في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي حالياً، عاد الجدل الأكاديمي والسياسي حول نظرية توازن القوى بوصفها إطاراً تفسيرياً قادراً على فهم سلوك الدول في مواجهة التحولات في موازين النفوذ والهيمنة. فبعد عقود من الاعتقاد بأن نهاية الحرب الباردة كرست نظاماً دولياً أحادي القطبية تقوده الولايات المتحدة الأمريكية؛ تكشف التطورات الراهنة أن منطق التوازن ظل كامناً، ليعاود الظهور كلما حدث تغير في سلوك القوة المهيمنة أو باتت سياساتها مصدر قلق حتى لحلفائها التقليديين.
وهذه العودة تكتسب أهمية خاصة في ضوء سياسات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، التي اتسمت بنزعة أحادية واضحة، وبإعادة تعريف العلاقة مع الحلفاء من منطلق المصلحة الضيقة والضغط السياسي والاقتصادي. فقد أدت تهديداته المتكررة بفرض رسوم جمركية مضاعفة، وتشكيكه في الالتزامات الأمنية، وتعاطيه البراغماتي مع قضايا سيادية حساسة؛ إلى إضعاف الثقة في الدور الأمريكي التقليدي كضامن للاستقرار داخل التحالف الغربي. وهذا التحول لم يمر دون رد فعل؛ بل دفع عدداً من الدول الحليفة إلى إعادة تقييم مواقعها وخياراتها الاستراتيجية داخل النظام الدولي برمته.
ولعل هذا ما أشار إليه عالم السياسة الأمريكي الشهير ستيفن والت في مقاله المنشور بمجلة "فورين بوليسي" بتاريخ 23 يناير 2026، تحت عنوان: "نظرية توازن القوى تضرب من جديد"؛ إذ أكد أن الدول الحليفة لواشنطن بدأت تسعى إلى تطبيق نظرية "توازن القوى"، سواء فيما بينها أو ربما مع بعض خصوم الولايات المتحدة، لمواجهة تهديدات ترامب ونزعاته التوسعية تجاه كندا وغرينلاند وبنما.
تفسير التحولات الدولية:
ارتبطت نظرية توازن القوى تاريخياً بالمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، سواء في صيغتها الكلاسيكية عند مفكرين مثل هانز مورغنثاو، أم في صيغتها البنيوية عند كينيث والتز. وتنطلق هذه النظرية من افتراض مركزي مفاده أن النظام الدولي يتسم بالفوضوية؛ أي بغياب سلطة عليا قادرة على فرض القواعد وضمان الأمن؛ ما يدفع الدول - بوصفها وحدات عقلانية- إلى السعي الدائم للحفاظ على بقائها عبر منع تركز القوة في يد فاعل واحد.
بيد أنه مع نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق، ساد في قطاع عريض من الأدبيات الأكاديمية تصور مفاده أن نظرية توازن القوى لم تعد قادرة على تفسير ديناميات النظام الدولي، في ظل تشكل نظام دولي أحادي القطبية تقوده الولايات المتحدة. وقد تعزز هذا التصور مع شيوع أطروحات "لحظة الهيمنة الأمريكية" و"نهاية التاريخ"، التي رأت في غياب منافس استراتيجي مكافئ دليلاً على تآكل منطق التوازن ذاته. إلا أن هذا الاستنتاج انطوى ضمنياً على اختزال التوازن في بعده العسكري فحسب، مع غض الطرف عن التطورات اللاحقة التي أظهرت أن التوازن أعاد إنتاج نفسه عبر صيغ أكثر مرونة وتعقيداً تتناسب مع تطور طبيعة القوة في النظام الدولي المعاصر. ذلك أن التوازن لم يعد يُختزل في إقامة تحالفات عسكرية صريحة ضد القوة المهيمنة، كما كان الحال في النظام ثنائي القطبية؛ بل أصبح أكثر تعقيداً وانتقائية. وهذا دفع - بطبيعة الحال- إلى بروز أنماط جديدة مثل الموازنة الناعمة (Soft Balancing)، حيث تلجأ الدول إلى أدوات غير عسكرية؛ أي اقتصادية وقانونية ومؤسسية وتكنولوجية، للحد من نفوذ القوة المهيمنة دون الدخول في مواجهة مباشرة معها. ويشمل ذلك استخدام المؤسسات الدولية، وتنويع الشراكات التجارية، وبناء أطر تنظيمية مستقلة، أو الاستثمار في الاستقلال التكنولوجي والطاقوي.
ويعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً بأن الهيمنة في القرن الحادي والعشرين لا تُمارس فقط من خلال التفوق العسكري، بل عبر التحكم في سلاسل الإمداد العالمية، والقواعد التجارية والمالية، وشبكات التكنولوجيا المتقدمة، وأنظمة الطاقة؛ ومن ثم فإن الدول التي تسعى إلى حماية مصالحها لا تحتاج بالضرورة إلى موازنة عسكرية صلبة، بل إلى تحجيم القدرة الهيكلية للقوة المهيمنة على التأثير في خياراتها السيادية المتاحة.
ومما هو جدير بالملاحظة أن عودة منطق توازن القوى اليوم لا يعني عودة الحرب الباردة أو سباق التحالفات والتكتلات الدولية، بل يعني عودة منطق الحذر من الهيمنة؛ إذ تنطلق النظرية من تصور مستوى التهديد وليس من طبيعة العلاقة السياسية. فمتى تغير إدراك الدول لنيات القوة المهيمنة أو لطبيعة سلوكها؛ يبدأ السلوك التوازني بالظهور، حتى داخل التحالف الواحد. ولهذا، تصبح نظرية توازن القوى أداة تفسيرية معاصرة لفهم تحركات الدول الحليفة للولايات المتحدة في مواجهة سياسات أحادية أو غير متوقعة، دون افتراض أن هذه التحركات تعكس بالضرورة عداءً أو رغبة في تقويض النظام الدولي القائم؛ إذ إنها بالأحرى محاولة لإعادة ضبط موازين الاعتماد والنفوذ داخل نظام دولي بات أكثر تعددية وتعقيداً من ذي قبل.
سياسات ترامب:
تمثل سياسات ترامب، ولا سيّما في ولايته الثانية، نقطة تحول نوعية في ديناميات النظام الدولي، ليس فقط من حيث مضمون السياسات المتبعة؛ بل من حيث الدور البنيوي الذي باتت تؤديه الولايات المتحدة داخل هذا النظام. فمن منظور نظرية توازن القوى، لم تعد واشنطن القوة التي تحافظ على التوازن العام أو تضبط اختلالاته؛ بل بات يُنظر إليها، في بعض السياقات، كفاعل يمكن أن يُنتج اختلالاً في التوازن القائم، حتى داخل منظومة التحالفات التقليدية. فالدور الأمريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية استند إلى فرضية مركزية مفادها أن الهيمنة الأمريكية، رغم ما تنطوي عليه من عدم تكافؤ في القوة، هي هيمنة حميدة أو غير خطرة (Benign Hegemony)، توفر الأمن للحلفاء مقابل قدر محدود من الالتزام السياسي والاقتصادي. بيد أن خطاب "أمريكا أولاً" الذي تبنته إدارة ترامب أضحى يمثل قطيعة مع هذا التصور؛ إذ أعاد تعريف التحالفات بوصفها علاقات تعاقدية مشروطة، تُقاس قيمتها بميزان المكاسب النسبية الآنية، لا باعتبارات الاستقرار طويل الأمد أو إدارة النظام الدولي.
وقد تجلى هذا التحول في جملة من السياسات والممارسات، من بينها التهديد بفرض رسوم جمركية على دول حليفة، والتشكيك المتكرر في التزامات الولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وربط الضمانات الأمنية بزيادة الأعباء المالية، فضلاً عن التعاطي مع قضايا جيوسياسية حساسة مثل ملف غرينلاند بمنطق الصفقات لا بمنطق المؤسسات والقواعد الدولية التي تشكلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهذه الممارسات تشير إلى حدوث تغير في نيات القوة المهيمنة حتى تجاه حلفائها التقليديين؛ لذلك، ما إن لبث أن أصبح سلوك القوة الكبرى غير متوقع، أو انتقائياً، أو مشروطاً بدرجة تقوض الثقة في استمرارية الترتيبات القائمة؛ تبنت الدول الحليفة سلوكاً لإعادة التوازن مرة أخرى إلى النظام الدولي. فقد أدت سياسات ترامب إلى خلق نوع من عدم اليقين الاستراتيجي، حيث باتت الضمانات الأمنية والتجارية الأمريكية مرهونة بدرجة الامتثال السياسي والاقتصادي لمطالب واشنطن؛ وهو ما يتعارض مع منطق "الأمن الجماعي غير المشروط" الذي شكل أساس التحالف الغربي لعقود.
ولا شك أن هذا التحول أعاد صياغة موقع الولايات المتحدة في حسابات حلفائها، من كونها الضامن للأمن إلى فاعل يسعى إلى تعظيم مكاسبه النسبية حتى على حساب شركائه. ووفق منطق توازن القوى؛ فإن هذا السلوك يدفع الدول، حتى الحليفة منها، إلى البحث عن استراتيجيات تقلل من درجة الاعتماد المفرط على القوة المهيمنة، دون أن تصل إلى حد المواجهة الصريحة أو القطيعة معها.
وفي هذا السياق، تتضح بجلاء القيمة التفسيرية لنظرية توازن القوى في صيغتها المعاصرة؛ إذ تفسر لماذا اتجهت كيانات ودول مثل الاتحاد الأوروبي وكندا إلى تبني سلوك موازنة حذر وانتقائي، يقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، وخلق هوامش مناورة استراتيجية، وذلك عبر تعزيز العلاقات مع قوى آسيوية مثل الصين والهند، بدلاً من بناء تحالفات مضادة للولايات المتحدة. فهذه الدول لا تسعى إلى تقويض النظام الدولي القائم؛ بل إلى إعادة ضبط مواقعها داخله بما يحول دون تحول الهيمنة الأمريكية إلى مصدر تهديد لمصالحها السيادية والاستراتيجية. وهذا ما يعني، من بين جملة أمور، أن سياسات ترامب لا تمثل خروجاً أمريكياً من النظام الدولي بقدر ما تمثل إعادة تعريف أحادية لقواعده؛ وهو الأمر الذي أعاد تفعيل منطق توازن القوى داخل المعسكر الغربي نفسه، وأثبت أن السلوك التوازني لا يقتصر على مواجهة الخصوم؛ بل قد ينشأ أيضاً في مواجهة الحلفاء حين تتغير طبيعة القوة المهيمنة ونمط ممارستها المعتادة.
ضبط التحالفات:
شهدت ولاية ترامب الثانية مرحلة حرجة أعادت تعريف مكانة الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في النظام الدولي، وأبرزت ديناميات توازن القوى داخل التحالفات التقليدية. فتصاعدت أزمة غرينلاند بعد أن أعاد ترامب طرح فكرة ضم الجزيرة، وهي أراضٍ ذاتية الحكم مرتبطة بالدنمارك والاتحاد الأوروبي، وهدد بفرض تعريفة 25% على واردات الاتحاد الأوروبي إذا لم تتجاوب الدنمارك مع مطالبه، قبل أن يتراجع جزئياً في مؤتمر دافوس في يناير 2026. وقد أبرزت هذه المواجهة مع حليف تقليدي تراجعاً في الثقة تجاه واشنطن، كما دفعت الأوروبيين إلى البحث عن مزيد من الاستقلالية الاستراتيجية في صياغة سياساتهم الدفاعية والاقتصادية؛ وهو ما ينسجم مع منطق توازن القوى الذي يرى أن الدول تسعى إلى ضبط ميزان القوة حتى داخل التحالفات عندما يصبح السلوك غير متوقع.
ومن ناحية أخرى، هدد ترامب أيضاً وبشكل متكرر بفرض رسوم جمركية على المنتجات الأوروبية، خاصة السيارات والسلع الصناعية. والواقع، أن هذه السياسة العدائية لم تؤجج المخاوف في الاتحاد الأوروبي من حرب تجارية جديدة فحسب، بل سرعت جهود بروكسل لتعزيز قدراتها الصناعية وتقليل اعتمادها على السوق الأمريكية كأداة توازن اقتصادي؛ ما يعكس تحولاً من الاعتماد شبه المطلق على القوة المهيمنة إلى سياسات موازنة انتقائية تستخدم الأدوات الاقتصادية والقانونية لتحقيق الاستقلال الجزئي.
وفي الوقت نفسه، امتدت الضغوط الأمريكية إلى كندا، حيث وجّه ترامب تحذيرات مباشرة في 24 يناير 2026 بشأن توقيع كندا صفقة تجارية مع الصين، مهدداً باتخاذ "رد فعل كبير" إذا مضت أوتاوا قدماً في تعميق علاقاتها مع بكين، وذلك بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على جميع السلع والمنتجات الكندية. وهذا التهديد دفع كندا إلى ممارسة سلوك توازني محسوب، يقوم على تنويع الشركاء التجاريين، وتعزيز الانخراط في الأطر متعددة الأطراف، والانفتاح البراغماتي على الاتحاد الأوروبي والصين؛ مما يقلل من الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة ويحد من إمكانية الابتزاز الاقتصادي والسياسي.
كما حاولت دول أوروبية مثل المملكة المتحدة وفنلندا إدارة توازن دقيق بين علاقتها بالولايات المتحدة وفتح قنوات مستقلة مع الصين، عبر زيارات رسمية واتفاقيات اقتصادية واستثمارية، مثل زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى بكين في أواخر يناير الماضي، التي تضمنت توقيع اتفاقات تجارية. ولم تكن هذه الخطوات مجرد تحركات اقتصادية، بل ممارسات توازنية تهدف إلى تقليل مركزية النفوذ الأمريكي في القرار الأوروبي؛ ما يتيح للاتحاد الأوروبي هامش تحرك أكبر في إطار نظام دولي متعدد الأقطاب، لا سيّما وأن سياسات ترامب لم تقتصر على الاقتصاد والعلاقات الثنائية فقط، بل امتدت إلى المجال الأمني؛ حيث أدى استمرار التشكيك في التزامات واشنطن تجاه حلف الناتو وتهديده بتقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا إلى تصدعات داخل الحلف. وهذا دفع القادة الأوروبيين إلى التفكير في تعزيز قدراتهم الدفاعية الذاتية، بما في ذلك النظر في خفض اعتمادهم على القوات الأمريكية المتمركزة في أوروبا، وإعلان المستشار الألماني فريدريش ميرتس وجود مفاوضات جارية بشأن الردع النووي الأوروبي؛ وهو مؤشر واضح على ممارسة توازن القوى داخل التحالف نفسه من خلال تعزيز الاستقلال الاستراتيجي.
أضف إلى ذلك، أن قوى غربية أخرى - حتى مع تصعيد ترامب تجاه الصين- سعت إلى تقوية روابطها مع بكين لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة كمزود وحيد للسلع أو الأسواق، وذلك من خلال الاجتماعات التجارية والزيارات الرسمية وإبرام بعض الاتفاقيات الاستثمارية؛ وهو ما يفيد بأن السياسات الأمريكية في ولاية ترامب الثانية لم تؤدِّ إلى زعزعة النظام الدولي فحسب، بل أعادت رسم خرائط القوة داخل التحالفات التقليدية، وجعلت مفهوم القوة المهيمنة أكثر مرونة وتعقيداً في ضوء ممارسات الدول التوازنية مثل الاتحاد الأوروبي وكندا.
ختاماً، وفي ضوء ما تقدم؛ يتضح أن التحولات التي يشهدها النظام الدولي اليوم، لا تعني انهيار التحالف الغربي برمته أو انتقاله إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، بل تعكس إعادة تشكيل ديناميات القوة داخل هذه التحالفات نفسها؛ إذ إن سياسات ترامب في ولايته الثانية - والتي تراوحت بين التهديدات الجمركية والتشكيك في الالتزامات الدفاعية إلى ربط الدعم السياسي بالامتثال لمطالبه الاقتصادية- لم تفضِ إلى مواجهة صريحة؛ لكنها أحدثت اهتزازاً في الثقة لدى الحلفاء، فأعادوا تفعيل منطق توازن القوى الحديث عبر تنويع الشركاء، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، وبناء قدرات دفاعية وسياسية مستقلة.
وفي هذا السياق، أصبح الاستقلال الجزئي والتحوط الاستراتيجي محور سلوك الأوروبيين وكندا، ليس لمواجهة واشنطن؛ بل لتوسيع هامش المناورة وتقليل نقاط الضعف، من خلال تعزيز الصناعة، وتنويع مصادر الطاقة، والانفتاح المحسوب على الصين. ويأتي ذلك كله من أجل ضبط نفوذ القوة المهيمنة بوسائل اقتصادية ودبلوماسية، دون الانخراط في مواجهة مباشرة معها؛ بما يحافظ على الاستقلال النسبي ويعيد رسم موازين القوة ضمن النظام الدولي.
المراجع:
ابراهيم سيف منشاوي ،5.2.2026، اتجاهات حلفاء واشنطن لاعادة تشكيل توازن القوى الدولي، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.
23 يناير 2026 ، والت، ستيفن. "نظرية توازن القوى تضرب من جديد." فورين بوليسي،
