كيف تدار السياسة النقدية خلال فترات الأزمات الجيوسياسية؟
فرع بنغازي

شهدت البنوك المركزية، خلال العقود الأخيرة، توسعاً ملحوظاً في نطاق أدوارها؛ إذ لم تَعُد تقتصر على إدارة السياسة النقدية، بل امتدَّت لتشمل مجالات حديثة، مثل الاقتصاد الأخضر والتمويل الرقمي، بما يعكس تنامي مسؤولياتها في توجيه المسارات الاقتصادية، لكن الصدمات الجيوسياسية المُفاجِئة تفرض في المقابل ضغوطاً مباشِرةً على عمل هذه المؤسسات؛ إذ تدفع بدورها نحو تعطيل التجارة وسلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة، بما ينعكس في شكل ضغوط تضخُّمية وتباطؤ في النمو. وفي تلك الحالة، تجد البنوك المركزية نفسها أمام تحدٍّ مُعقَّد يتمثَّل في حتمية إدارة هذه التداعيات المتشابكة، وتحقيق توازن دقيق بين كبح التضخُّم ودعم النمو والحفاظ على الاستقرار المالي في آنٍ واحد. ومن ثم، تَبرُز السياسة النقدية كأداة رئيسية وفاعلة للتعامل مع تلك الضغوط.

أدوات متعددة

تتنوَّع أدوات السياسة النقدية التي تعتمد عليها البنوك المركزية في التعامل مع التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الأزمات الجيوسياسية، ويمكن استعراض أبرز أنماط تدخُّلها في مواجهة هذه الصدمات على النحو التالي:

1- التدخُّل الفوري لتحقيق الاستقرار في أسواق المال: تُواجِه البنوك المركزية آثاراً غيرَ مباشرةٍ ناتجةً عن المخاطر الجيوسياسية – مثل تقلُّبات الأسواق المالية، واضطرابات تدفُّقات رأس المال – وهو ما قد يدفعها إلى التدخل الفوري لتحقيق الاستقرار في الأسواق المعنية، بيد أن طبيعة الاستجابة تعتمد بدرجة كبيرة على البيئة الاقتصادية الكلية السائدة؛ فإذا كان الاقتصاد يعاني من تضخُّم مرتفع، فإن البنوك المركزية تميل إلى التركيز على كبح التضخُّم حتى مع وجود اضطرابات. أما إذا كان الاقتصاد ضعيفاً أو في حالة تباطؤ، فإنها تمنح الأولوية لدعم النمو وتحفيز النشاط الاقتصادي، حتى لو استدعى ذلك اتخاذ إجراءات توسُّعية.

2- اللجوء إلى تشديد السياسة النقدية كإجراء احترازي ضد الضغوط التضخُّمية: تؤدي الصدمات الجيوسياسية، في بعض الأحيان، إلى اضطرابات في جانب العرض، مثل ارتفاع تكاليف الطاقة، وتعطُّل الإنتاج، وظهور اختناقات في سلاسل الإمداد، وهو الأمر الذي يخلق ضغوطاً تضخُّميةً على الاقتصاد. وفي مواجهة ذلك، تلجأ البنوك المركزية إلى تبنِّي سياسات انكماشية، مثل رفع أسعار الفائدة كإجراء احترازي للحد من تفاقُم هذه الضغوط.

وبالتوازي، تسعى البنوك المركزية أيضاً إلى تثبيت توقُّعات التضخُّم لدى الأسواق والمستهلكين؛ منعاً لتحوُّل هذه الصدمات المؤقتة إلى تضخُّم مستدام، مع مراقبة مدى انتقال آثارها إلى بقية قطاعات الاقتصاد، خاصةً سوق العمل، ومستويات الطلب؛ لتحديد مسار السياسة النقدية تحديداً أدق.

3- التوجُّه نحو التيسير الكمِّي لدعم النشاط الاقتصادي في حالات الركود: قد تُسهِم المخاطر الجيوسياسية في إضعاف الطلب والاستثمار، بما يفرض على البنوك المركزية ضرورة تبنِّي سياسات تيسيرية مثل خفض أسعار الفائدة، أو اللجوء إلى أدوات غير تقليدية كالتيسير الكمي لدعم النشاط الاقتصادي. ويتجلَّى ذلك بوضوح في ميل الاحتياطي الفيدرالي إلى تبنِّي توجُّهات أكثر تيسيراً في مواجهة التوتُّرات التجارية الناشئة بين الولايات المتحدة والصين؛ نظراً إلى انعكاساتها السلبية على تدفُّقات رأس المال والتجارة.

4- تبنِّي سياسة تثبيت أسعار الفائدة كنهج حذِر في مواجهة صدمات العرض: في إطار تصاعد الصدمات الجيوسياسية وما يصاحبها من ارتفاعٍ في أسعار الطاقة، قد تلجأ البنوك المركزية إلى تثبيت أسعار الفائدة كخيار وسيط بين التشديد والتيسير، خاصةً في البيئات التي تتَّسم بارتفاع عدم اليقين. ويعكس هذا النهج محاولةً لتجنُّب مخاطر التشديد المُفرِط الذي قد يُفاقِم تباطؤ النمو، كما يعكس محاولةً للحد من مخاطر التيسير الذي قد يؤدي إلى ترسيخ الضغوط التضخُّمية.

يُذكَر في هذا الصدد أن الاحتياطي الفيدرالي قد أبقى على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه في شهر مارس 2026، مُبقياً النطاق المُستهدَف بين (3.5%) و(3.75%)، رغم تصاعد الضغوط التضخُّمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط. ويعكس هذا القرار إدراكاً لتعقيد المُفاضَلة التي تُواجِهها البنوك المركزية عند التعامل مع صدمات العرض؛ إذ لا تستجيب السياسة النقدية مباشَرةً لتقلُّبات الطاقة، لكنها تأخذ في الاعتبار آثارها غير المُباشِرة على التضخُّم والنشاط الاقتصادي.

5- قيام البنوك المركزية بدور المُقرِض الأخير في الأزمات: خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008 وجائحة كوفيد-19، برزت البنوك المركزية بوصفها فاعلاً رئيسياً في احتواء التداعيات الاقتصادية؛ إذ سارعت إلى التدخُّل بشكل واسع النطاق للحيلولة دون انهيار الأسواق المالية، وتمحوَر دورُها في هذه المرحلة حول أداء وظيفة "المُقرِض الأخير"، من خلال توفير السيولة للنظام المصرفي والمؤسسات المالية، فضلاً عن تفعيل خطوط المُقايَضة بين البنوك المركزية لتعزيز الاستقرار المالي العالمي. ومع تعمُّق حالة الركود، اتَّسع نطاق تدخُّلها ليشمل دعم النشاط الاقتصادي عبر تبنِّي أدوات نقدية غير تقليدية، وفي مُقدِّمتها برامج التيسير الكمِّي.

إضافةً إلى ذلك، عمدت البنوك المركزية إلى توسيع حُزمة أدواتها، وإعادة صياغة مفهوم استقرار الأسعار بصورة أكثر مرونةً، بما يتماشى مع التحديات المُستجِدَّة، فلجأت إلى توظيف أدوات مبتكرة، مثل برامج شراء الأصول في القطاع المالي، بجانب تطبيق أشكال متعددة من التيسير الكمي في القطاع العام، بما يعكس تحولاً نوعياً في أدوارها من التركيز التقليدي على الاستقرار النقدي إلى الاضطلاع بدور أشمل في إدارة الأزمات الاقتصادية.

6- تبنِّي استراتيجيات زيادة الاحتياطيات النقدية كأداة تحوُّط: تتَّجه البنوك المركزية إلى تبنِّي نهجٍ أكثر تحفظاً في إدارة احتياطياتها، يقوم على الحد من استخدامها في التدخُّلات القصيرة الأجل؛ حفاظاً على دور تلك الاحتياطيات كخط دفاع أساسي في مواجهة الأزمات. ويأتي ذلك في إطار تبنِّي مفهوم "التأمين الذاتي"، الذي يهدف إلى بناء قدرات ذاتية تُمكِّن الاقتصادات من الصمود أمام الصدمات الخارجية، خاصةً في فترات الاضطرابات الجيوسياسية.

وفي هذا السياق، تكتسب الاحتياطيات بُعداً استراتيجياً يتجاوز دورها التقليدي، لتصبح أداةً رئيسيةً في تعزيز الاستقرار المالي وامتصاص تقلُّبات الأسواق، وهو ما أكده محافظ البنك الاحتياطي الهندي السابق "شاكتيكانتا داس" خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي في عام 2024؛ حين أشار إلى أن رفع الاحتياطيات من النقد الأجنبي إلى نحو (600) مليار دولار منذ عام 2016 جاء كإجراء تحوُّطي وقائي لمواجهة احتمالات خروج رؤوس الأموال وتقلُّبات سعر الصرف والأزمات المالية العالمية، مؤكداً أن هذه السياسة تُعزِّز بدورها ثقة الأسواق والفاعلين الاقتصاديِّين، رغم ما تنطوي عليه من تكاليف تشغيلية.

7- تغيُّر استراتيجيات البنوك المركزية تجاه الذهب: خلال فترات الأزمات، تتغيَّر استراتيجيات البنوك المركزية تجاه الذهب، بحيث تصبح الأولوية هي استقرار العملة وتمويل واردات الطاقة بدلاً من تنويع الاحتياطيات، وهو ما يدفع بدوره نحو تراجُع برامج شراء الذهب. وفي هذا الصدد، تُساهِم الأدوات المالية – مثل الصناديق المتداوَلة والمُشتقَّات – في خلق آليات جديدة لنقل الضغوط البيعية؛ حيث تؤدي عمليات الاسترداد في الصناديق إلى بيع تلقائي، بينما تؤدي مخاطر المشتقَّات إلى تضخيم التقلُّبات، بجانب وجود تبايُنات إقليمية بين مراكز التداول العالمية. 

متطلبات رئيسية

في ظل تصاعد التعقيدات الجيوسياسية وتزايُد حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، تتنامى الحاجة إلى إعادة صياغة أدوات وسياسات الاستقرار الاقتصادي بما يتلاءم مع طبيعة المخاطر الجديدة. وفي هذا المضمار، يمكن استعراض بعض المُتطلَّبات الرئيسية اللازمة لتعزيز المرونة المؤسسية والمالية، وتكييف السياسات النقدية والاستثمارية مع التحوُّلات الهيكلية المتسارِعة.

1- تعزيز القدرة على التكيُّف مع بيئة جيوسياسية مُتقلِّبة: أصبحت المخاطر الجيوسياسية سمةً هيكليةً في الاقتصاد العالمي، بالتزامن مع تصاعُد العقوبات والقيود التجارية، وتزايُد احتمالات تعطُّل المدفوعات وسلاسل الإمداد فجأةً. وفي هذا السياق، لم يَعُد الاستقرار الاقتصادي يعتمد على أدوات السياسة النقدية فحسب، بل يتطلَّب كذلك تعزيز قدرة الاقتصاد على التكيُّف مع هذه الصدمات. ويشمل ذلك دعم تنويع الشركاء التجاريين، وتطوير قنوات بديلة للتجارة والتسوية المالية، بما يُقلِّل من الاعتماد على مسارات تقليدية قد تتعرَّض للاضطراب، ويُعزِّز مرونة الاقتصاد في مواجهة الأزمات.

2- دعم أطر مالية فعَّالة لتخفيف العبء عن السياسة النقدية: تفرض الأوضاع غير المستقرة ضرورة وضع أطر مالية حكومية منضبطة وموثوقة تُسهِم في امتصاص الصدمات وتقليل الضغوط على البنوك المركزية، وهو الأمر الذي يتطلَّب تعزيز التنسيق بين السياسات المالية والنقدية، بجانب تطوير البنية التحتية المالية العالمية، خاصةً في مجالات المدفوعات وإدارة الأزمات، كما يُعَد وضوح تفويض البنوك المركزية والحفاظ على مرونة أدواتها أمراً ضرورياً لضمان فاعلية استجابتها في بيئةٍ تتسم بارتفاع عدم اليقين وتراجع التنسيق الدولي.

3- إعادة تقييم دور الأصول الآمنة لمُواكَبة التحوُّلات الهيكلية للأسواق: تشهد الأصول الآمنة، وعلى رأسها الذهب، تغيُّرات ملحوظة في سلوكها خلال الأزمات الجيوسياسية، نتيجةَ تطوُّر الهياكل المالية، وظهور أدوات جديدة مثل المشتقَّات المالية والصناديق المتداولة والتداول الخوارزمي. وقد أدت هذه التحوُّلات إلى تعقيد آليات انتقال الصدمات وزيادة تقلُّبات الأسعار، بما يَحُدُّ من القدرة على الاعتماد على الأنماط التقليدية لتقييم دور الذهب كملاذ آمن. ومن ثم، يتعيَّن على البنوك المركزية إعادة النظر في استراتيجيات إدارة الاحتياطيات، مع أخذ هذه التغيُّرات الهيكلية بالأسواق المالية في الاعتبار.

4- مراعاة تأثير السياسة النقدية على قرارات الاستثمار والأسواق: تؤثِّر قرارات السياسة النقدية، لا سيما ما يتعلق بأسعار الفائدة، تأثيراً مباشراً في سلوك المستثمرين وتخصيص الأصول، خاصةً خلال فترات الأزمات؛ إذ تؤدي التغيُّرات في أسعار الفائدة الحقيقية إلى إعادة تشكيل جاذبية الأصول غير المُدِرَّة للعائد، مثل الذهب، من خلال تعديل تكلفة الفرصة البديلة، كما أن الصدمات الجيوسياسية التي تُولِّد ضغوطاً تضخميةً قد تدفع البنوك المركزية إلى تبني سياسات أكثر تشدداً، وهو ما ينعكس بدوره على توقُّعات الأسواق واتجاهات الاستثمار؛ لذا يتعيَّن على البنوك المركزية مراعاةُ هذه التفاعلات المُعقَّدة عند صياغة سياساتها.

5- الحفاظ على الاستقلالية المؤسسية وتعزيز المصداقية: في سياق التوترات الجيوسياسية المُتصاعِدة، تُواجِه البنوك المركزية تحدياتٍ متزايدةً للحفاظ على استقلالها المؤسسي، خاصةً مع تراجع الثقة بالمؤسسات التكنوقراطية، كما أن الأثر التوزيعي لقرارات السياسة النقدية يَزيد من حساسية هذه المؤسسات تجاه الرأي العام. ومن ثم، يصبح من الأهمية بمكان تعزيز الشفافية والوضوح في التواصل، وإعادة تأكيد شرعية أدوار البنوك المركزية، بما يحافظ على مصداقيتها وقدرتها على إدارة الأزمات بفاعلية.

6- تعزيز الاعتماد على قواعد نقدية واضحة في إدارة الصدمات الجيوسياسية: في ظل تصاعد الصدمات الجيوسياسية الراهنة – وعلى وجه التحديد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط – تَبرُز أهمية تبني أطر قائمة على قواعد واضحة في صياغة السياسة النقدية، بدلاً من الاعتماد المفرط على التقدير الذاتي؛ إذ يُظهِر قرار الاحتياطي الفيدرالي بتثبيت أسعار الفائدة على وقع الحرب الأمريكية الإيرانية – رغم الضغوط التضخُّمية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة – تعقُّدَ المُفاضَلات التي تواجه صناع السياسة النقدية في بيئةٍ تتسم بارتفاع عدم اليقين. وفي إطار ذلك، يُوفِّر الاعتماد على قواعد نقدية منهجية قدراً أكبر من الاتساق وقابلية التنبُّؤ، بما يُقلِّل من مخاطر سوء التقدير، ويُعزِّز مصداقية البنوك المركزية.

وإجمالاً، يتضح مما تقدَّم أهمية تبنِّي سياسة نقدية قائمة على قواعد واضحة (Rule-based policy)، تعتمد على صِيَغ رياضية تربط أسعار الفائدة بالمؤشرات الاقتصادية الأساسية، وتتميَّز بقدرتها على تحقيق أداء اقتصادي أكثر استقراراً، بحيث تُوصِي برفع الفائدة عند ارتفاع التضخُّم، وخفضها عند ضعف النمو أو التوظيف، وهو ما يُوفِّر توازناً تلقائياً في التعامل مع الصدمات، كما يسهم في تقليص الاعتماد على التقديرات الذاتية غير المُتوقَّعة.

ومن ثم، فإن فاعلية تلك السياسة النقدية لا ترتبط بوضوحها فقط، بل ترتبط كذلك بقدرتها على التكيُّف مع أخطاء التقدير والتغيُّرات الهيكلية، بما يضمن تصحيح الانحرافات السابقة، وتعزيز مصداقية البنك المركزي، خاصةً في ظل ما تفرضه الأزمات الجيوسياسية من ضغوط مباشرة على البنوك المركزية تدفع نحو تصاعُد حالة عدم اليقين وتدهوُر الأوضاع الاقتصادية بدرجة ملحوظة.

وأمام هذه الضغوط المتزامِنة، يصبح لزاماً على البنوك المركزية التفاعل بقدرٍ أكثر ديناميكيةً من خلال تعديل أدواتها النقدية لتحقيق توازن دقيق بين كبح التضخُّم والحد من تباطؤ النمو، بما يضمن احتواء آثار الأزمة، وتقليل انعكاساتها على الاقتصاد.




المراجع:

سهير الشربيني، 2.4.2026، كيف تُدار السياسة النقدية خلال فترات الأزمات الجيوسياسية؟، إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية.

International Monetary Fund (2025). "Geopolitical Fragmentation and Monetary Policy: Challenges for Central Banks." IMF Policy Paper No. 2025/03. Washington, D.C.


المقالات الأخيرة