنشآت العسكرية هناك، بما في ذلك قاعدة جوية. وحينها تم طرح احتمال شراء جرينلاند بجدية كافية مرة أخرى، إلا أن الدنماركيين رفضوا العرض، وعرضوا على جرينلاند وضعًا أعظم كجزء كامل من مملكة الدنمارك بدلًا من كونها مستعمرة. في المقابل، تركت الدنمارك للولايات المتحدة حرية إنشاء واستعمال المنشآت العسكرية في جميع أنحاء الجزيرةوتوقفت الإدارات الأمريكية المتتابعة منذ ذلك الوقت عن إثارة هذا الأمر، إلا أن الرئيس ترامب أعاد تلك المطالب مرة أخرى عندما اقترح لأول مرة شراء جرينلاند عام 2019، وبرر حينها مطالبه بأنها “صفقة عقارية ضخمة” من شأنها تخفيف الضغط على مالية الدولة الدنماركية. بخلاف ادعاءاته هذه المرة بأن سيطرة الولايات المتحدة على الجزيرة أمر حيوي للأمن القومي.
ردود أفعال الدنمارك
تلك التصريحات قوبلت بغضب شديد من الجانب الدنماركي، انعكس في عدد من التحركات فردًا على التهديدات المتواصلة الموجهة ضد الإقليم، صنّف جهاز الاستخبارات الدفاعية الدنماركي، الشهر الماضي، الولايات المتحدة الأمريكية كخطر أمني، في تحوّل جذري في العلاقات عبر الأطلسي. وقال رئيسا وزراء الدنمارك وجرينلاند، ميتي فريدريكسن، وينس فريدريك نيلسن، آنذاك: “لقد أوضحنا ذلك جليًا من قبل، ونؤكده مجددًا الحدود الوطنية وسيادة الدول راسخة في القانون الدولي.. لا يمكن ضم دول أخرى”.
ففي بيانٍ صريحٍ وحازم، اتهم رئيس وزراء جرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، الولايات المتحدة بخطابٍ “غير مقبول بتاتًا”، مصرحًا: “طفح الكيل”. حيث قال نيلسن في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الاثنين 5 يناير: “لا مكان للتهديدات والضغوط والحديث عن الضم بين الأصدقاء هذه ليست طريقة التحدث إلى شعب أظهر المسئولية والاستقرار والولاء مرارًا وتكرارًا لقد طفح الكيل. لا مزيد من الضغوط. لا مزيد من التلميحات. لا مزيد من أوهام الضم”. وأضاف أن جرينلاند “منفتحة على الحوار”، لكن يجب أن يتم ذلك عبر القنوات المناسبة ووفقًا للقانون الدولي، “وليس عبر منشورات عشوائية على وسائل التواصل الاجتماعي”. وتابع: “جرينلاند وطننا وأرضنا وستبقى كذلك كما كتبت رئيسة وزراء الدنمارك، ميتي فريدريكسن، على وسائل التواصل الاجتماعي بعد تصريحات الرئيس ترامب لمجلة أتلانتك بأنه: “لا معنى على الإطلاق للحديث عن حاجة الولايات المتحدة للاستيلاء على جرينلاند ليس للولايات المتحدة أي حق في ضم أي من الدول الثلاث في المملكة الدنماركية”.
هذا الرفض يمتد لسكان جرينلاند أنفسهم، فقد أظهر استطلاع رأي أُجري في يناير أن الغالبية العظمى من سكان جرينلاند البالغ عددهم 57 ألف نسمة يرغبون في الاستقلال عن الدنمارك، لكنهم لا يرغبون في الانضمام إلى الولايات المتحدة؛ حيث يحق للإقليم إعلان استقلاله منذ عام 2009.
هذا الموقف الدنماركي يدعمه الجانب الأوروبي، فعندما سُئل السير كير خلال زيارة لمركز مجتمعي في بيركشاير عن رد رئيسة الوزراء الدنماركية، قال لشبكة سكاي نيوز: “حسنًا، أنا أؤيدها، وهي محقة بشأن مستقبل جرينلاند” مضيفًا: “الدنمارك حليف وثيق في أوروبا، وهي عضو في حلف الناتو، ومن المهم جدًا أن يكون مستقبل جرينلاند، ملكًا لمملكة الدنمارك وجرينلاند، ولا غيرهما”.
كما صرّح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في منشور: “جرينلاند تنتمي إلى شعبها”، مضيفًا أن “الدنمارك تقف بوصفها الضامن لها”. وأشارت كذلك رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى أن السلامة الإقليمية والسيادة تمثلان مبدأين أساسيين في القانون الدولي. وكتبت فون دير لاين على وسائل التواصل الاجتماعي: “نحن نتضامن تضامنًا كليًا مع الدنمارك وشعب جرينلاند” وقالت وزيرة الخارجية السويدية، ماريا مالمر ستينرغارد: إن السويد “ستظل دائمًا حاميةً للقانون الدولي” وقال نظيرها النرويجي، إسبن بارث إيدي: إن أوسلو “تدعم الدنمارك دعمًا كاملًا”.
وقد حاول الجانب الدنماركي العمل على الجانب الدفاعي سواء على مستوى الدنمارك ككل أو على مستوى جرينلاند بالأخص، في محاولة للاضطلاع بدور أمني أكبر. ففي سبتمبر الماضي، أبرمت الدنمارك أكبر صفقة أسلحة في تاريخها، شملت أنظمة دفاع جوي أوروبية الصنع بقيمة 58 مليار كرونة دنماركية (9.2 مليار دولار أمريكي)، وأعلنت بشكل منفصل عن “تحول جذري” في استراتيجيتها؛ حيث ستقتني -للمرة الأولى- صواريخ بعيدة المدى.
السيناريوهات المحتملة حال غزو ترامب لجرينلاند
إن سياسة الضغط القصوى التي يقوم بها الرئيس ترامب، تهدف إلى التوصل لتفاهم جديد يُعيد لشركات التعدين العمل مرة أخرى بالمنطقة، سواء كان ذلك بدفع مواطني جرينلاند للاستقلال والانضمام للولايات المتحدة، وحينها سيسهل ترحيلهم لأي منطقة أخرى، أو يؤدي ضغطه سواء العسكري أو الاقتصادي على الدنمارك لتراجع الدنمارك عن دعم الجزيرة وأهلها بما قد يدفعهم في حال زيادة تراجع أحوالهم الاقتصادية، لقبول تسوية اقتصادية تسمح باستغلال موارد الجزيرة لذا ففي حال غرو الولايات المتحدة للاستيلاء على جرينلاند هناك أربع سيناريوهات أمام واشنطن في هذا الشأن:
السيناريو الأول: الغزو؛ "فليس هناك شك في قدرة الولايات المتحدة على الاستيلاء على جرينلاند بالقوة باعتبارها أقوى قوة عسكرية في العالم تواجه هدفاً نائياً قليل السكان ضعيف الدفاعات".
هذا بغض الطرف عن التحديات التي ستواجهها واشنطن؛ "فقد يجد الأمريكيون صعوبة في استغلال جرينلاند استغلالاً كاملاً إذا ما استاءت فئات كبيرة من السكان من اعتبارهم قوة احتلال.
السيناريو الثاني: الإجبار؛ وهو ما يعني استخدام التدخل العسكري كورقة ضغط فقط، مع استخدام أمور قسرية أخرى، كضخ استثمارات ضخمة في الجزيرة التي سبق أن عرض زعماء أمريكيون على الدنمارك شراءها قبل ترامب في ثلاث مناسبات على الأقل، كان أولها عام 1867.
السيناريو الثالث: الارتباط الحر؛ حيث ذكرت مجلة الإيكونوميست الثلاثاء أن مسؤولين أمريكيين يعملون على اتفاق محتمل لتوقيع جرينلاند "اتفاقية كوفا للارتباط الحر" مع الولايات المتحدة، ما يعني استقلالها الرسمي، مع منح الجيش الأمريكي فعلياً صلاحيات مطلقة على أراضيها مقابل إعفاءات جمركيةلاوهذا أمر يتطلب من جرينلاند تحقيق استقلالها عن الدنمارك، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا بموافقة البرلمان الدنماركي.
السيناريو الرابع: رجل واحد، وحاكمان؛ بما يعني مواصلة جرينلاند مساعيها نحو الاستقلال مع بقائها ضمن المملكة الدنماركية، وتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الوقت ذاته مع "بعض الرموز الشكلية للسيادة الفعلية، مثل تعيين مستشارين لحكومة جرينلاند".
وفي كل الأحوال، فإنه لا يمكن توقع تراجع الإدارة الأمريكية في المدى المنظور عن الاستمرار في تصعيدها تجاه الدنمارك، مستغلة الزخم الذي ولّدته لحظة اعتقال الرئيس الفنزويلي بهذا الشكل غير المسبوق هذا التصعيد الذي يهدف منه تحقيق عدد من المكاسب أولها: الاستحواذ على موارد الجزيرة، وثانيها: التوضيح للجانبيين الروسي والصيني بأن الولايات المتحدة تتعامل مع ما تعتبره مجالها الحيوي بشكل لا تهاون فيه.
المصدر : بي بي سي عربية
التاريخ : 7/1/2026
-----------------------------------------------------------------------------------------
المصدر : المركز المصري للدراسات الاستراتيجية
الكاتب : الشيماء عرفات
التاريخ : 20/1/2026