دور الذكاء الاصطناعي التوليدي في الانتخاب
فرع القاهرة

على مر التاريخ قوبلت التكنولوجيات الجديدة بآمال ومخاوف مبالغ فيها،فغالبا ما يتم تصويرها كونها نقلة مفصلية فى التطور أو على أنها تهديدوجودىوأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية ليست باستثناءفبعد إطلاق(ChatGPT)للجمهور العام تزايد الاهتمام بالأمر بشكل كبيرومع ذلكفغالبا ما كانت التغطية الإعلامية لأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية سلبيةوتحذيريةفي الوقت نفسه تصاعدت مخاوف شديدة حول حالة الديمقراطيةكجزء من الركود الديمقراطي المستمر والتحديات التي تواجه الديمقراطياتفي جميع أنحاء العالمفهناك مخاوف واسعة النطاق حول دور التكنولوجيافي الديمقراطية، وخاصة الانتخابات بعد استفتاء انسحاب بريطانيا منالاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة الأمريكيةفي 2016.

عوامل تصوير الذكاء الاصطناعي كتهديد للانتخابات

أولاهناك الكثير من الادعاءات بشأن مخاطر التكنولوجيات الجديدة التيتهدف في بعض الأحيان إلى خدمة المصالح الخاصة لبعض الأطراف،وتصدر تلك الادعاءات عن طريق الأوساط الأكاديمية والخبراء بشأن تأثيرهذه التكنولوجيا الجديدة، وتأثير تلك الادعاءات ينبع من كونها ممزوجةبتطورات حقيقية لتلك التكنولوجيا الجديدة، الأمر الذي يترك مجالا لعدماليقين بين عامة الناسقد تختلف الدوافع لنشر تلك الادعاءات باختلافالفاعلين

ثانيًاهناك أيضًا مستويات متباينة ومتعارضة من التخصصات، حيثيتجادل العلماء من مختلف التخصصات مع بعضهم بعضا بشأن تأثيراتتلك التكنولوجيا الجديدة ومع ذلك، وبالنظر إلى أن الذكاء الاصطناعيمصدره هو علماء الحوسبة، فإن آراءهم قد تصدرت الخطاب العام لكن هذاأمر إشكاليفخبراء علوم الحاسب العاملون على الذكاء الاصطناعي ليسوابالضرورة أفضل الخبراء في تقييم الأثر الاجتماعي للتكنولوجيا، ولا همالأفضل أو الوحيدون في فهم أنظمة الذكاء الاصطناعي

ثالثاديناميكيات اقتصاد الانتباهإن التنافس على جذب الانتباه لا تحكمهدائمًا أسس عقلانية منطقية حول أفضل الأدلة المتاحةبل إن الرسائل التيتحتوي على ادعاءات قوية حاسمة، أو مثيرة تميل إلى جذب انتباه أكبرمقارنة بالتصريحات الأكثر اعتدالًا أو ذات الصياغة الحذرةفأولئك الذينيطلقون ادعاءات جريئة غالبًا ما يحظون بمزيد من الانتباه، الأمر الذي يؤديبدوره إلى مزيد من التغطية الإعلامية، واهتمام أكبر من صانعيالسياسات، وزيادة في التمويل، مما قد يرسخ بعض الآراء على حسابغيرها في التأثير على الرأي العامكل هذا يشكل حوافز إضافية لإطلاقمثل هذه الادعاءات بدلًا من تقديم حجج أكثر دقة وتفصيلًا.

رابعاالتغير التكنولوجي يمثل تحديات وفرصا للفاعلين السياسيينفالسياسيون لا يرغبون في أن ينظر إليهم كأطراف سلبية لا تفعل شيئًا،وخاصة في سياق الاضطرابات التكنولوجية السابقة وطلب الرأى العامللتدخلومع ذلك فإن حالة الذعر الأخلاقي المرتبطة بالتقنيات الجديدة، إلىجانب مساعدتها للسياسيين في تشكيل صورتهم العامة، يمكن أن يتماستخدامها في تجنب الحديث عن الإصلاح الاجتماعي، والعدالة، والمساواة،والفرص الاقتصاديةويتم استخدامها في تشتيت انتباه الجمهور بعيدًا عنالقضايا الأكثر أهمية.

خامساتأثير الفرصة السانحة بالمعنى الذي يفيد بأن الفعل يجب أن يحدثفورًاوهناك بالفعل عدة أسباب وجيهة للعمل وفقًا لهذه القاعدة، وعند تطبيقذلك على الذكاء الاصطناعي والانتخابات، فمن المنطقي أن يؤدي الوعىبهذه الديناميكيات إلى الدعوة لاتخاذ تدابير وقائية ضد الآثار السلبيةالمحتملة قبل أن تتحقق فعليا.

سادساإن القلق والخبرة الشخصية للأشخاص الذين يعملون في ظروفصعبة أو في بيئات سياسية غير مستقرة تساهم جزئيًا في التأثير علىآرائهم حول الذكاء الاصطناعي والانتخاباتفقد شهد الصحفيون،والسياسيون، والأكاديميون، ونشطاءالمجتمع المدني في دول عدة حول العالماستخدام التقنيات الرقمية لإلحاق الضرر في سياق الانتخابات، أما أولئكالأشخاص الذين لديهم خبرة شخصية في مواجهة تراجع الديمقراطية،وكذلك الذين يتحملون العبء في محاولة الحفاظ على نظام معرفي يركز علىالبحث عن الحقيقة، والتبادل المفتوح للأفكار والمعلومات، واحترام المعرفةالمؤسسية والمصادق عليها

مخاطر الذكاء الاصطناعي في الانتخابات

أولاإن الذكاء الاصطناعي سيزيد من كمية المعلومات والمعلومات المغلوطةحول الانتخابات، حيث إن مثل هذه الزيادة خاصة في المعلومات المغلوطةسيكون لها عواقب مثل تلويث بيئة المعلومات، لكن وجود المزيد من المعلوماتالمغلوطة بسبب الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة أن الناس سيتلقونالمزيد منها، حيث إن الإنترنت ممتلئ بالفعل بالكثير من المحتوي الرديءحيث إنالعوائق أمام نشر المعلومات المضللة والوصول إليها منخفضة للغايةبالفعل، ولا يوجد سبب وجيه للافتراض بأن الناس سيبدون اهتماما أكبرللمعلومات المضللة المنشأة عن طريق الذكاء الاصطناعي مقارنة بالصيغالأخرى الموجودةبالفعل من المعلومات المضللة.إن إنتاج المعلومات المضللةحول الانتخابات أمر سهلفكل ما يتطلبه الأمر هو إخراج صورة منسياقها، أو استقطاع مقطع فيديو، أو ببساطة قول أشياء زائفة بشكلصريحوفي ظل هذه الظروف، لا تملك المحتويات المولدة بالذكاءالاصطناعي مجالا واسعًا للتأثير.

ثانيًاإن الذكاء الاصطناعي سيزيد من جودة المعلومات المغلوطة حولالانتخابات، لكن هذا لا يعني أنه بالضرورة سيحدث تغيير مؤثر في سياقالانتخابات، حيث إن الذكاء الاصطناعي التوليدي بالتأكيد يسمح بإنشاءمعلومات خاطئة ذات جودة عالية لكن ليس من الواضح أن المعلومات المضللةذات الجودة الأعلى ستكون أكثر نجاحًا بالفعل في إقناع الناس أوتضليلهمفعوامل أخري قد تشكل الفارق في تحديد من ولماذا يقبل الناسويشاركون المعلومات المضللة.بالإضافة إلى ذلك فإن صانعي المعلوماتالمغلوطة لديهم بالفعل العديد من الأدوات لتحسين جودة المعلومات لكن فيالأغلب يلجأون إلى أدوات سهلة الاستخدام ورخيصة التكلفة، السبب الذييجعل تلك الأساليب فعالة بشكل كاف هو أنه لا يهم جودة المعلومات المغلوطةلكن ما يهم هو ما تدعمه والغاية السياسية التي تلبيها، حيث إن مصدرالمعلومات المغلوطة مهم أكثر من جودتها.

ثالثاإن الذكاء الاصطناعي سيزيد من تخصيص المعلومات والمعلوماتالمغلوطة على نطاق واسع، لكن هناك بعض التعقيدات في هذا الأمر، حيثإن الجدوى التقنية لا تعني بالضرورة الفعالية العمليةففعالية الإعلاناتالسياسية الموجهة بشكل عام تبقى موضع جدل، إذ تظهر الدراسات أنهامحدودة التأثير، وصغيرة الحجم، وتعتمد بدرجة كبيرة على السياق،بالإضافة إلى أن تحقيق فاعلية واقعية في تخصيص الرسائل يتطلب بياناتمفصلة عن كل فردوعلى الرغم من أن جمع البيانات وتوافرها بشأنالناخبين أمر شائع في العديد من الدول، إلا أنه ليس ظاهرة متجانسة أومتسقة عبر جميع الدول، ولتنجح تلك الاستراتيجية يجب أن تصل الرسالةإلى هدفها، لكن وفقا للقائمين على الحملات الانتخابية فإن الناس لا يهتمونبهذا النوع من الإعلانات المخصصة، وغير ذلك إن تزايد وفرة البيانات علىمستوى الناخبين وتطور أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد لا يضمنبالضرورة أن يقوم الفاعلون السياسيون باستخدامها، وأخيرًا لمواجهة ذلكسيتم أيضًا استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل الحكومات، والمؤسسات،ووسائل الإعلام لإعلام المواطنين وتزويدهم بمعلومات موثوقة.

رابعاظهور أنماط جديدة من تلقي المعلومات، حيث إن إدماج أنظمة الذكاءالاصطناعي مع الوسائل الرقمية الموجودة بالفعل، والاستخدام المتزايدللذكاء الاصطناعي التوليدي في البحث عن المعلومات، يؤدي إلى تغير أنماطتلقي المعلومات المتعلقة بالانتخابات، ونظرا لاحتمال أن عددا أكبر من الناسسيستخدمون هذه الأنظمة كمصادر للأخبار، ونظرًا لثغرات هذه الأنظمة،يبدو أن الخوف القائم حاليا يتمثل في أن المستخدمين سيكونون أكثر عرضةلتلقي معلومات مضللة، لأن هذه الأنظمة قد تزودهم بمعلومات غير صحيحة،لكن الحصول علي معلومات تبدو حقيقية من نظام ذكاء اصطناعي توليدي لايختلف بشكل كبير عن عيوب التواصل في الحياة اليومية،  حيث إنه يمكنالحصول علي معلومات مغلوطة من عدة مصادر أخرى.

خامسازعزعة الواقع، حيث إن قدرة الذكاء الاصطناعي على إنشاء محتوىيبدو حقيقيا ستزرع القلق حول ما هو حقيقي، مما سيزيد الشك حولالمعلومات الصحيحة، وعلى الرغم من أن هذا سيشكل فرقا، إلا أن مصادرالمعلومات الموثوقة الراسخة لن تتأثر على الإطلاق.

سادساالعلاقات بين البشر والذكاء الاصطناعي من المرجح أن تتزايد معاعتماد أكبر على أنظمة الذكاء الاصطناعي كرفقاء، لكن على الرغم من ذلكلا يوجد أسباب كافية لتجعلنا نعتقد أن رفقاء الذكاء الاصطناعي سيحلونمحل العلاقات المعقدة بين البشرحيث إن وجود قدرات ذكاء اصطناعي لايضمن تلاعبا غير قابل للإيقاف بالرأى العام أو السلوك الانتخابي.

استخدام الذكاء الاصطناعي بالفعل في الانتخابات

في الولايات المتحدة قبل الانتخابات الرئاسية في 2024، نشرت وكالة الأمنالسيبراني والبنية التحتية أن قدرات الذكاء الاصطناعي لن تقدم مخاطرجديدة بل ستضخم المخاطر الموجودة بالفعل، وصرح مجتمع الاستخباراتالأمريكي أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تساعد في تطوير وتسريع بعضنواحي عمليات التأثير الأجنبي، لكن حتى الآن لم يشهد مجتمعالاستخبارات أنها أحدثت تأثيرا ثوريا علي هذه العملياتبعد الانتخاباتيبدو الآن واضحًا أن تأثير الذكاء الاصطناعي التوليديلم يكن بالقدر منالأهمية الذي كان يتم تصويره، حيثإن التضليل المتوقع للمعلومات المغلوطةالمصنوعة بواسطة الذكاء الاصطناعي لم يظهر علي الإطلاق، في يومالانتخابات لعبت المعلومات المغلوطة دورا أوليا، مثل التضليل بشأن نسبةالأصوات وآليات الاقتراع، لكن هذا التضليل اعتمد علي وسائل تقليدية، مثلالصور والفيديوهات التي يتم استخدامها خارج سياقها، بالإضافة إلى ذلكتم التوصل إلىتحليل لمكتبة الإعلانات الخاصة بـ"ميتاومركز شفافيةالإعلانات الخاص بـ "جوجل"، أنه لم يكن هناك استخدام واسع النطاقللذكاء الاصطناعي في الانتخابات العامة بهدف خداع الناخبين، بل تماستخدامه بشكل أكبر في الدعاية.

مثال آخر هو الانتخابات في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، أثناء تلكالانتخابات ووفقا للتقديرات المتاحة كانت نسبة انتشار المعلومات المضللةالناتجة عن طريق الذكاء الاصطناعي منخفضة للغاية، أحد الأبحاث منمؤسسة "آلان تورينجوجد فقط 16 حالة مؤكدة من مساهمة الذكاءالاصطناعي في نشر المعلومات المضللة أثناء الانتخابات العامة في المملكةالمتحدة، و11 حالة فقط في انتخابات فرنسا والاتحاد الأوروبي مجتمعين،تلك النسبة أقل بكثير من النسبة التي توقعها العديد من الناس قبلالانتخاباتالتقرير نفسه توصل إلى أنه لا يوجد دليل على أن الذكاءالاصطناعي ساهم في نشر المعلومات المضللة أو أنه أثر بشكل كبير علىنتيجة الانتخابات في المملكة المتحدة وأوروبا، وأن الذكاء الاصطناعي لعبدورا أقل في نشر المعلومات المضللة من الوسائل التقليدية ذات التأثيرالبشري، علي الرغم من ذلك ينوه التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي تماستخدامه بطرق مؤذية خاصة للتحريض علي الكراهية تجاه الشخصياتالسياسية.

ختامًا، توصلت الدراسة إلى أنه قد يكون الذكاء الاصطناعي حتى الآن ليسلديه تأثير كبير على الديمقراطية أو الانتخابات، لكن تقنيات الذكاءالاصطناعي لا تزال في إطار التطور، وقد تشهد قفزة كبيرة مما قد يزيد منفعاليتها ليتم استخدامها بشكل أكبر في الانتخابات، وبالتأكيد هذا الأمرسيزيد من المخاطر المصاحبة للذكاء الاصطناعي.

 




المصدرمجلة السياسة الدولية

الكاتب : محمود بصيله

التاريخ : 29/9/2025

-----------------------------------------------------------------------------------

المصدر:  البوابة التقنية

التاريخ : 12/1/2026

المقالات الأخيرة