شهدت اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تحولات تدريجية في فلسفة إدارتها للأمن والسياسة الخارجية، ارتكزت لعقود طويلة على ما عُرف بسياسة يوشيدا، التي قامت على أولوية التعافي الاقتصادي والاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية مقابل تقليص الدور العسكري الخارجي. غير أن التطورات المتسارعة في البيئة الدولية والإقليمية، إلى جانب التحولات الداخلية البنيوية، دفعت طوكيو إلى إعادة تقييم مرتكزات هذا النهج. وقد اكتسب هذا التحول زخمًا ملحوظًا مع تولي ساناي تاكايتشي رئاسة الوزراء عقب فوزها في الانتخابات البرلمانية في أكتوبر 2025، وما تلاه من خطابها في الأول من يناير 2026 الذي تعهدت فيه بـ«جعل الأرخبيل الياباني قويًا ومزدهرًا وخلق الأمل».
تعكس هذه التصريحات توجهًا نحو تجديد براجماتي شامل، لا يقتصر على البعد الدفاعي، بل يمتد إلى إعادة صياغة العلاقة بين الأمن والاقتصاد، وبين التحالفات التقليدية والاستقلالية الاستراتيجية. وعلى الرغم من أن ملامح هذا التحول بدأت تتبلور مع إعلان الاستراتيجية الدفاعية اليابانية عام 2022 في عهد كيشيدا فوميو، فإن المرحلة الراهنة تشير إلى تسارع واضح في إعادة تعريف دور اليابان الإقليمي والدولي. ومن ثم، يطرح هذا التقرير تساؤلًا رئيسيًا مفاده: إلى أي مدى تعكس البراجماتية اليابانية الجديدة سعيًا حقيقيًا نحو استقلالية استراتيجية كبرى؟ وللإجابة عن هذا التساؤل، يتناول التقرير أربعة محاور رئيسية تشمل دوافع التحول، وديناميكيات تعزيزه، وأبعاده الداخلية، وانعكاساته على الاستقرار الإقليمي.
دوافع التحول الاستراتيجي
يرتبط التحول البراجماتي الياباني بجملة من الدوافع المتشابكة التي تتوزع بين البيئة الأمنية الإقليمية، والتحولات في النظام الدولي، والضغوط الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فعلى المستوى الإقليمي، تواجه اليابان بيئة أمنية أكثر تعقيدًا، تتسم بتصاعد القدرات العسكرية الصينية وتزايد نشاطها البحري في محيط بحر الصين الشرقي، ولا سيما بالقرب من جزر سينكاكو. كما أن التوترات المتكررة بشأن تايوان، واحتمالات إعادة تشكيل ميزان القوى في منطقة الإندو-باسيفيك، تضع طوكيو أمام تحديات مباشرة تمس أمنها القومي وخطوط إمدادها البحرية الحيوية.
إلى جانب ذلك، يمثل البرنامج الصاروخي-النووي لكوريا الشمالية عامل ضغط دائم على الحسابات الاستراتيجية اليابانية، خاصة مع تطور مدى ودقة الصواريخ الباليستية، بما يعزز من إدراك النخبة اليابانية لطبيعة التهديد الوجودي المحتمل. وقد تزامن ذلك مع شعور متنامٍ بتراجع اليقين المرتبط بفعالية النظام الليبرالي الدولي، في ظل الحروب التجارية، وتآكل قواعد العولمة، وتغير أولويات السياسة الأمريكية، خصوصًا بعد عودة دونالد ترامب إلى السلطة في 2025، وما رافقها من تركيز على مبدأ "أمريكا أولًا".
أما داخليًا، فقد واجهت اليابان تحديات هيكلية عميقة، من بينها الشيخوخة السكانية، وارتفاع الدين العام، واستمرار النمو الضعيف، فضلًا عن تراجع الثقة الشعبية في النخبة السياسية. هذه العوامل مجتمعة خلقت بيئة ضاغطة دفعت نحو تبني مقاربة براجماتية تدمج بين تعزيز القدرات الدفاعية، وإعادة تنشيط الاقتصاد، وترميم الشرعية السياسية، في إطار يسعى إلى تقليص الاعتماد الأحادي وتعزيز القدرة على الصمود.
التحول العسكري والأمني
يمثل التحول العسكري أبرز مظاهر البراجماتية اليابانية الجديدة، حيث انتقلت طوكيو من مفهوم "الدفاع البحت" إلى تبني قدرات "الضربة المضادة" التي تتيح لها استهداف مصادر التهديد المحتملة قبل تنفيذها هجمات فعلية. وقد تُرجم ذلك في زيادة تدريجية لميزانية الدفاع، مع التزام بالوصول إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعكس إدراكًا لضرورة إعادة بناء أدوات الردع في بيئة إقليمية متقلبة.
كما أعادت اليابان هيكلة قوات الدفاع الذاتي، مع التركيز على تطوير صواريخ بعيدة المدى، وتعزيز أنظمة الاستطلاع والاستخبارات، وتوسيع القدرات في مجالات الفضاء والسيبرانية. ويُلاحظ أن هذا التحول لم يتم عبر قطيعة دستورية صريحة، بل من خلال إعادة تفسير القيود القانونية بما يسمح بهامش أوسع من الحركة دون المساس بالمرتكزات السلمية التقليدية. كذلك، عززت طوكيو صناعتها الدفاعية المحلية، وخففت القيود على تصدير المعدات العسكرية، في إطار دعم القاعدة التكنولوجية الوطنية.
وعلى مستوى التحالفات، حافظت اليابان على تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، لكنها انتقلت من منطق الاتكال إلى منطق تقاسم الأعباء، مع تنويع شراكاتها الأمنية مع أستراليا والهند والفلبين، بما يندرج ضمن استراتيجية "الردع الشبكي" التي تهدف إلى تعقيد حسابات الخصوم، لا سيما الصين، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
البراجماتية الاقتصادية وإعادة تعريف الأمن
لم يقتصر التجديد البراجماتي على البعد العسكري، بل شمل تحولًا في فلسفة إدارة الاقتصاد، عبر الربط بين النمو والأمن القومي. فقد أعادت الحكومة توجيه الاستثمارات نحو قطاعات استراتيجية تشمل الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والطاقة النظيفة، في محاولة لتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية وتعزيز "الأمن الاقتصادي".
وقد تبنت الدولة دورًا أكثر فاعلية في التخطيط الصناعي، من خلال تخصيص قطاعات ذات أولوية، وإطلاق برامج دعم وتمويل طويل الأجل، وتنسيق السياسات بين القطاعين العام والخاص. ويعكس هذا التوجه انتقالًا من الليبرالية الاقتصادية التقليدية إلى نموذج أكثر تدخلًا وانتقائية، يوازن بين الانفتاح والانضباط المالي. كما تسعى اليابان إلى إعادة تموضعها داخل سلاسل القيمة العالمية، عبر جذب الاستثمارات في التكنولوجيا المتقدمة، وتوسيع شراكاتها الاقتصادية الإقليمية.
هذا الترابط بين الاقتصاد والأمن يعكس فهمًا متقدمًا لطبيعة التهديدات المعاصرة، التي لم تعد عسكرية بحتة، بل تشمل الضغوط التكنولوجية والطاقوية وسلاسل التوريد. ومن ثم، تُعد البراجماتية الاقتصادية أداة أساسية لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية دون الانفصال عن النظام الاقتصادي العالمي.
الانعكاسات الإقليمية ومستقبل الاستقرار
تطرح البراجماتية اليابانية الجديدة تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل الاستقرار في شرق آسيا. فمن جهة، قد يسهم تعزيز القدرات اليابانية في تحقيق توازن ردعي يمنع الانزلاق إلى صراع مباشر، عبر رفع كلفة أي مغامرة عسكرية محتملة ومن جهة أخرى، قد يُنظر إلى هذا التحول من قبل الصين باعتباره مسارًا نحو إعادة عسكرة اليابان، ما يفاقم الشكوك المتبادلة ويزيد من احتمالات الأزمات المحدودة.
ومع ذلك، يبدو أن طوكيو تتبنى مقاربة حذرة تقوم على "تعقيد الحسابات" بدلًا من الاستفزاز، مستفيدة من شبكة تحالفاتها المتنوعة، ومن قدرتها على الجمع بين الردع والدبلوماسية كما أن التحالف مع الولايات المتحدة مرشح للاستمرار، ولكن في إطار شراكة أكثر توازنًا وأقل تبعية، خاصة في ظل تقلب الأولويات الأمريكية.
في المحصلة، تعكس البراجماتية اليابانية الجديدة إدراكًا عميقًا بأن الاستقرار في البيئة الدولية الراهنة لا يتحقق عبر التمسك الحرفي بإرث ما بعد الحرب، بل عبر إعادة تفسيره وتكييفه مع التحولات البنيوية. ومن ثم، يمكن القول إن اليابان تسير نحو استقلالية استراتيجية متدرجة، لا تقوم على القطيعة مع التحالفات القائمة، بل على إعادة صياغتها بما يضمن مرونة أكبر وقدرة أعلى على إدارة المخاطر في نظام دولي يتسم بالتنافس وعدم اليقين.
المصدر: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : هشام حمدي
التاريخ : 17/2/2026
-----------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: الجزيرة نت
التاريخ : 15/8/2025
