كيف يستفيد الشرق الأوسط من التحولات العالمية خلال عام 2026
فرع بنغازي

مع اقتراب نهاية كل عام، تميل معظم التحليلات السياسية والاستراتيجية إلى التركيز على رسم خرائط الصراعات القائمة، واستشراف بؤر التوترات المحتملة في العام المقبل، انطلاقاً من مسلّمة راسخة تفترض أن منطقة الشرق الأوسط هي فضاء دائم للأزمات وعدم الاستقرار. وفي خضم هذا التشاؤم المهيمن على الوعي الجمعي داخل الإقليم، والمتجذر في الصور الذهنية السلبية الشائعة عنه في الخطاب والفكر الغربي، يجري في كثير من الأحيان إغفال مساحات واسعة من الفرص الكامنة التي يمكن البناء عليها لصناعة مستقبل بديل ومختلف للمنطقة.

وفي هذا السياق، يحمل عام 2026 في طياته عدداً من التطورات الإيجابية المحتملة التي قد تُسهم في إعادة تشكيل صورة مغايرة لشرق أوسط أكثر استقراراً ونمواً. ولا يعني هذا الطرح تجاهل الأزمات الإقليمية أو التقليل من تعقيداتها بقدر ما يهدف إلى إعادة توجيه الانتباه نحو الفرص المنسية والمسارات الممكنة التي تسمح باستثمار التحولات الجارية، وتحويلها إلى ركائز فعلية للتنمية والاستقرار الإقليمي.

1- التوسع في جهود تهدئة بعض الصراعات في الإقليم: كشفت تفاعلات عام 2025 عن توسع إقليمي في جهود تهدئة الصراعات بداية من تنفيذ خطة السلام في قطاع غزة التي أطلقها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" مروراً بالدعم واسع النطاق لاتفاقات التهدئة بين الفصائل في سوريا في مرحلة "ما بعد الأسد"، وانتهاءً بالضغوط المتزايدة لمنع التصعيد في لبنان، كما تتعدد مبادرات التهدئة في مختلف بؤر الصراعات كاشفةً عن تلاقي رؤى عدد كبير من دول المنطقة حول ضرورة إنهاء "حالة الصراع" اللا نهائية وبدء عمليات إعادة الإعمار، وهو ما يمكن البناء عليه وتوسيعه ليشمل بؤراً أخرى للصراعات الإقليمية.

2- التوافق على تحجيم أنشطة الفاعلين المسلحين من غير الدول: تشهد منطقة الشرق الأوسط توافقاً إقليمياً على مواجهة أنشطة الفاعلين المسلحين من غير الدول وأولوية "حصر السلاح" بيد الدول في بؤر التوترات الإقليمية، خاصةً في ظل تطورات عام 2025 والضربات التي تعرضت لها بعض المليشيات في منطقة الشرق الأوسط بسبب تهديداتها للأمن الإقليمي والممرات الملاحية الحيوية. وقد بدأت بعض دول المنطقة تنفيذ خطط مدعومة بضغوط دولية لنزع سلاح المليشيات المسلحة أو دمجها ضمن هياكل الجيوش الوطنية. ويسهم ذلك في تهيئة المناخ الملائم لتهدئة وتسوية الصراعات الداخلية في بعض الدول، وإنهاء الحروب بالوكالة، والتركيز على جذب الاستثمارات وإعادة الإعمار وتطوير الخدمات الأساسية والتنمية الاقتصادية.

3- توسع عمليات إعادة الدمج لبعض الدول في النظام الإقليمي: يكشف النموذج السوري عن تحولات سياسية واقتصادية مهمة عقب رفع عقوبات "قانون قيصر" الأمريكية بالتوازي مع رفع العقوبات الدولية المفروضة على سوريا في مرحلة "ما بعد الأسد" وهو ما يمثل نقطة تحول مهمة نحو إعادة دمج الدول المتعافية من الصراعات في النظام الإقليمي وما يحمله ذلك من عودة التجارة البينية وحركة الترانزيت ومشروعات لإعادة الإعمار والخدمات اللوجستية. وعلى الرغم من استمرار التوترات الداخلية، فإن النموذج السوري يحمل في طياته ملامح مهمة لتعزيز التكامل الإقليمي وتعافي الدول في مرحلة ما بعد الصراعات الداخلية.

4- تراجع أسعار الفائدة العالمية وتحسن بيئة التمويل الإقليمي: يتوقع أن تشهد السياسة النقدية العالمية مزيداً من التيسير النقدي وخفض أسعار الفائدة مع التحولات المتوقعة في بنية وقيادة "الاحتياطي الفيدرالي" في الولايات المتحدة خلال عام 2026. وسينعكس ذلك على تحسين بيئة التمويل في الدول النامية بمنطقة الشرق الأوسط، وخفض الفوائد على تمويل المشروعات الكبرى، وتحسين ظروف الاقتراض الخارجي، وإعادة فتح قنوات التمويل الاستثماري. وسيشجع ذلك القطاع الخاص على التوسع في المشروعات بقطاعات الطاقة والصناعة والعقارات والسياحة عبر خفض تكلفة الاقتراض مما يُعزز اتجاهات النمو الاقتصادي في الإقليم.

5- طفرة مراكز البيانات ونظم الذكاء الاصطناعي: تتجه منطقة الشرق الأوسط في عام 2026 إلى موجة توسع في مراكز البيانات وبنية الحوسبة السحابية الداعمة لنظم الذكاء الاصطناعي، وفي هذا الصدد تبرز دولة الإمارات باعتبارها نقطة ارتكاز قوية عقب إعلان شركة "مايكروسوفت" عن أن إجمالي استثماراتها في الدولة يصل إلى (15.2) مليار دولار حتى عام 2029 لتأسيس مراكز بيانات متعددة وإطلاق مراكز "خزنة داتا سنترز" للبيانات التي ستضيف حوالي (1) جيجاوات لطاقتها التشغيلية خلال السنوات الخمس المقبلة.

وتتسارع عمليات تأسيس مراكز أخرى للبيانات في عدد من دول المنطقة في مقابل تركيز دول أخرى مثل مصر على الاستفادة من موقعها الجغرافي المحوري كمحور للكابلات البحرية الدولية العابرة بين أوروبا وآسيا وأفريقيا مما يعزز جدوى الاستثمار في مراكز البيانات القريبة من ممرات الاتصالات العالمية. كما توسعت فرص الاستثمار في المجالات المساندة مثل: الإنشاءات المتخصصة، ومحطات الطاقة، والتبريد المتقدم، والأمن السيبراني، والبنية التحتية، والشرائح الذكية.

6- تنامي منظومة التكنولوجيا المالية وتحوّل القطاع المصرفي: يشهد القطاع المالي الإقليمي تحولات عميقة نحو الرقمنة والخدمات المصرفية غير التقليدية والمعاملات المالية غير النقدية المرتبطة بها، وهو ما يدفع بقوة شركات التكنولوجيا المالية، حيث تشير التوقعات إلى أن هذا القطاع سينمو في دولة الإمارات من (3.16) مليار دولار في 2024إلى (5.71) بحلول عام 2029مع ارتفاع نسبة التفاعل الرقمي مع الحسابات المصرفية إلى (89%) من العملاء.

ويُسهم الذكاء الاصطناعي بقوة في تحويل قطاع الخدمات المالية بصورة هيكلية سريعة عبر تحسين القدرة على تلبية تفضيلات المستخدمين وإدارة المخاطر. وتبرز في هذا الصدد أسواق واعدة على امتداد الإقليم تشمل دولاً متعددة تضم استثمارات ضخمة في قطاعات الابتكار المالي والامتثال الرقمي وتحليل المخاطر المالية ومنصات الإقراض البديلة، بالإضافة إلى عمليات التحول الرقمي في الأسواق الناشئة التي يتصاعد فيها الطلب سريعاً على الخدمات المالية المتقدمة.

7- تصاعد التوجه الإقليمي نحو قطاع الطاقة المتجددة: تحول العمل ضمن مشروعات الطاقة المتجددة من المسارات التجريبية إلى تشكيل منظومة اقتصادية متكاملة تشمل التصنيع المحلي للمكونات اللازمة لتوليد الطاقة المتجددة، سواء الشمسية أو طاقة الرياح وسلاسل الإمداد والخدمات الهندسية، مع توسع دول الخليج العربي والمغرب ومصر والأردن في هذه القطاعات. ومع تزايد الحاجة لتعزيز قدرات توليد الطاقة الكهربائية وخفض تكلفة الطاقة لدعم مراكز البيانات العملاقة، أصبح الشرق الأوسط مركزاً رئيسياً لاستثمارات الطاقة خاصةً في قطاعات الطاقة النظيفة محدودة الانبعاثات مع دمج هذه المنظومات بالمناطق الصناعية ذات الاستهلاك الكثيف للطاقة بهدف خفض البصمة الكربونية للاقتصادات الإقليمية.

ويبرز الهيدروجين الأخضر كأحد أهم رهانات التحول في منطقة الشرق الأوسط في عام 2026، حيث انتقلت بعض الدول إلى التنفيذ الفعلي لمشروعات إنتاج موجهة للتصدير خاصةً للأسواق الأوروبية، كما تم اعتماد مشروعات ضخمة في مواقع جيواستراتيجية لإنتاج الهيدروجين الأخضر وربطه بصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل صناعات الصلب والأسمدة، وهو ما يخلق فرصاً ضخمة في قطاعات الموانئ والتصدير والتخزين والنقل وغيرها من القطاعات المساندة.

8- توسع عمليات التصنيع المحلي في دول الإقليم: يُتوقع أن يشهد القطاع الصناعي في منطقة الشرق الأوسط توسعاً لافتاً، خاصةً مع قيام شركات أوروبية وآسيوية بالاستفادة من محفزات الاستثمار ونقل بعض عملياتها التصنيعية للإقليم، حيث استقطب المغرب استثمارات صناعية كبرى في صناعة تجميع السيارات والمكونات الكهربائية، وركزت مصر على جذب الاستثمارات للقطاعات الصناعية المغذية والداعمة لصناعة السيارات، بالإضافة إلى نقل عمليات تصنيع الهواتف الذكية للاستفادة من السوق المحلية الضخمة والموقع التصديري الملائم. كما عزز القرب الجغرافي من أوروبا واتفاقيات التجارة الحرة من جاذبية المنطقة كسلسلة إمداد بديلة، خاصةً في ظل الحروب التجارية المحتدمة في النظام الدولي ورفع الرسوم الجمركية لمستويات غير مسبوقة على بعض الدول التي تضم مراكز التصنيع التقليدية.

9- تحقيق نمو قياسي في قطاع السياحة بدول المنطقة: سجلت العديد من دول المنطقة أرقاماً قياسية في عدد السائحين خلال عام 2025، حيث تُشير بيانات "منظمة الأمم المتحدة للسياحة" إلى ارتفاع معدلات وصول السائحين لمنطقة الشرق الأوسط خلال عام 2025 بنسبة (2%) خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2025 مقارنة بالفترة نفسها خلال عام 2024، وهو اتجاه من المتوقع أن يشهد تنامياً خلال عام 2026 مع افتتاح مشروعات سياحية ضخمة مثل المتاحف الكبرى والمراكز الترفيهية والفنادق، وتوسع التركيز على السياحة الثقافية والشاطئية والدينية، كما استثمرت العديد من دول المنطقة في التراث والطبيعة والفعاليات الكبرى وقطاعات الطيران والضيافة والخدمات الرقمية الثقافية مما وسع من سلاسل القيمة المحلية المرتبطة بالسياحة وعزز من خلق فرص العمل في عددٍ من دول المنطقة.

10- تصاعد مشروعات الربط الكهربائي وتجارة الطاقة العابرة للحدود: شهدت مشروعات الربط الكهربائي الإقليمي تقدماً ملموساً باعتبارها ضمن عمليات تعزيز أمن الطاقة وتقليل المخاطر، حيث توسعت مشروعات الربط الكهربائي بين مصر والأردن، وكذلك يجري استكمال المراحل التشغيلية للربط الكهربائي بين الأردن والعراق، كما دعمت دول الخليج العربي شبكات الربط الإقليمية لتعزيز مرونة الأنظمة الكهربائية. يُضاف إلى ما سبق تزايد دمج نظم الطاقة المتجددة في شبكات الكهرباء، والعمل على تحسين كفاءة تخزين الطاقة والإدارة الذكية للشبكات وتقليل الفاقد التشغيلي، وهو ما يدعم تقليل تكلفة الطاقة اللازمة لقطاعات التصنيع ومراكز البيانات الضخمة.

في ضوء الفرص العشر السابقة التي تُعد نماذج على حزم واسعة من الفرص المهمة التي لا حصر لها التي أفرزتها التفاعلات الإقليمية والدولية، يتضح أن عام 2026 يمكن أن يشكل نقطة انعطاف مهمة في مستقبل منطقة الشرق الأوسط إذا تم استثمار التحولات العالمية والإقليمية الممتدة. فمن شأن التهدئة النسبية للصراعات وتحسن بيئة التمويل وتسارع التحول الرقمي والتوجه نحو الطاقة المتجددة فتح آفاق أوسع للنمو وتعزيز الاستقرار المجتمعي. وفي المقابل، يبقى تحقق هذه التوقعات مرهوناً بقدرة الإقليم على تحويل هذه الفرص إلى سياسات عملية وتعميق التعاون الإقليمي وتجنب منطق الصدامات الصفرية، مع التركيز على التنمية وإعادة البناء وتعزيز دور القطاع الخاص والاستثمار العابر للحدود، وبذلك يصبح 2026 بداية مسار تدريجي نحو "شرق أوسط جديد" أقل توتراً وأكثر استقراراً واندماجاً في الاقتصاد العالمي، دون أن يعني ذلك اختفاء التحديات، بل إدارتها واحتواءها ضمن أطر أكثر استدامة وبراجماتية.



المراجع:

منى مصطفى محمد، 28.12.2025، كيف يستفيد الشرق الأوسط من التحولات العالمية خلال عام 2026؟، موقع إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية.

تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، أكتوبر 2025، البنك الدولي (كمرجع ثانٍ عام حول السياق الاقتصادي).

 
المقالات الأخيرة