يشهد النظام الدولي في المرحلة الراهنة تصاعداً ملحوظاً في التوترات الجيوسياسية، مقروناً بتآكلٍ تدريجي في منظومة ضبط التسلح التي تشكّلت خلال العقود الماضية لضبط إيقاع التنافس بين القوى الكبرى وفي هذا السياق، برزت معاهدة «نيو ستارت» باعتبارها الركيزة الأخيرة التي نظّمت سقوف الترسانات النووية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا، وأسهمت عبر آلياتها التفتيشية ونظام الشفافية المتبادل في تعزيز الاستقرار الاستراتيجي وتقليل احتمالات سوء التقدير غير أن انتهاء صلاحية المعاهدة في 5 فبراير 2026، دون التوصل إلى اتفاق بديل ملزم، أدخل البيئة الأمنية الدولية في مرحلة جديدة تتسم بغياب القيود القانونية المنظمة لأكبر ترسانتين نوويتين في العالم ومن ثم، يطرح هذا التحول تساؤلات جوهرية حول مستقبل الردع النووي، وحدود سباق التسلح، وإمكانات إعادة بناء إطار تعاهدي يواكب التحولات البنيوية في موازين القوة العالمية.
الإطار التاريخي لتطور ضبط التسلح النووي
يمثل انتهاء «نيو ستارت» حلقة في مسار تاريخي ممتد من الجهود الرامية إلى تقنين التنافس النووي بين القوى الكبرى منذ ذروة الحرب الباردة فقد بدأت محاولات الحد من التسلح النووي عبر اتفاقيات جزئية ركزت على منع الانتشار الأفقي، قبل أن تتطور لاحقاً إلى ترتيبات ثنائية تستهدف تقليص الترسانات الاستراتيجية ذاتها وشكّلت معاهدات «ستارت» بمراحلها المختلفة الإطار الأبرز لهذه الجهود، حيث سعت إلى وضع سقوف كمية محددة للرؤوس النووية ووسائط الإيصال، مع إنشاء منظومة تحقق متبادلة تضمن الالتزام الفعلي بالقيود المقررة.
جاءت معاهدة «نيو ستارت»، التي وُقّعت عام 2010 بين باراك أوباما وديمتري ميدفيديف امتداداً لهذا الإرث، إذ نصّت على سقف يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً لكل طرف مع تحديد عدد منصات الإطلاق المنتشرة وغير المنتشرة، وإقرار نظام تفتيش ميداني دوري وتبادل بيانات شامل وقد عُدّت المعاهدة آنذاك حجر الزاوية في إعادة ضبط العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن وموسكو، خصوصاً بعد سنوات من التوتر المرتبط بتوسّع حلف شمال الأطلسي والأزمات الإقليمية.
غير أن السياق الدولي الذي أُبرمت فيه المعاهدة تغيّر بصورة جوهرية خلال العقد التالي. فالتوترات المرتبطة بالأزمة الأوكرانية منذ عام 2014، ثم الحرب الواسعة التي اندلعت في 2022، أعادت منطق الصراع بين القوى الكبرى إلى الواجهة، وأضعفت الثقة المتبادلة التي مثّلت أساساً لاستمرار منظومة الضبط النووي ومع تراكم الخلافات حول التفتيش والالتزام ببنود المعاهدة، تراجعت فاعليتها العملية تدريجياً، إلى أن انتهت دون تجديد، لتغلق بذلك آخر نافذة قانونية ملزمة للحد من الأسلحة الاستراتيجية بين الطرفين.
السياق السياسي والأمني لانتهاء المعاهدة
لا يمكن فهم تداعيات انتهاء «نيو ستارت» بمعزل عن التحولات البنيوية التي طرأت على البيئة الدولية خلال السنوات الأخيرة فقد تزامن انقضاء المعاهدة مع تصاعد الاستقطاب العالمي، وعودة مفهوم المنافسة بين القوى الكبرى بوصفه المحدد الرئيس للتفاعلات الدولية وفي هذا المناخ، أعادت كل من واشنطن وموسكو تعريف أولوياتهما الاستراتيجية، مع توسيع نطاق الاعتماد على الردع النووي كأداة لضمان المصالح الحيوية.
شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا تدهوراً متسارعاً، انعكس على مختلف مجالات التعاون الأمني، بما في ذلك ضبط التسلح. وتفاقمت حالة انعدام الثقة نتيجة تبادل الاتهامات بشأن تعليق عمليات التفتيش، وتعليق بعض الالتزامات الفنية، في ظل بيئة سياسية داخلية مشحونة لدى الطرفين كما جاء انتهاء المعاهدة في ظل تفكك منظومة أوسع من الاتفاقيات، بعد انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ الباليستية المضادة عام 2002، وانهيار معاهدة القوى النووية متوسطة المدى عام 2019، ما جعل «نيو ستارت» آخر ركيزة قائمة في هيكل الضبط النووي الثنائي.
إضافة إلى ذلك، شهدت المرحلة نفسها تسارعاً في برامج تحديث الترسانات النووية، حيث استثمر الطرفان في تطوير أنظمة أكثر دقة ومرونة، بما في ذلك الأسلحة فرط الصوتية ومنظومات الإطلاق المتقدمة وقد أسهم هذا التحديث في توسيع نطاق الخيارات المتاحة ضمن العقائد العسكرية، وأعاد إدماج السلاح النووي في حسابات إدارة الأزمات، ليس فقط كأداة ردع قصوى، بل كوسيلة ضغط سياسية واستراتيجية ضمن طيف أوسع من أدوات القوة.
التداعيات المباشرة على الاستقرار الاستراتيجي
أفضى انتهاء المعاهدة إلى فراغ قانوني واضح، إذ لم تعد هناك قيود ملزمة تحدد عدد الرؤوس النووية الاستراتيجية أو منصات الإطلاق لدى أكبر قوتين نوويتين في العالم ويترتب على ذلك تراجع مستوى الشفافية الذي كانت توفره آليات التفتيش المتبادل وتبادل البيانات، مما يزيد من احتمالات سوء الفهم وسوء التقدير خلال الأزمات فغياب الإخطارات المسبقة والتفتيش الميداني الدوري يقلص قدرة كل طرف على تقييم نوايا الآخر بصورة دقيقة، ويعزز الاعتماد على التقديرات الاستخباراتية غير المؤكدة.
على مستوى التخطيط العسكري، يتيح هذا الفراغ هامشاً أوسع لإعادة هيكلة الترسانات النووية وفق اعتبارات المرونة والكفاءة التقنية، دون الالتزام بسقوف عددية محددة. وقد يدفع ذلك إلى تسريع برامج التحديث وإدخال منظومات جديدة، سواء لزيادة القدرة التدميرية أو لتعزيز القدرة على اختراق أنظمة الدفاع الصاروخي. ومع أن الردع النووي يظل قائماً من حيث المبدأ، فإن غياب الإطار التعاهدي يقلل من قابلية التنبؤ ويجعل الاستقرار الاستراتيجي أكثر هشاشة.
أما على مستوى النظام الدولي، فإن انتهاء المعاهدة يبعث برسالة سلبية إلى بقية الفاعلين النوويين وغير النوويين على حد سواء، مفادها أن الالتزامات التعاهدية الكبرى لم تعد تحظى بالأولوية نفسها في حسابات القوى العظمى. وهو ما قد يضعف مصداقية نظام عدم الانتشار النووي، ويقوّض الجهود الرامية إلى تعزيز الامتثال الدولي بالقواعد المنظمة للأسلحة الاستراتيجية.
مستقبل سباق التسلح والسيناريوهات المحتملة
يفتح انتهاء «نيو ستارت» الباب أمام ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل ضبط التسلح النووي يتمثل الأول في استمرار الفراغ الاستراتيجي، حيث تعتمد القوى الكبرى على الردع غير المقيد قانونياً، مع الاكتفاء بتفاهمات غير رسمية أو قنوات اتصال لإدارة الأزمات ويؤدي هذا المسار إلى استقرار هش، قائم على توازن القوة دون ضوابط مؤسسية واضحة.
أما المسار الثاني، فيتمثل في انزلاق تدريجي نحو سباق تسلح نووي متسارع، مدفوع بالرغبة في تحقيق تفوق نوعي أو كمي. وقد يشمل ذلك زيادة أعداد الرؤوس المنشورة، أو تطوير تقنيات جديدة تعزز القدرة على الضربة الأولى أو الضربة الانتقامية وفي ظل صعود قوى نووية أخرى، مثل الصين، قد يتحول السباق من إطار ثنائي تقليدي إلى بيئة متعددة الأطراف، أكثر تعقيداً وأقل خضوعاً للرقابة.
أما المسار الثالث، فيقوم على استئناف المفاوضات للتوصل إلى إطار بديل، سواء بصيغة ثنائية معدلة أو ضمن صيغة أوسع تشمل قوى نووية أخرى. غير أن تحقيق هذا السيناريو يتطلب توافر حد أدنى من الثقة السياسية، وتوافقاً حول نطاق الالتزامات والأطراف المشاركة، وهو ما يبدو صعباً في ظل البيئة الدولية الراهنة.
خاتمة: يمثل انتهاء معاهدة «نيو ستارت» نقطة تحول بارزة في مسار ضبط التسلح النووي إذ أنهى آخر قيد قانوني ملزم ينظم أكبر ترسانتين نوويتين في العالم ويكشف هذا التطور عن تحوّل أعمق في بنية النظام الدولي، حيث تتراجع الاعتبارات التعاقدية لصالح منطق المنافسة الاستراتيجية المفتوحة وفي ظل تزايد الاعتماد على التحديث النوعي للتقنيات النووية، وتعدد الفاعلين النوويين، يصبح الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي أكثر تعقيداً وأشد ارتباطاً بقدرة القوى الكبرى على إعادة بناء الثقة وصياغة أطر جديدة لضبط التسلح ومن ثم، فإن مستقبل الردع النووي لن يتحدد فقط بميزان القوة المادية، بل بمدى استعداد الأطراف المعنية لإحياء منطق التعاون المؤسسي كضمانة أساسية لتجنب الانزلاق نحو سباق تسلح غير منضبط.
المصدر: مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية
الكانب : إسراء عادل
التاريخ : 13/2/2026
-------------------------------------------------------------------------------
المصدر: يورونيوز
التاريخ : 5/2/2026
