تجد الدولة اللبنانية نفسها مجددًا في قلب تفاعلات إقليمية معقدة مع اندلاع الحرب بين إيران من جهة، وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فعلى الرغم من محاولات السلطات اللبنانية النأي بالبلاد عن الانخراط المباشر في هذه المواجهة، إلا أن طبيعة التوازنات الداخلية ودور الفاعلين غير الحكوميين، وفي مقدمتهم حزب الله، جعلت لبنان عرضة للانجرار مرة أخرى إلى ساحة الصراع الإقليمي.
وقد برز هذا الاحتمال مع دخول الحرب يومها الثالث، حين دوّت صافرات الإنذار في مدينة حيفا ومناطق شمال إسرائيل نتيجة إطلاق صواريخ ومسيرات من الأراضي اللبنانية. ومع إعلان حزب الله مسؤوليته لاحقًا عن الهجوم، اتضح أن الجبهة اللبنانية دخلت رسميًا في دائرة التصعيد، خاصة بعد إعلان الحزب أن العملية جاءت ردًا على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي خلال الضربات الإسرائيلية الأولى على طهران.
تثير هذه التطورات تساؤلات جوهرية حول مستقبل الاستقرار في لبنان، ومدى قدرة الدولة اللبنانية على ضبط قرار الحرب والسلم داخل حدودها، في ظل التداخل المعقد بين الحسابات الإقليمية والاعتبارات الداخلية. ويهدف هذا التقرير إلى تحليل تداعيات هذه الأزمة عبر أربعة محاور رئيسية تتناول: محاولات الحكومة اللبنانية تحييد البلاد عن الحرب، ثم تداعيات قرار تجريم النشاط العسكري لحزب الله، وأخيرًا سيناريوهات التصعيد المحتملة وانعكاساتها على الاستقرار اللبناني.
الحكومة اللبنانية تحييد البلاد عن الحرب
منذ اللحظات الأولى لاندلاع المواجهة بين إيران وإسرائيل، سعت الحكومة اللبنانية إلى التأكيد على موقف واضح يرفض إدخال البلاد في صراع إقليمي جديد. فقد أعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام أن لبنان لا يمكنه تحمل مغامرة عسكرية جديدة قد تهدد أمنه واستقراره، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
في البداية، بدا أن حزب الله يتبنى موقفًا حذرًا ينسجم نسبيًا مع هذا التوجه، إذ التزم الصمت خلال اليومين الأولين من الحرب. غير أن الموقف تغير تدريجيًا بعد إعلان الأمين العام للحزب نعيم قاسم نعي المرشد الإيراني، واعتبار اغتياله «جريمة كبرى» تستوجب الرد. ورغم أن الخطاب السياسي للحزب لم يترافق فورًا مع خطوات عسكرية، فإن التطورات اللاحقة كشفت أن قرار الانخراط في الحرب كان قد اتُّخذ بالفعل.
تزامن ذلك مع ظروف ميدانية حساسة داخل لبنان. فعلى الرغم من دخول وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل حيز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024، فإن إسرائيل استمرت في تنفيذ عمليات اغتيال واستهداف داخل الأراضي اللبنانية، إضافة إلى استمرار تحليق الطائرات المسيرة فوق الجنوب. كما بقيت القوات الإسرائيلية متمركزة في عدة نقاط استراتيجية داخل الجنوب اللبناني، الأمر الذي أبقى حالة التوتر قائمة.
وفي ظل هذه الظروف، حاولت الدولة اللبنانية تنفيذ خطة تدريجية تهدف إلى تعزيز سيادة الدولة في الجنوب عبر نشر الجيش اللبناني جنوب نهر نهر الليطاني وتفكيك أي وجود عسكري غير رسمي. وقد لاقت هذه الخطة دعمًا دوليًا، خاصة من فرنسا التي عملت على تنظيم مؤتمر دولي في باريس لدعم الجيش اللبناني ماليًا وتقنيًا. غير أن اندلاع الحرب أدى إلى تعطيل هذه المبادرة وتأجيل المؤتمر الدولي الذي كان يُفترض أن يعزز قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها الأمنية.
تجريم النشاط العسكري لحزب الله
مع إعلان حزب الله مسؤوليته عن إطلاق الصواريخ، وجدت الحكومة اللبنانية نفسها أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية. فقد عقد مجلس الوزراء جلسة طارئة في 2 مارس 2026 وسط تصاعد القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت، ونزوح آلاف المدنيين من المناطق المستهدفة.
خلال هذه الجلسة، أكد رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون أن من أطلق الصواريخ يتحمل المسؤولية عن تعريض البلاد للخطر، مشددًا على أن الدولة اللبنانية لن تسمح باستخدام أراضيها ساحة لحروب إقليمية لا تخدم مصالحها الوطنية. من جهته، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام أن الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله أصبحت مجرّمة قانونيًا، وأصدر تعليمات مباشرة للجيش اللبناني والقوى الأمنية باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي عمليات إطلاق صواريخ من الأراضي اللبنانية.
يمثل هذا القرار تحولًا مهمًا في الموقف الرسمي اللبناني، إذ إنه للمرة الأولى يتم الإعلان صراحة عن تجريم النشاط العسكري للحزب مع الإبقاء على وجوده السياسي داخل النظام اللبناني. وقد حظي هذا القرار بدعم واسع من مختلف القوى السياسية اللبنانية، بما في ذلك شخصيات كانت تُعد تقليديًا حليفة لحزب الله.
فقد أيد زعيم التيار الوطني الحر جبران باسيل موقف الحكومة، معتبرًا أن الزج بلبنان في حرب إقليمية لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار. كما انتقد رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري قرار الحزب، مشيرًا إلى أن استخدام لبنان كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية يعرض الشعب اللبناني لمخاطر جسيمة. كذلك دعا الزعيم الدرزي وليد جنبلاط اللبنانيين إلى الالتفاف حول الدولة والجيش للحفاظ على الوحدة الوطنية.
في المقابل، رفض حزب الله هذه القرارات واعتبرها محاولة لتقييد «حق المقاومة»، مؤكدًا أنه لن يتخلى عن دوره في مواجهة إسرائيل. وقد عكس هذا الموقف حجم التباعد المتزايد بين الحزب ومؤسسات الدولة اللبنانية، وهو ما ينذر بمرحلة جديدة من التوتر السياسي الداخلي.
التداعيات الإنسانية والسياسية للتصعيد
لم يقتصر أثر التصعيد العسكري على الجوانب السياسية والأمنية، بل امتد ليشمل تداعيات إنسانية واسعة النطاق. فقد أعلنت وزارة الصحة اللبنانية سقوط أكثر من مئة قتيل وإصابة مئات آخرين نتيجة الغارات الإسرائيلية، في حين تجاوز عدد النازحين عشرات الآلاف خلال الأيام الأولى من التصعيد.
كما أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء لعدد كبير من القرى في جنوب لبنان وأحياء واسعة من الضاحية الجنوبية لبيروت، ما أدى إلى موجة نزوح كبيرة باتجاه مناطق أكثر أمانًا في شمال البلاد. وقد وضعت هذه التطورات الحكومة اللبنانية أمام تحدٍ إنساني كبير، خاصة مع محدودية الموارد الاقتصادية والقدرة الاستيعابية للمؤسسات الحكومية.
في الوقت نفسه، سعت إسرائيل إلى استغلال هذا الضغط الإنساني بهدف إضعاف البيئة الاجتماعية الداعمة لحزب الله. فتهجير السكان من المناطق التي تعد معاقل تقليدية للحزب قد يؤدي إلى تنامي حالة من السخط الشعبي، خاصة إذا استمرت العمليات العسكرية لفترة طويلة.
غير أن هذا السيناريو يحمل في طياته مخاطر أخرى، إذ قد يؤدي النزوح الواسع إلى توترات اجتماعية وطائفية بين مختلف المناطق اللبنانية، خاصة إذا تزايدت الضغوط الاقتصادية والأمنية الناتجة عن استضافة أعداد كبيرة من النازحين. ومن ثم، فإن التداعيات الإنسانية للحرب قد تتحول إلى عامل إضافي يهدد الاستقرار الداخلي في لبنان.
سيناريوهات التصعيد المحتملة
تشير المعطيات الميدانية إلى أن الصراع في لبنان قد يتخذ عدة مسارات تصعيدية خلال الفترة المقبلة. السيناريو الأول يتمثل في استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية على مواقع حزب الله في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، بهدف إضعاف قدراته العسكرية وفرض ضغط سياسي عليه وعلى الدولة اللبنانية.
أما السيناريو الثاني فيتعلق بإمكانية تنفيذ توغل بري إسرائيلي داخل جنوب لبنان انطلاقًا من المواقع العسكرية التي تسيطر عليها إسرائيل بالقرب من الحدود. وقد يهدف هذا التوغل إلى إنشاء منطقة عازلة شمال الحدود الإسرائيلية، أو إلى توجيه ضربة عسكرية مباشرة للبنية التحتية العسكرية لحزب الله.
السيناريو الثالث يرتبط بتوسع نطاق الصراع ليشمل أطرافًا إقليمية أخرى. فقد أثيرت تقارير عن حشود عسكرية في غرب سوريا بالقرب من الحدود اللبنانية، ما أثار مخاوف من احتمال فتح جبهة إضافية ضد حزب الله من الجهة الشرقية. وعلى الرغم من نفي دمشق لهذه المزاعم، فإن مجرد تداولها يعكس حجم القلق الإقليمي من اتساع رقعة الحرب.
وفي جميع الأحوال، يبقى مستقبل التصعيد في لبنان مرتبطًا بشكل وثيق بمآلات الصراع الأكبر بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. فإذا استمرت هذه المواجهة لفترة طويلة، فمن المرجح أن يبقى لبنان ساحة ثانوية لهذا الصراع، تتحمل جزءًا من كلفته العسكرية والسياسية.
خاتماً: تكشف التطورات الأخيرة عن هشاشة الوضع اللبناني في ظل التداخل العميق بين العوامل الداخلية والإقليمية. فقرار حزب الله الانخراط في الحرب أعاد طرح إشكالية احتكار الدولة لقرار استخدام القوة، وأظهر محدودية قدرة المؤسسات اللبنانية على ضبط التوازنات الأمنية داخل البلاد.
وفي الوقت نفسه، يواجه لبنان تحديات متزايدة على المستويات الإنسانية والسياسية والاقتصادية نتيجة التصعيد العسكري. فموجات النزوح، واستمرار الغارات الجوية، واحتمال التوغل البري الإسرائيلي كلها عوامل قد تدفع البلاد نحو مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
وبناءً على ذلك، فإن مستقبل لبنان في هذه الأزمة سيظل مرهونًا بتطورات الصراع الإقليمي الأوسع. فكلما طال أمد المواجهة بين إيران وإسرائيل، ازدادت احتمالات تحول لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراع، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على أمنه الداخلي ووحدته الوطنية.
المصدر: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : د. رابحة سيف علام
التاريخ : 6/3/2026
-----------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: يورونيوز
التاريخ : 2/3/2026
