الاتجاهات الإفريقية المتوقعة وآثارها الشرق أوسطية عام 2026
فرع بنغازي

من الواضح أن إفريقيا تدخل عام 2026في لحظة فارقة، تتداخل فيها الفرص والأزمات في آنٍ واحد. فالمعضلات الأمنية وقضايا الحوكمة، وتقلبات المناخ، والديون المتراكمة، كلها عوامل تتصادم مع نظام عالمي سريع التغير. وباتت سياسات القوة، وفقاً لمبدأ "دونرو" الذي يرتبط بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وليس القواعد، هي التي تحدد النظام الدولي الجديد. وفي الوقت نفسه، تزداد أهمية إفريقيا بالنسبة لمستقبل العالم؛ إذ تضم القارة نحو 60%من أفضل موارد الطاقة الشمسية في العالم، وحصة كبيرة من المعادن الأساسية لانتقال الطاقة العالمي. ومع ذلك، لا تزال المفارقة قائمة؛ فإفريقيا لا غنى عنها عالمياً؛ لكنها لا تزال تُعاني من ضعف سياسي وتهميش اقتصادي في هياكل الحوكمة العالمية.

ويمكن، في إطار التوقعات المستقبلية لعام 2026، تصور سبع قضايا مترابطة تصوغ المشهد العام في إفريقيا خلال العام الحالي، تدور حول التحولات الجيوسياسية، وقضايا الحوكمة، والأمن، والمناخ، والديون، والتحول الرقمي. وفي ضوء ملامح عالم ما بعد الغرب؛ سوف يعتمد مسار إفريقيا المستقبلي على الخيارات الإفريقية وشركائها في مناطق الجنوب العالمي.

وبالنسبة للتداعيات الإقليمية، ولا سيّما في منطقة الشرق الأوسط؛ ستكون للتطورات الإفريقية عام 2026 ردود أفعال متتالية على مجالات متعددة، مثل إعادة التشكيل الجيوسياسي في أعقاب تحولات القوى الإقليمية، وترابط قضايا الأمن والإرهاب، وأسواق الطاقة. وعليه، يسعى هذا التحليل إلى رسم خريطة للتحولات الرئيسية في الجغرافيا السياسية الإفريقية، والحوكمة، والتكامل الاقتصادي، وديناميات الأمن المناخي، ويحلل تأثيرها المحتمل في مصالح واستقرار الشرق الأوسط.

1- التحولات الجيوسياسية:

من المُتوقع أن يتحول المشهد الجيوسياسي في إفريقيا عام 2026 من تعاون متعدد الأطراف إلى تنافس سياسي قائم على المصالح المشتركة؛ يتسم بمنافسة مفتوحة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وقوى أخرى في الشرق الأوسط على المعادن، والنفوذ السياسي والعسكري، وطرق التجارة. وقد أبرزت قممٌ بارزة، مثل قمة بريكس في ريو دي جانيرو – التي ضمت قادة أفارقة من جنوب إفريقيا وإثيوبيا ومصر– وأول قمة لمجموعة العشرين تُعقد على أرض إفريقية في جوهانسبرغ؛ دور القارة الإفريقية في ظل التعريفات الجمركية العقابية وسياسة العزلة التي انتهجها ترامب. بيد أن هذا الدور يتراجع مع إعطاء الولايات المتحدة، بصفتها قائدة مجموعة العشرين، الأولوية لرفع القيود التنظيمية على حساب التنمية؛ حيث يشير احتمال استبعاد جنوب إفريقيا من قمة ميامي 2026 إلى دبلوماسية قسرية تستخدم الدعوات كسلاح وتختبر التضامن الإفريقي.

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فتعزز هذه التحولات الدور المحوري لمصر كبوابة لشمال إفريقيا، مستفيدة من مشاركتها في بريكس إلى جانب جنوب إفريقيا وإثيوبيا لموازنة التعريفات الجمركية الأمريكية مع البنية التحتية الصينية والعروض الأمنية الروسية. كما قد تجد دول الخليج فرصاً واعدة للاستثمار في المنغنيز الغابوني والغاز الطبيعي المسال السنغالي. 

2- الاتجاه شرقاً:

من المرجح أن تظل إفريقيا عُرضة للتأثيرات الخارجية، بما في ذلك التحول الأمريكي نحو السياسات الحمائية، والذي يهدد مستقبل قانون النمو والفرص في إفريقيا (أغوا). ولا تزال بالفعل اقتصادات القارة تعاني من تداعياته. فقد ألحقت التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب ضرراً بالغاً بالمستفيدين الرئيسيين من قانون (أغوا)؛ مما يشير إلى نهاية نحو 25عاماً من قيام الولايات المتحدة بمنح إفريقيا شروطاً تجارية تفضيلية. فعلى سبيل المثال، تعرضت ليسوتو لتعريفة جمركية بنسبة 50% بسبب حسابات مشكوك فيها. وهكذا أصبح قانون (أغوا)، الذي كان له دور محوري في بناء صناعة الملابس الناشئة في ليسوتو، نقطة ضعفها. فقد وجدت هذه الدولة الحبيسة، التي كانت تُعد ثاني أكبر مُصدّر للملابس في القارة من خلال تصدير نحو 75% من إجمالي صادراتها إلى الولايات المتحدة، أن صناعة النسيج لديها قد انهارت بين عشية وضحاها. وقد عرّض هذا الإجراء 35 ألف وظيفة للخطر، وأحدث اضطراباً في قطاع كان يُسهم بنحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي. وبينما أعادت إدارة ترامب لاحقاً النظر في تعريفاتها الجمركية، فقد ألحق الجدل بشأن عدم تجديد قانون (أغوا) ضرراً بالغاً بالدول الأخرى التي تعتمد على التصدير، بما في ذلك مدغشقر وكينيا. وفي عام 2026، ستواصل كينيا مساعيها للتوصل إلى اتفاقية تفضيلية مع الولايات المتحدة لتخفيف حالة عدم اليقين بشأن اتفاقية الشراكة الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2024، وذلك بعد أن قررت محكمة العدل لشرق إفريقيا تعليق الاتفاقية بناءً على دعوى قضائية تُشكك في توافقها مع السوق المشتركة المُنشأة في إطار جماعة شرق إفريقيا.

في غضون ذلك، ستتجه دول إفريقية أخرى، غير قادرة على الاعتماد على مثل هذه الفرص التجارية العالمية، بشكل متزايد نحو الشرق. فقد استغلت الصين ردود الفعل السلبية تجاه تعريفات ترامب الجمركية، فأعلنت في يونيو 2025 عن سياسة إعفاء جمركي كامل، تمنح بموجبها إعفاءً من الرسوم الجمركية لجميع الدول الإفريقية الـ53التي تربطها بها علاقات دبلوماسية. ويُتوقع أن تُمهد هذه الخطوة الطريق أمام الدول الإفريقية لتصدير سلع ذات قيمة مضافة إلى بكين، بافتراض قدرتها على منافسة الصين، مركز الصناعة العالمي، من حيث السعر. وفي هذه الأثناء، يُتوقع أن تُعطي الاقتصادات الإفريقية الأولوية للصادرات الزراعية، وأن تعمل مع الصين على التجارة عبر "ممرات خضراء" مخصصة، والتي تُتاح حالياً لمجموعة من السلع، بما في ذلك الأفوكادو والبن والفلفل الحار والكاجو وبذور السمسم. وعلى الرغم من موافقة مجلس النواب الأمريكي في يناير الجاري على تمديد قانون (أغوا) حتى ديسمبر 2028؛ فإنه على الدول الإفريقية إعادة النظر في سياسات ترامب القائمة على المعاملات والصفقات الثنائية في الدبلوماسية التجارية؛ وهو ما يدفعها إلى التوجه شرقاً صوب الصين ودول الجنوب العالمي.

ومن المتوقع كذلك أن تُسرّع الحمائية الأمريكية من تحوّل إفريقيا بعيداً عن رؤوس الأموال الغربية؛ مما يُتيح لدول الخليج العربية فرصة تأمين موارد معدنية استراتيجية وإعادة تشكيل سلاسل التوريد التي كانت تهيمن عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها. 

3- الساحل.. مركّب أمني يتحول إلى أزمة بنيوية:

تُعد منطقة الساحل أحد أكثر بؤر الصراع حدة وتفاقماً في إفريقيا، حيث تتداخل فيها حركات التمرد وهشاشة الدولة والانهيار الإنساني، كما تشهد حراكاً واسعاً وتمدداً إقليمياً للجماعات الإرهابية العنيفة. ولعل ذلك يبرز بجلاء في تصاعد وتيرة العنف المتطرف في أنحاء غرب إفريقيا بشكل حاد خلال الأعوام الثلاثة الماضية. ومن المرجح أن تتعمق الأزمة عام 2026 وتمتد جنوباً. وقد شهدنا، بحلول أواخر عام 2025، نزوح أكثر من 3.3 مليون شخص من ديارهم في منطقة الساحل الأوسط وحدها، وتشير تقديرات أوسع إلى أن إجمالي عدد النازحين، بمن فيهم اللاجئون والنازحون داخلياً، يبلغ نحو 5.9 مليون شخص، إلى جانب نحو 2.2 مليون لاجئ تستضيفهم الدول المجاورة. ولا يخفى أن ضعف القيادة الإقليمية، وسوء الحوكمة، وموجة الانقلابات العسكرية في بعض الدول، وتراجع جهود مكافحة الإرهاب الدولية؛ جميعها عوامل خلقت فراغاً استراتيجياً كان بمثابة بيئة حاضنة للنزعات المتطرفة العنيفة. ففي العام الماضي، بلغ العنف والاضطرابات الاقتصادية مستويات قياسية لأول مرة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وبنين. كما بسط تنظيم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، وهو تحالف إرهابي عنيف مرتبط بتنظيم القاعدة، سيطرته على مساحات واسعة من شمال ووسط مالي، مستهدفاً طرق التجارة الرئيسية في البلاد لعزل العاصمة باماكو؛ ما يثير المخاوف من سقوطها في نهاية المطاف.

وعندما تفشل السلطات المركزية في تحالف الساحل، الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، في فرض السيطرة أو الاستجابة لمظالم السكان المحليين، وخاصةً التنافس على الأراضي بين الرعاة والمزارعين؛ تتدخل هذه الجماعات الإرهابية، معتمدة في الغالب على هجمات واسعة النطاق، في الوقت الذي تُروّج فيه لسرديتها الدينية لجذب العقول والقلوب، ولا سيّما في المجتمعات الريفية؛ وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تمددها بشكل تدريجي. وحيثما تعجز الحكومات عن توفير الأمن أو تسوية النزاعات حول الأرض والمياه، يتقدم هؤلاء المتطرفون لسد الفراغ، ويطالبون بالولاء لهم في المقابل.

ومن المتوقع أن تركز "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" عام 2026 على ترسيخ مناطق نفوذها الأساسية في دول تحالف الساحل الثلاث، مع إقامة معاقل جديدة في المناطق الحدودية مع توغو وبنين والنيجر. وستواصل الجماعة استغلال الحدود الهشة والمساحات غير المحكومة وشبكاتها الإجرامية. وستظل بنين الأكثر هشاشة؛ فقد بلغت الهجمات ذروتها عام 2025، مع ارتفاع عدد القتلى بنحو 70%. وفي عام 2024، نفذت الجماعة أول هجوم لها في نيجيريا في أكتوبر 2025، كما تواجه مناطق جنوب غرب توغو مخاطر مماثلة. وربما تكون المخاطر أعلى في المناطق الحدودية، وأقل نسبياً في المراكز الحضرية الساحلية. ولعل ذلك كله يدفع دول غرب إفريقيا الساحلية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، محوِّلة الموارد من التعليم والصحة وخلق فرص العمل، كما يضيف ذلك ضغوطاً مالية في دول مثل السنغال التي تعاني أصلاً من عجز مرتفع. وستتسارع حركة اللاجئين داخل الإقليم، ولا سيّما في كوت ديفوار التي استقبلت بالفعل العديد من سكان مالي وبوركينا فاسو. غير أن ضغط النزوح سيظل إقليمياً وليس عابراً للقارات. ومع ذلك، ستُضعف هذه الديناميات الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) أكثر، ولا سيّما بعد انسحاب دول تحالف الساحل، وتجعل المنطقة أقل جاذبية للمستثمرين.

وربما تتخذ أزمة الساحل مساراً أكثر سوءاً، حيث يتفاقم الوضع الإنساني بسبب الانهيار الاقتصادي، وانعدام الأمن الغذائي، وتآكل الحوكمة. ولعل هذا المنحى يجعل الساحل أولوية أمنية وإنسانية، وإذا لم يتم اتخاذ إجراءات إقليمية حاسمة واستثمار مستدام في الحماية، فإنه يُخاطر بأن يصبح منطقة عدم استقرار مزمنة ذات تداعيات عابرة للقارات؛ إذ يؤدي عدم الاستقرار في مالي ومنطقة الساحل إلى خلق ملاذات آمنة للإرهابيين؛ مما يهدد الجزائر وتونس وليبيا. كما قد تدفع أزمات الساحل بالهجرة شمالاً نحو منطقة البحر الأبيض المتوسط؛ مما يخلق ضغطاً خارجياً على دول الشرق الأوسط عبر طرق شمال إفريقيا. كما تُشكل مناطق الساحل الخارجة عن سيطرة الحكومات حاضنات للجماعات الإرهابية التي قد تتمدد إلى ساحات الصراع في الشرق الأوسط.

4- الجمود المناخي والتحول في مجال الطاقة:

ظل التقدم في تمويل المناخ بطيئاً عام 2025، حيث اقتصر على تحركات تدريجية نحو الهدف الكمي الجماعي الجديد (NCQG) المتفق عليه عام 2024 لتوفير ما لا يقل عن 300مليار دولار أمريكي سنوياً من التمويل العام للمناخ للدول النامية بحلول عام 2035. وذلك في حين أكد مؤتمر الأطراف الثلاثون (COP30) في بيليم الالتزامات مجدداً؛ لكنه لم يُقدم توضيحاً بشأن مستويات التمويل أو الجداول الزمنية من جانب الدول المتقدمة. أما خارطة طريق باكو– بيليم للوصول إلى 1.3 تريليون دولار، فقد حظيت باهتمام محدود؛ مما يعكس ضعف الرغبة السياسية، على الرغم من أن التقدم المتواضع شمل حواراً وزارياً رفيع المستوى، وبرنامج عمل تنفيذي لمدة عامين، والاتفاق على مضاعفة تمويل التكيف ثلاث مرات بحلول عام 2035، وهي نتيجة ضغط من أجلها المفاوضون الأفارقة بقوة.

وعلى الرغم من التعهدات المبهمة المماثلة بشأن حماية الغابات، شهد مؤتمر (COP30)، الذي أُطلق عليه اسم "مؤتمر الأطراف المعني بالغابات"، إطلاق "مرفق الغابات الاستوائية الدائمة" (TFFF)؛ وهي آلية جديدة لدفع مبالغ مالية للدول مقابل الحفاظ على الغابات الاستوائية القائمة؛ مما يبشر بآفاق واعدة للدول الغنية بالغابات ذات معدلات إزالة الغابات المنخفضة، مثل الغابون وجمهورية الكونغو، حتى مع كون التعهدات الأولية البالغة 5.5مليار دولار أقل بكثير من الهدف المحدد البالغ 25 مليار دولار. وقد تستفيد إفريقيا أيضاً من "نداء بيليم لغابات حوض الكونغو"، الذي يهدف إلى حشد 2.5 مليار دولار على مدى خمس سنوات. وبينما تشير الالتزامات الحالية إلى أن تمويل المناخ سيتخلف عن طموحات الهدف الكمي الجماعي الجديد (NCQG) عام 2026؛ فإن "مرفق الغابات الاستوائية الدائمة" قد يتيح تمويلاً مستداماً للغابات بحلول مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين (COP31)؛ مما يعزز موقف إفريقيا التفاوضي قبل مؤتمر الأطراف الثاني والثلاثين (COP32) في أديس أبابا.

ومن جهة أخرى، فإن اعتراف مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي عام 2025 بتغير المناخ باعتباره "عاملاً مضاعفاً للمخاطر"، يُفاقم انعدام الأمن، وتدهور سبل العيش، وعدم استقرار النظام الغذائي، وتحولات الهجرة الجماعية عام 2026؛ قد حوّل هذا الاعتراف من مجرد نظرية إلى إدارة فعّالة للأزمات. وبالرغم من الصعوبات؛ برزت القدرة الإفريقية من خلال الحلول المحلية التي طرحتها قمة المناخ الإفريقية الثانية، بما في ذلك اتفاقية الابتكار المناخي الإفريقية بقيمة 50مليار دولار، ومبادرة أسواق الكربون الإفريقية التي تستهدف 300 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030، وشراكة جنوب إفريقيا للانتقال العادل للطاقة بقيمة 8.5 مليار دولار، ونموذج الهيدروجين الأخضر في ناميبيا، الذي يَعد بتوسيع نطاق الطاقة المتجددة، وتكامل الطاقة في اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، وصادرات المعادن الخضراء، وأطر السلام المتكيفة مع المناخ.

ولا شك أن التحول الطاقي في إفريقيا سوف يؤثر في تشكيل أسواق الطاقة بالشرق الأوسط. فقد تبرز فرص جديدة؛ إذ تستثمر صناديق الثروة السيادية الخليجية ومؤسسات التنمية بشكل متزايد في مشاريع الطاقة المتجددة الإفريقية. ويُمكّن دور مصر كمركز عبور للطاقة من خلال قناة السويس وبنية خطوط الأنابيب من الاستفادة من صادرات الطاقة الإفريقية إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية. 

5- أزمة الحوكمة والتراجع الديمقراطي:

شهدت إفريقيا ما لا يقل عن عشر انقلابات ناجحة منذ عام 2020، كما تم تعديل الكثير من الدساتير لإزالة القيود المفروضة على مدة الرئاسة، بالإضافة إلى تبعات الحروب والصراعات العنيفة الممتدة في بعض دول القارة. وفي عام 2026، تُجرى في إفريقيا أكثر من 20 عملية انتخابية وطنية، العديد منها في سياقات تتسم بالفعل بانعدام الأمن والأزمات الاقتصادية الخانقة. وبدلاً من تجديد الشرعية، تُنذر بعض هذه الانتخابات بتعميق الاغتراب السياسي. ففي أوغندا، تمكن الرئيس يويري موسيفيني، الذي يتولى السلطة منذ عام 1986، من تمديد فترة حكمه في يناير 2026 وسط حالة من عسكرة السياسة. وفي إثيوبيا ستُجرى الانتخابات في يونيو 2026 في ظل نزاعات لم تُحل في مناطق تيغراي وأمهرة وأوروميا، مع نزوح الملايين.

ولا يقتصر الخطر على الانتخابات المعيبة فحسب، بل يتعداه إلى ضعف قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية؛ مما قد يُهيئ بيئة خصبة للانقلابات والتمردات والاضطرابات الاجتماعية. ومن المرجح أن يؤدي عدم الاستقرار السياسي في عدد من الدول الإفريقية، وخاصةً تلك المتاخمة لقوى إقليمية رئيسية أو طرق عبور (شرق إفريقيا، والساحل، والقرن الإفريقي)، إلى فراغات أمنية، فضلاً عن أزمات لاجئين قد تمتد آثارها إلى الشرق الأوسط.

6- أزمة الديون وقيود السيادة المالية:

تواجه إفريقيا مفارقة الديون عام 2026؛ إذ تنمو اقتصاداتها، ومع ذلك فإن نصف الدول الفقيرة فيها (53%) مُعرضة لخطر أزمة الديون أو تواجهها بالفعل، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي. وفي هذا السياق، تدفع الحكومات فوائد أعلى بمرتين إلى أربع مرات مقارنة بالدول الغنية، وتنفق على القروض أكثر مما تنفقه على الصحة أو التعليم. وتشمل الأسباب الرئيسية فخاخ تصدير السلع الأساسية، وتخفيضات الإنفاق التي فرضها صندوق النقد الدولي على عشر دول من غانا إلى زيمبابوي، ومضاعفة مدفوعات الديون على مدى عشر سنوات، ووجود نحو 44% من ديون الدائنين تأتي من القطاع الخاص، إلى جانب القروض الصينية الخفية التي تخلق حالة من عدم الشفافية.

ومن جهة أخرى، تؤدي سياسات التقشف إلى تقليص رواتب المعلمين والأطباء، بينما تخفض 43 دولة ميزانياتها بمقدار 183 مليار دولار حتى عام 2026؛ مما يعوق مشاريع الطرق والموانئ في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، ومشاريع مكافحة تغير المناخ، ومشاريع الطاقة. كما تستمر عمليات إعادة هيكلة الديون في زامبيا وإثيوبيا، في الوقت الذي تقدم فيه وكالة التصنيف الائتماني الإفريقية الجديدة بصيص أمل؛ لكنها لا تستطيع معالجة القيود المالية الفورية. وفي السياق نفسه، تموّل مؤسسات بريكس الجديدة مشاريع مؤقتة؛ لكنها لا تقدم عمليات إنقاذ. 

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن الأزمة المالية التي تُعاني منها إفريقيا تُقلل من قدرة الأسواق على استيعاب الصادرات والاستثمارات؛ مما قد يؤثر في شراكات التنمية لدول المنطقة. 

7- الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي:

يشهد التحول الرقمي في إفريقيا تسارعاً ملحوظاً بحلول عام 2026، حيث يُسهم الاقتصاد الرقمي بنسبة 5.2%من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 1.1% فقط في عام 2012. وقد ارتبط هذا الارتفاع بتوسع نطاق الوصول إلى الإنترنت ومنصات الخدمات الرقمية، مثل كينيا ومنصة "إيريمبو" في رواندا، التي تُعالج ملايين المعاملات. وتتصدر مصر دول شمال إفريقيا بنسبة انتشار للإنترنت تتجاوز 70% وشبكات الاتصالات المتنقلة واسعة النطاق. بيد أن الفجوات في إفريقيا جنوب الصحراء لا تزال قائمة؛ فنصف متوسط الاتصال العالمي لا يشمل النساء والمناطق الريفية والشباب، بينما تستضيف إفريقيا أقل من 1% من مراكز البيانات العالمية، على الرغم من الطلب المتزايد على الحوسبة السحابية. ويُعد التنسيق الفعّال بشأن الاتصالات المتنقلة، والهويات الرقمية، والمدفوعات، والمهارات؛ أمراً بالغ الأهمية للاستفادة من العائد الديمغرافي وتجنب التهميش في الاقتصاد العالمي القائم على البيانات.

كما تبرز حوكمة الذكاء الاصطناعي كأولوية بعد أن سلطت قمم بريكس الضوء على المخاطر، حيث تم دمج النماذج المتقدمة الآن في تطوير البرمجيات وتسريع البحث والتطوير والتكنولوجيا الحيوية، والأدوات اليومية مثل روبوتات الدردشة للبريد الإلكتروني والبرمجة وبناء المهارات، والتي لا تزال في مراحلها الثورية الأولى. وفي هذا السياق، يتعين على إفريقيا بناء أنظمة بيانات موثوقة لتعزيز الإنتاجية والأمن والمساءلة، وتوسيع نطاق البنية التحتية الرقمية العامة في مجالات الصحة والتعليم والتدفقات العابرة للحدود. ومن دون أطر شاملة تحمي الحقوق في ظل تفاوت التقدم، تُخاطر القارة بالاستبعاد من الإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي في الحوكمة والابتكار.

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن التخلف الرقمي لإفريقيا يُعوق المشاريع المشتركة في البنية التحتية السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ مما قد يحد من استثمارات دول المنطقة في مراكز البيانات أو شركات التكنولوجيا المالية الناشئة. كما أن ضعف سيادة البيانات الإفريقية يُفاقم ثغرات الأمن السيبراني التي قد تمتد إلى طرق التجارة في البحر الأحمر، في حين أن فجوات الاتصال تُبطئ اندماج التجارة الإلكترونية في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وهو أمر بالغ الأهمية للصادرات الإقليمية.

ختاماً، يتعين على كافة الأطراف الفاعلة الإفريقية التعاون لمواجهة التحديات الأمنية والسياسية، وبناء أسواق متكاملة في إطار اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. وفي ظل عالم يتنافس بشدة على تأمين الإمدادات، لن تتحقق قوة إفريقيا بالتنافس فيما بينها؛ بل بالتفاوض ككيان واحد، وتحويل ثرواتها الطبيعية إلى فرص عمل، وتعزيز قدرتها على الصمود، ومنحها حرية الاختيار السيادي في عالم متعدد الأقطاب على مدى العقود المقبلة.



المراجع:

أ. د. حمدي عبد الرحمن،27.1.2026، الاتجاهات الإفريقية المتوقعة وآثارها الشرق أوسطية عام 2026، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.

على عبد القادر، "مستقبل التفاعلات الإفريقية الشرق أوسطية في ظل النظام الدولي المتغير"، مجلة الشؤون الإفريقية، العدد 45، يناير 2026.

 
المقالات الأخيرة