التحديات الأمريكية لحصر السلاح في العراق
فرع القاهرة

يُعدّ ملف حصر السلاح بيد الدولة العراقية أحد أبرز تحديات بناء الدولة بعد عام 2003، لما له من آثار مباشرة على سيادة الدولة واستقرارها السياسي والأمني. لم يعد هذا الملف مسألة أمنية محضة، بل أصبح يعكس أبعادًا سياسية واجتماعية وإقليمية متشابكة، تحدد قدرة النظام العراقي على فرض قراراته على كامل أراضيه واحتكار القوة المشروعة. وتزداد أهمية هذه القضية في ظل التدخلات الإقليمية وتداخل مصالح القوى الكبرى، بما يجعل أي تحليل لمساعي حصر السلاح بحاجة إلى فهم متعدد المستويات يشمل البُعد الداخلي، الإقليمي، والدولي، فضلاً عن دراسة الأدوات والاستراتيجيات المستخدمة لتغيير سلوك الفصائل المسلحة أو ضبطها ضمن أطر الدولة.

إن ضعف الشرعية وازدواجها بين الدولة والفصائل المسلحة، إضافة إلى هشاشة المؤسسات الأمنية، يزيد من تعقيد أي محاولة لحصر السلاح. ومن هنا، يصبح من الضروري فهم هذه القضية بوصفها انعكاسًا لطبيعة الدولة العراقية وقدرتها الفعلية على تنفيذ سيادة حقيقية، وليس مجرد مشروع أمني تقني. كما أن أي مقاربة خارجية، مثل تلك الأمريكية، تتأثر بقدرتها على التكيف مع واقع العراق الداخلي، وقيودها السياسية، والمصالح الإقليمية المتشابكة، ما يجعل النجاح الجزئي أو التدريجي أكثر واقعية من التحول الشامل.

المقاربة الأمريكية لحصر السلاح

تقوم المقاربة الأمريكية على إدراك أن استمرار وجود فاعلين مسلحين خارج السيطرة الكاملة للدولة العراقية لا يشكل تهديدًا داخليًا فحسب، بل يُنتج بيئة غير مستقرة تُعرّض المصالح الأمريكية والإقليمية لمخاطر مستمرة، وتُقوّض تصور الاستقرار السياسي والاقتصادي طويل الأمد. فبعد تجربة التدخلات العسكرية المباشرة التي أعقبت عام 2003، اتجهت الولايات المتحدة إلى تقليل الانخراط المباشر واعتماد استراتيجيات أقل تكلفة تعتمد على إدارة المخاطر والضغط الاستراتيجي.

في هذا الإطار، لم يُعد العراق يُنظر إليه بوصفه ساحة مستقلة بذاتها، بل حلقة ضمن شبكة متشابكة من الصراعات الإقليمية، بما يشمل مكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة، والتنافس مع إيران، وحماية الحلفاء، وتوازن الردع.

الهدف الأمريكي المعلن هو دعم سيادة الدولة العراقية وتعزيز احتكارها لاستخدام القوة، لكن على أرض الواقع، يركز التعامل مع الفصائل المسلحة على تعديل سلوكها دون مواجهة مفتوحة. تشمل المقاربة استخدام أدوات سياسية، دبلوماسية، وأمنية، مع مزج الضغط بالحوافز، بهدف تحويل الفصائل إلى فاعلين منضبطين ضمن قواعد اشتباك محددة، تقيد قدرتهم على المبادرة العسكرية، وتحصر استخدام القوة ضمن سياقات محددة، مع الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة في العراق والمنطقة. كما تهدف هذه المقاربة إلى منع استخدام الفصائل كأدوات نفوذ إيرانية، وهو ما يعكس استراتيجية غير مباشرة لضبط التوازنات الإقليمية، مع تفادي الانخراط المباشر المكلف.

أدوات التأثير الأمريكية

تعتمد الولايات المتحدة على مزيج من الأدوات الأمنية والسياسية والدبلوماسية لإدارة ملف السلاح. على الصعيد الأمني، يشمل الدعم الأمريكي للقوات العراقية التدريب وبناء القدرات، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وتقديم الدعم التقني، مع ربط ذلك بخطاب سياسي يعزز سيطرة الدولة على المجال الأمني.

دبلوماسيًا، تُستخدم الضغوط لإرساء التزام سياسي حول حصر السلاح، بما في ذلك منع تولي ممثلي الفصائل المسلحة مواقع حساسة، وإدراج مبدأ احتكار القوة ضمن برامج الحكومة والخطط الأمنية. أما على مستوى العقوبات، فتُستهدف الشخصيات والكيانات المرتبطة بالفصائل بهدف رفع كلفة سلوكها دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

تكمن قوة هذه الأدوات في مرونتها وقدرتها على تعديل السلوك أكثر من تغييره جذريًا. فهي تعكس إدراك الولايات المتحدة لحدود تأثير القوة الصلبة في بيئة معقدة، تتسم بتعدد مراكز القرار، وتداخل الولاءات، والارتباطات الإقليمية، ما يجعل أي استراتيجية أحادية الفعل أقل فعالية. يضاف إلى ذلك أن الفصائل المسلحة قادرة على التكيف عبر شبكات تمويل بديلة، أو الاحتماء بالمظلات السياسية، أو استخدام خطاب مضاد يصور العقوبات بوصفها استهدافًا للسيادة، ما يزيد من صعوبة تنفيذ استراتيجية شاملة لحصر السلاح.

العوامل الداخلية والعراقية

يمثل السياق الداخلي العراقي المحدد الأثر الأكبر على فرص نجاح أي مسعى خارجي لحصر السلاح. فالنظام السياسي العراقي يعاني من تشظٍ شديد، حيث تتداخل القوى السياسية مع الأذرع المسلحة، ما يطمس الحدود بين الدولة والفاعل غير الرسمي.

ازدواجية الشرعية بين الدولة والفصائل المسلحة، واستمرار ضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية، يجعل من السلاح خارج الدولة أداة بديلة للردع، وتعويضًا عن ضعف الدولة في توفير الحماية والأمن.

الهياكل الأمنية العراقية، رغم التطورات نسبية في السنوات الأخيرة، ما تزال تعاني من تعدد مراكز القرار واختلاف الولاءات، ما يحد من قدرة الحكومة على تنفيذ سياسات متسقة. وبالتالي، أي محاولة لحصر السلاح تواجه معضلات سياسية وأمنية واجتماعية متداخلة، تجعل من التدخل الخارجي محدود التأثير إلا في حال دمجه ضمن استراتيجية شاملة تشمل الإصلاح السياسي وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. كما أن الانقسامات الطائفية والحزبية تعقد الوصول إلى توافق داخلي حول تطبيق إجراءات حازمة، ما يجعل من أي جهود حصر السلاح مشروعًا جزئيًا ومؤقتًا غالبًا.

 

 

البُعد الإقليمي ومسارات المستقبل

أصبحت الساحات الإقليمية مترابطة بشكل أكبر بعد الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط، ما جعل العراق جزءًا من صراع أوسع بين الولايات المتحدة وإيران، وتحوّل الفصائل المسلحة إلى أدوات ردع ضمن هذا الصراع. كما أن أي مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى تصعيد إقليمي واسع، بينما الفشل في ضبط الفصائل يزيد من قدرة العراق على أن يكون منصة للصراع بالوكالة.

السيناريوهات المستقبلية لحصر السلاح تتراوح بين:

الاحتواء التدريجي: دمج جزئي للفصائل ضمن أطر رسمية مع ضبط استقلالها العسكري.

الجمود وإدارة الوضع القائم: استمرار امتلاك الفصائل للسلاح ضمن سقوف غير مكتوبة مع ضبط التوترات جزئيًا.

التصعيد والمواجهة المفتوحة: نتيجة صراع إقليمي، أو تغيير جذري في السياسة الأمريكية، أو قرار حكومي بالمواجهة المباشرة مع الفصائل، ما قد يؤدي إلى اضطراب واسع وفقدان السيطرة.

نجاح المساعي الأمريكية يرتبط بتقاطع ثلاثة مسارات مترابطة: مسار داخلي يعالج اختلالات الدولة، ومسار إقليمي يقلل من تشابك الساحات، ومسار دولي يعيد تعريف الدور الأمريكي، وإلا ستظل الجهود جزءًا من استراتيجية ضبط المخاطر دون تحقيق تحوّل سيادي جذري.

الخلاصة: المساعي التي تقودها الولايات المتحدة لحصر سلاح الفصائل المسلحة في العراق تصطدم بِبِنْيَة داخلية وإقليمية معقَّدة، تجعل من هذا الملفّ أحد أكثر ملفات السيادة العراقية استعصاءً على المعالجة الحاسمة فالسلاح غير النظامي من منظور المقاربة الأمريكية، لم يَعُدْ مجرد خلل أمني قابل للاحتواء بإجراءات قانونية أو تقنية، بل تحوُّل إلى مكوَّن بِنْيَويّ في معادلة الحكم والأمن، وأداة سياسية - إستراتيجية متجذِّرة في توازُنات الداخل العراقي ومرتبطة بمنظومات الردع الإقليمي والصراع بالوكالة بما يَحُدّ موضوعياً من قدرة أيّ فعل خارجي على إحداث تحوُّل جذري بمعزل عن إعادة تشكيل البيئة التي أنتجته.  

المقاربة الأمريكية، رغم ما تَتَّسِم به من براغماتية ومرونة تكتيكية، تبقى محكومة بسقف طموح إستراتيجي منخفض، نتيجة تراجع شهية واشنطن للانخراط المباشر واسع الكلفة، وحرصها على تجنُّب مواجهة مفتوحة قد تُعيد إنتاج أنماط التدخل السابقة وضِمن هذا الإطار، يُدمَج ملفّ السلاح ضِمن مقاربة أوسع لإدارة المخاطر الإقليمية، ما يدفع الولايات المتحدة إلى تفضيل سياسات ضبط السلوك وتحييد الوظيفة العسكرية للفصائل، بدل السعي إلى تفكيك بِنْيَتها أو نزع سلاحها بصورة شاملة.  

 

 

المصدر: مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية

الكاتب : د. فراس إلياس

التاريخ : 13/1/2026

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: شبكة النبأ المعلوماتية

الكاتب : د. احمد عدنان الميالي

التاريخ : 31/11/2025


المقالات الأخيرة