تشهد إيران حالياً موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية، كان المُفجِّر الأساسي لها تراجع سعر العملة الوطنية بشكل كبير أمام الدولار، مما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وسط تردي قطاعات اقتصادية عدة في البلاد تحت وطأة العقوبات الأممية، لتأخذ هذه الاحتجاجات، مثل سابقتها، منحى العنف والعنف المضاد من جانب المتظاهرين والسلطات، على الرغم من سلميتها خلال الأيام الأولى، والاكتفاء بمظاهرات متفرقة في عموم البلاد، مدعومة بفئات عدة مثل عمال النفط، وطلاب الجامعات والمعلمين وسائقي الشاحنات، الذين شاركوا طبقة البازار احتجاجاتهم في أكثر من مدينة إيرانية، على رأسها كرمنشاه التي شهدت إغلاقاً كلياً للمحال التجارية، فيما أسفرت الاحتجاجات - عن مقتل 7 مواطنين بين متظاهرين وعناصر أمن، إلى جانب عدد من الجرحى، وتضرر مبانٍ رسمية، من هذا المنطلق، تحاول الدراسة إلى جانب تفكيك أسباب الاحتجاجات الحالية، وتداعياتها وتأثيرها المحتمل، تناول أزمة الفجوة المتزايدة بين مجتمع يتحرك بسرعة كبيرة على مستوى القيم وأنماط الحياة والتنظيم الاجتماعي، ونظام ما زال يعتمد على أدوات ضبط صممت لسياق ثوري تعبوي مختلف. تم التعبير عن هذه الفجوة باحتجاجات مستمرة منذ سنوات، كنتيجة تراكمية لمسار طويل من تآكل فكرة امتثال الشارع للنظام، سبق لحظة النزول إلى الشارع بسنوات عديدة.
السياق الاقتصادي والسياسي للاحتجاجات
تمثل هذه الاحتجاجات نقطة فارقة في سياق التفاعل بين الداخل الإيراني والبيئة الإقليمية والدولية المحيطة، ليس فقط بسبب توقيتها، بل بسبب الإطار الأمني والسياسي غير المسبوق الذي اندلعت في ظله. وفي هذا السياق، لم تعد الاحتجاجات تُقاس فقط بحجمها أو امتدادها الجغرافي، بل بكيفية إدراك السلطة لها، وبالسرعة التي جرى بها تدويلها سياسياً وإعلامياً، وهو ما أسهم في إعادة تشكيل رد فعل النظام من حيث سرعة الاعتراف بالاحتجاجات، مقارنة بالموجات الاحتجاجية السابقة.
1- الأزمة الاقتصادية عامل مُفجِّر للاحتجاجات: كان للعامل الاقتصادي حضور كبير في احتجاجات الشارع الإيراني خلال السنوات الماضية، غير أن الاحتجاجات الحالية قد اتسمت بانخراط طبقة التجار ورجال الأعمال فيها، بل وبدأها هؤلاء من خلال تظاهرات متفرقة لهم في المراكز والشوارع التجارية في العاصمة طهران، بحسب ما نشرته وكالة "فارس" الإيرانية، من أن مركز "شهتشار" للتسوق، وشارع "لاله زار" بطهران -الذي يوصف بأنه شانزلزيه إيران- قد شهدا احتجاجات لتجار ورجال أعمال على التقلبات الحادة في سعر الصرف وتأثيرها على أسعار الجملة والتجزئة، على خلفية الانخفاض الحاد في قيمة العملة المحلية، بعد تجاوز سعر الدولار حاجز 1.4 مليون ريال، أي حوالى 140 ألف تومان، والذي استقال عقب حدوثه محافظ البنك المركزي محمد رضا فرزين.
2- انسداد الأفق السياسي وازدواجية الخطاب: أدى تراجع التيار الإصلاحي عن المشهد السياسي، وهندسة الانتخابات من قبل مؤسسات الدولة المعنية إلى ضعف المشاركة السياسية من جانب المواطنين في الاستحقاقات الانتخابية المتعاقبة، ليشير ذلك في مجمله إلى وجود قناعة بأن آليات التغيير من داخل النظام قد باتت معدومة، وأن استخدام الاحتجاج المستمر كوسيلة للتعبير يدل على محاولات مغالبة هذا الانسداد السياسي، من خلال احتجاجات متتالية بلا قيادة، باعتبارها الأداة الوحيدة المتاحة للتعبير عن الرفض للواقع السياسي في البلاد.
3- تدويل سريع للأزمة: تعد هذه الاحتجاجات أول موجة احتجاجية بعد المواجهات العسكرية الإسرائيلية-الإيرانية، وهو ما يتوازى مع الضغوط الخارجية والداخلية والمستويات المرتفعة من انعدام الثقة الأمنية التي ربما لم يختبرها النظام من قبل، بسبب ما تعرض له من اختراقات أمنية واستخباراتية من جانب إسرائيل أدت إلى تكبده خسائر كبيرة في صفوف قادته العسكريين، وعلمائه النوويين خلال هذه الهجمات.
فيما تأتي هذه الاحتجاجات في وقت تتعالى فيه الدعوات بالخارج لتشجيع الشارع الإيراني على الخروج على النظام، تلك الدعوات التي يوظفها دائماً النظام لصالح فكرة استهدافه من الخارج، إذ سرعان ما أكدت وسائل الإعلام الحكومية أن هذه الاحتجاجات تهدف إلى تمهيد الطريق لهجوم إسرائيلي جديد، وأنها امتداد للتهديد الخارجي، الذي اختبرته منتصف العام الماضي 2025 بشكل مباشر.
الاحتجاجات كنمط لتحول علاقة المجتمع بالسلطة
كما سبق الإشارة، لم يعد فهم احتجاج الشارع الإيراني المستمر منذ سنوات مقتصراً على أسباب اندلاعها، بل في السياق الذي بدأت فيه، والتغيرات التي يشهدها المجتمع. إذ يشهد المجتمع تحولات ديموجرافية وثقافية عدة يمكن من خلالها فهم استمرار الاحتجاجات وتواليها كوسيلة وحيدة للتعبير عن الرفض، في ظل واقع سياسي تغيب فيه فاعليه المعارضة، والأحزاب السياسية، وحرية وسائل الإعلام على اختلافها. ومن أهم هذه التطورات ما يلي:
1- تخلي البازار عن دوره التقليدي: مثّل البازار أحد الأعمدة التاريخية للاستقرار في إيران، ليس فقط بوصفه فاعلاً اقتصادياً، بل كشبكة اجتماعية وسياسية لعبت دوراً محورياً في دعم الثورة الإسلامية، وإعادة إنتاج التوازن بين الدولة والمجتمع. كما ارتبط البازار تقليدياً بتحالف ضمني مع المؤسسة الدينية.
2 - صعود أجيال جديدة من الشباب: لم تعش الأجيال الشابة الحالية في إيران تجربة الثورة الإسلامية عام 1979، ولا الحرب العراقية-الإيرانية، ولا لحظات التأسيس الرمزي التي يستند إليها النظام في بناء شرعيته السياسية والأخلاقية. وبناءً على ذلك، لا تنظر هذه الأجيال إلى الدولة باعتبارها مشروع رسالة أو كياناً ثورياً يحمل بعداً أيديولوجياً جامعاً، بل تتعامل معها بوصفها جهازاً إدارياً سياسياً تقاس شرعيته بقدرته على توفير الاستقرار الاقتصادي، والأمن الاجتماعي، وجودة الحياة.
3-إخفاق أدوات الضبط الناعمة والخشنة للنظام: اعتمدت الدولة الإيرانية تاريخياً على مزيج من أدوات الضبط الناعمة، مثل الخطاب الديني التعبوي، وشبكة المؤسسات الوسيطة المرتبطة بالدولة والمجتمع، والشرعية الثورية المستندة إلى سرديات التأسيس والمقاومة، إلى جانب آليات الضبط الخشن المتمثلة في الأجهزة الأمنية، وسلطة القضاء، والمنظومة التشريعية. وقد مكّن هذا التداخل بين هذه الأدوات النظام، لفترات طويلة، من إدارة التوترات الاجتماعية واحتواء الاحتجاجات، عبر إنتاج قدر من الامتثال الطوعي أو شبه الطوعي، دون اللجوء الدائم إلى القمع المباشر المبالغ فيه.
في المقابل، أدى هذا التراجع إلى توسع الاعتماد على أدوات الضبط الخشن، عبر تشديد الإجراءات الأمنية، وتسريع التدخل القضائي، وتكثيف الأطر التشريعية المقيدة للحريات، بما يحول إدارة الاحتجاج من مسألة سياسية اجتماعية إلى قضية أمن قومي.
وعلى الرغم من أن هذا النهج قد يحقق قدراً من الضبط الآني للمشهد، ويحد من اتساع الاحتجاجات في المدى القصير، إلا أنه ينطوي على تداعيات عكسية على المدى المتوسط، إذ يرفع كلفة الإدارة الأمنية، ويعمق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، ويكرس منطق المواجهة بدل الاحتواء. كما أن الإفراط في استخدام القمع يعزز منطق "الأمننة" ويجعل أي تعبير اجتماعي، مهما كان محدوداً، عرضة للتأويل بوصفه تهديداً للاستقرار.
المستقبل بين النظام والمجتمع في ظل التهديد الخارجي
دخل مستوى التفاعل بين الدولة الإيرانية والمجتمع مرحلة بالغة الأهمية، تتقاطع فيها أزمتان متزامنتان: أزمة داخلية تتعلق بتآكل أدوات الضبط والشرعية، وأزمة خارجية تتمثل في تصاعد التهديدات الأمنية الإقليمية والدولية، لا سيما بعد المواجهات المباشرة الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وفي هذا الإطار، يميل النظام إلى قراءة الاحتجاجات بوصفها جزءاً من بيئة تهديد مركبة، تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية مع محاولات الاختراق الخارجي والحرب النفسية والإعلامية. وتؤدي هذه القراءة إلى تعزيز منطق الأمننة، حيث تدار المطالب الاجتماعية والسياسية من زاوية أمنية بالأساس، وتختزل في بعدها التهديدي بدلاً من التعامل معها كإشارات إنذار اجتماعي.
ورغم أن هذا النهج يمنح الدولة قدرة أكبر على الضبط السريع ومنع الانفلات، إلا أنه يعيد إنتاج حلقة مفرغة من القمع والاحتجاج، ويضعف فرص بناء تفاعل مستقر طويل الأمد مع المجتمع. في المقابل، لا يتعامل المجتمع أو على الأقل قطاعات مؤثرة منه مع التهديد الخارجي بوصفه مبرراً لتجميد الخلافات الداخلية، بل على العكس، يرى كثيرون أن تصاعد المخاطر الإقليمية يفترض أن يسهم في تحسين أداء الدولة، وتعزيز كفاءة إدارة الملف الاقتصادي، وتخفيف الضغوط الاجتماعية، بدلاً من زياداتها، ومن هنا تنشأ فجوة بين النظام والمجتمع، فبينما ترى السلطة أن تشديد القبضة الداخلية ضرورة أمنية، يراها المجتمع دليلاً على عجز النظام عن إدارة الأزمات وفي هذا السياق، يعتمد مستقبل العلاقة بين النظام والمجتمع، ومن ثم مستقبل استمراره في السلطة على مدى تغيير إدراكه ومن ثم ممارساته في ظل الظروف الراهنة، والتي تتمثل في:
1- تأثير التهديد الخارجي على إعادة ترتيب أولويات النظام: ينعكس إدراك النظام الإيراني لوجود تهديدات خارجية، على ممارساته وسياسته داخلياً، بحيث يتقدم لدى النظام البعد الأمني والعسكري، على حساب الملفات الاجتماعية والاقتصادية، بدلاً من أن يعمل على تحصين الداخل، ويترتب على ذلك توجيه الموارد، والاهتمام السياسي، وحتى الخطاب العام، نحو سياسة "إدارة المخاطر" بدل "إدارة التنمية". فتميل مؤسسات الدولة، إلى تبسيط المشكلات الاجتماعية وردها إلى أسباب أمنية أو مؤامرات من الخارج، وهو ما يحد من فرص معالجة الأزمات.
2- مدى تحول المجتمع من المطالبة بالإصلاح إلى التكيّف مع الأزمات: في مقابل سياسات النظام الإيراني داخلياً، يجد المجتمع الإيراني نفسه في ظل هذا المناخ أمام خيارين أساسيين: إما الدخول في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع النظام، وهو خيار محفوف بالمخاطر ويتطلب قدرة تنظيمية عالية، أو اتباع سياسة التكيف الاجتماعي، التي تبدو أكثر واقعية وملاءمة للظروف الراهنة. ومع إدراك محدودية فرص الإصلاح السريع وتراجع الثقة في القنوات الرسمية التقليدية، تميل قطاعات واسعة من المجتمع إلى إعادة تنظيم حياتها اليومية بطرق تتجاوز الدولة، عبر محاولة التحايل على القيود التي يفرضها عليها النظام، سواء من خلال الانخراط في الاقتصاد غير الرسمي، أو عن طريق الاعتماد على الفضاء الرقمي للتواصل والمبادرة، أو تبني أنماط جديدة من التضامن الاجتماعي والأسري.
في النهاية، يمكن القول إن النظام الإيراني حالياً مازال قادراً على الصمود وإدارة المجال العام واحتواء التهديدات المباشرة بنهج أمني، إلا أنه في الوقت نفسه يعاني هشاشة متنامية في علاقته بالمجتمع، تتراكم ببطء، وهذا التناقض لا يعني بالضرورة انهياراً وشيكاً للنظام، بقدر ما يشير إلى تحول في طبيعة التحدي الذي يواجهه من تهديدات يمكن احتواؤها أمنياً، إلى اختلالات هيكلية طويلة الأمد تطال قاعدته الشرعية ومن ثم قدرته على الحشد والتعبئة. وبالتالي، فإن مستقبل النظام سيتحدد وفق كيفية إدارته لهذا التوازن بين القوة المؤسسية والانسحاب المجتمعي.
المصدر: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : رانيا مكرم
التاريخ : 3/1/2026
----------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: صحيفة النهار
الكاتب : أمير دبيري مهر
التاريخ : 30/12/2025
