يشهد الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة تحوّلاتٍ متسارعةً في بنية التهديدات وتوازنات القوى، مدفوعةً بتغيّر أنماط التحالفات الإقليمية، وتراجع بعض الفواعل التقليدية، وخاصاً تشهد البيئة الإقليمية المحيطة بإسرائيل تحوّلات متسارعة في طبيعة التهديدات ومصادرها، في ظل تراجع بعض الفواعل التقليدية وصعود أخرى أكثر ديناميكية وتأثيرًا وقد تعزّزت هذه التحولات في سياق إقليمي مضطرب يتسم بتداعيات الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023، وما تبعها من تصعيد متعدد المستويات، إلى جانب استمرار التوترات المرتبطة بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وقد أسهم هذا الواقع في إعادة تشكيل أولويات الأمن القومي الإسرائيلي، ليس فقط من حيث طبيعة التهديد، ولكن أيضًا من حيث تعدد مصادره وتداخله.
وفي هذا السياق، برزت تركيا كفاعل إقليمي صاعد يحظى باهتمام متزايد داخل دوائر صنع القرار في إسرائيل. فقد أظهرت مؤشرات صادرة عن مؤسسات رسمية وبحثية إسرائيلية تحوّلًا ملحوظًا في إدراك التهديد تجاه أنقرة، حيث حذّرت لجنة “ناغل” من أن تنامي النفوذ التركي، لا سيما في الساحة السورية، يمثل تهديدًا استراتيجيًا متصاعدًا. كما صعّد بعض المسؤولين الإسرائيليين خطابهم السياسي، في مقابل تأكيدات تركية رسمية على محدودية احتمالات الصدام المباشر ومن ثم، يعكس هذا التباين حالة من التوتر الكامن الذي يتجاوز الخلافات التقليدية نحو إعادة تعريف العلاقة بين الطرفين.
ولا يعني هذا التحوّل بالضرورة إحلال التهديد التركي محل الإيراني، بقدر ما يعكس إعادة ترتيب أولويات التهديد ضمن مقاربة إسرائيلية أكثر تعقيدًا، تأخذ في الاعتبار تزايد قدرات تركيا واتساع نطاق تحركاتها الإقليمية. ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل محددات العلاقات الثنائية، وفهم أبعاد هذا التحول في الإدراك الإسرائيلي، مع تسليط الضوء على ساحات التنافس وأدوات الاحتواء التي تعتمدها تل أبيب.
محددات العلاقات التركية الإسرائيلية
تشكلت العلاقات التركية - الإسرائيلية عبر عقود طويلة في إطار براغماتي جمع بين التعاون والتوتر، حيث مثّل اعتراف تركيا بإسرائيل عام 1949 نقطة انطلاق لعلاقة معقدة تداخلت فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والاقتصادية. وقد اتسمت هذه العلاقة بمرونة نسبية سمحت باستمرارها رغم الأزمات، وهو ما يعكس وجود محددات عميقة تحكم مسارها.
على المستوى السياسي، شهدت العلاقات فترات تقارب ملحوظة، خاصة خلال التسعينيات مع توقيع اتفاقيات تعاون استراتيجية، قبل أن تتعرض لهزات متكررة نتيجة المواقف التركية من القضية الفلسطينية وقد عكست بعض اللحظات، مثل زيارات رفيعة المستوى وتكريمات متبادلة، مستوى متقدمًا من الانفتاح، إلا أن هذا المسار لم يكن مستقرًا، إذ سرعان ما تراجع تحت ضغط التحولات الإقليمية.
اقتصاديًا، مثّلت العلاقات التجارية أحد أهم ركائز الاستمرار، حيث شهد التبادل التجاري نموًا ملحوظًا على مدار عقدين، قبل أن يتراجع بشكل حاد عقب التوترات الأخيرة، لا سيما بعد الحرب على غزة. وقد انعكس هذا التراجع على قطاعات حيوية مثل البناء والطاقة والسياحة، مما يكشف عن عمق الترابط الاقتصادي وحساسيته تجاه المتغيرات السياسية.
أما في المجال العسكري والأمني، فقد شكّل التعاون الدفاعي والاستخباري عنصرًا أساسيًا في العلاقة، خاصة خلال فترة ما بعد الحرب الباردة، حيث تبادل الطرفان الخبرات والمعلومات، ونفذا برامج تسليح وتدريب مشتركة. غير أن هذا التعاون شهد تراجعًا ملحوظًا خلال العقد الأخير، في ظل تزايد الشكوك المتبادلة وتغير أولويات كل طرف.
ساحات التنافس السياسي
لم تعد الخلافات بين تركيا وإسرائيل محصورة في الإطار السياسي التقليدي، بل امتدت إلى ساحات جيوسياسية متعددة تعكس تصاعد التنافس بينهما ويأتي الملف الفلسطيني في مقدمة هذه الساحات، حيث يمثل نقطة الاحتكاك الأكثر وضوحًا، في ظل الدعم التركي للقضية الفلسطينية، وما تعتبره إسرائيل دعمًا مباشرًا لحركات معارضة لها.
وفي شرق المتوسط، يتجلى التنافس من خلال صراع على النفوذ البحري وموارد الطاقة، حيث تسعى تركيا إلى فرض رؤيتها عبر تحركات ميدانية واتفاقيات إقليمية، بينما تعتمد إسرائيل على بناء تحالفات مضادة لتعزيز موقعها الاستراتيجي. ويعكس هذا التباين اختلافًا في أدوات النفوذ بين الطرفين.
أما الساحة السورية، فتُعد الأكثر حساسية، حيث تتقاطع المصالح الأمنية والعسكرية بشكل مباشر، خاصة في ظل التغيرات التي أعقبت سقوط النظام السوري. وتسعى كل من أنقرة وتل أبيب إلى تعزيز نفوذها داخل هذه الساحة، مما يرفع من احتمالات الاحتكاك غير المباشر وربما المباشر في بعض الحالات.
إلى جانب ذلك، يمتد التنافس إلى مناطق أخرى مثل القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث تسعى تركيا إلى توسيع حضورها العسكري والاقتصادي، في مقابل محاولات إسرائيل لإيجاد موطئ قدم استراتيجي في هذه المناطق. كما يبرز عامل الصناعات الدفاعية التركية كأحد مصادر القلق الإسرائيلي، في ظل التطور السريع الذي يشهده هذا القطاع.
سياسات الحد من النفوذ
في مواجهة هذا الصعود التركي، تعتمد إسرائيل على مجموعة من الأدوات لاحتواء النفوذ المتنامي لأنقرة ويأتي في مقدمة هذه الأدوات بناء تحالفات إقليمية مضادة، خاصة مع دول مثل اليونان وقبرص، بهدف خلق توازن استراتيجي يحد من التمدد التركي في شرق المتوسط.
كما تلجأ إسرائيل إلى استخدام نفوذها داخل الولايات المتحدة للتأثير على مسار العلاقات الأمريكية - التركية، خاصة فيما يتعلق بصفقات السلاح، في إطار الحفاظ على تفوقها العسكري النوعي. ويعكس هذا التوجه إدراكًا إسرائيليًا لأهمية البعد الدولي في إدارة التنافس مع تركيا.
إلى جانب ذلك، تسعى تل أبيب إلى التأثير على صورة تركيا داخل المنظومة الغربية، من خلال إبراز سياساتها باعتبارها غير متوافقة مع معايير الحلفاء الغربيين، وهو ما يهدف إلى تقليص هامش الحركة التركي داخل هذه المنظومة.
وأخيرًا، تعتمد إسرائيل على دعم فواعل محلية في مناطق التنافس، كوسيلة غير تقليدية لاكتساب نفوذ ميداني، سواء في سوريا أو القرن الأفريقي، وهو ما يعكس تحولًا في أدوات الصراع نحو نماذج أكثر مرونة وتعقيدًا.
خاتماً: في ضوء ما سبق، يتضح أن التحول في الإدراك الإسرائيلي تجاه تركيا لا يعكس مجرد تغير في ترتيب التهديدات، بل يشير إلى إعادة تعريف شاملة لمصادر الخطر في البيئة الإقليمية. فتركيا لم تعد تُنظر إليها كشريك محتمل أو منافس محدود، بل كفاعل إقليمي صاعد يمتلك أدوات تأثير متعددة تمس المصالح الإسرائيلية بشكل مباشر.
ومع ذلك، يظل هذا التحول محكومًا بعدة قيود، أبرزها العامل الأمريكي، وتشابك المصالح الاقتصادية، وطبيعة العلاقات داخل حلف الناتو، وهو ما يقلل من احتمالات الانزلاق نحو مواجهة مباشرة، ويُبقي العلاقة ضمن إطار التنافس المُدار.
وعليه، فإن مستقبل العلاقات التركية - الإسرائيلية سيظل مرهونًا بقدرة الطرفين على إدارة هذا التنافس ضمن حدود معينة، في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد وفي الوقت ذاته، يعكس هذا المشهد تحولات أوسع في بنية النظام الإقليمي، حيث تتزايد أهمية القوى الصاعدة، وتتراجع فيه أنماط الهيمنة التقليدية، بما يفتح المجال أمام إعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.
المصدر: مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية
الكاتب : هشام قدري
التاريخ : 12/4/2026
---------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: موقع مصراوي
الكاتب : محمد أبو بكر
التاريخ : 12/4/2026
