حماية المدنيين في أوقات الحروب: الإطار القانوني وآليات إلانفاذ في ضوء التحديات المعاصرة
فرع بنغازي

ظلت النزاعات المسلحة منذ أقدم العصور تشكل أحد الثوابت في التاريخ البشري، وما فتئت تترك آثارها المدمرة على المجتمعات والأفراد على حد سواء. إلا أن ما يميز النزاعات المسلحة في العصر الحديث هو اتساع رقعة الدمار الذي يصيب المدنيين، الذين باتوا يشكلون النسبة الأعظم من ضحايا الحروب، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 90% من ضحايا النزاعات المعاصرة هم من المدنيين. وقد دفع ذلك المجتمع الدولي إلى العمل على تطوير إطار قانوني متكامل لحماية هؤلاء الفئة الأكثر هشاشة وتأثراً بآثار النزاعات المسلحة.

يُعنى القانون الدولي الإنساني، أو ما يعرف بقانون النزاعات المسلحة، بتنظيم سير العمليات العدائية وتخفيف معاناة ضحايا النزاعات المسلحة، سواء كانوا من الجرحى أو المرضى أو أسرى الحرب أو المدنيين. وإذا كانت القواعد الحديثة للقانون الدولي الإنساني قد بدأت في التبلور مع اعتماد اتفاقيات لاهاي في مطلع القرن العشرين، فإن التحول الجوهري تمثل في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، حيث جاءت الاتفاقية الرابعة لتسد ثغرة كبيرة كانت تتمثل في غياب حماية قانونية خاصة بالمدنيين في النزاعات المسلحة. لقد أكدت هذه الاتفاقية لأول مرة في تاريخ القانون الدولي أن الأشخاص المدنيين يتمتعون بحماية عامة من أخطار العمليات العسكرية، ووضعت قواعد تفصيلية تنظم التعامل معهم في الأراضي المحتلة وأثناء النزاعات المسلحة.

بيد أن التطور التكنولوجي المتسارع، وبروز الحروب الهجينة وتوظيف تكنولوجيا الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، إلى جانب استمرار الصراعات المسلحة غير الدولية التي تشهد تصاعداً في حدة الانتهاكات ضد المدنيين، قد أفرز تحديات جديدة لم يكن المشرع الدولي في خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي يتوقعها. هذه الثغرة هي التي شكلت الدافع المباشر لإجراء هذا البحث. لا تزال آليات تطبيق القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين تواجه عوائق كبيرة، تتراوح بين تعقيدات التوصيف القانوني وتعدد الأطراف غير الدولـــية، وبين عوائق وصول المساعدات الإنسانية الممنهجة من قِبَل أطراف النزاع، وبين غياب الفعالية اللازمة للمساءلة الجنائية الدولية في العديد من الحالات.

تنطلق هذه الورقة من إشكالية مركزية مفادها: هل توجد فجوة بين الأحكام والنصوص القانونية المتعلقة بحماية المدنيين في أوقات الحروب، وبين التطبيق الفعلي لهذه الأحكام على أرض الواقع في ظل النزاعات المعاصرة؟ وما العقبات التي تحول دون ضمان هذه الحماية بفعالية؟ وهل هناك آليات رقابية وقضائية دولية قادرة على سد هذه الفجوة ولم شملها ضمن منظومة جزائية رادعة؟

اعتمدت الدراسة على منهج وصفي تحليلي من خلال تتبع النصوص القانونية ذات الصلة (اتفاقيات جنيف لعام 1949، البروتوكولين الإضافيين، نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية)، وتحليل مدى فعاليتها في ضوء نماذج تطبيقية من النزاعات المعاصرة، وخلصت إلى اقتراح إطار واضح من التوصيات لتعزيز الحماية القانونية والعملية للمدنيين.

2. الإطار القانوني لحماية المدنيين في القانون الدولي الإنساني

يُعد القانون الدولي الإنساني الفرع القانوني الأكثر تطوراً في مجال حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، وقد تبلورت قواعده الأساسية عبر مسار تاريخي طويل، بدءاً من المحاولات المبكرة في الاتفاقيات الثنائية لحماية الجرحى في ساحات القتال، وصولاً إلى النظام المتكامل الذي نعرفه اليوم. غير أن السمة الأبرز لهذه القواعد هي طبيعتها التوافقية المستمرة بين الاعتبارات العسكرية والضرورات الإنسانية.

2.1 اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949

شكلت اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 نقلة نوعية في تاريخ القانون الدولي الإنساني، إذ أتت في أعقاب الفظائع التي شهدتها الحرب العالمية الثانية، حيث قُدّر أن نصف ضحايا الحرب العالمية الثانية تقريباً كانوا من المدنيين. قامت الدول بموجب هذه الاتفاقيات بتوسيع نطاق الحماية القانونية لتشمل المدنيين بفعالية أكبر، بعد أن كانت الاتفاقيات السابقة تركز على فئة المقاتلين والمحاربين بشكل شبه حصري.

تتكون اتفاقيات جنيف الأربع مما يلي:

- الاتفاقية الأولى: تحسين حال الجرحى والمرضى في القوات البرية.

- الاتفاقية الثانية: تحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى في القوات البحرية.

- الاتفاقية الثالثة: معاملة أسرى الحرب.

- الاتفاقية الرابعة: حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب.

تمثل الاتفاقية الرابعة، المعنونة "اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب"، حجر الزاوية في النظام القانوني لحماية المدنيين. وتنص على حقوق وواجبات متبادلة بين أطراف النزاع فيما يتعلق بالمقيمين في أراضي العدو، والسكان المحليين في الأراضي المحتلة، والأجانب، والمحتجزين، وتجرم بشدة ما يعرف بـ "الانتهاكات الجسيمة" التي تشمل قتل المدنيين وتعذيبهم وإبعادهم قسراً وترحيلهم.

تثير الورقة هنا ملاحظة نقدية دقيقة: رغم أهمية الاتفاقية الرابعة، فقد ركزت نصوصها على حماية المدنيين تحت سلطة أحد أطراف النزاع الذي لا يحملون جنسيته، أي في المناطق المحتلة بشكل أساسي. أما حماية المدنيين أثناء العمليات العدائية نفسها (الحرب النظامية)، فلم تُولَ الاهتمام نفسه إلا لاحقاً.

2.2 البروتوكولان الإضافيان لعام 1977

سعياً إلى سد الثغرات التي ظهرت مع تطور أساليب الحرب، وإلى تحديث وتطوير أحكام اتفاقيات جنيف لتشمل النزاعات المسلحة غير الدولية (الحروب الأهلية)، اعتمدت الدول في عام 1977 بروتوكولين إضافيين:

- البروتوكول الإضافي الأول: المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية، وقد وضع قواعد مفصلة حول حماية السكان المدنيين أثناء الأعمال العدائية.

- البروتوكول الإضافي الثاني: المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية، وهو يمثل أول معاهدة دولية متعددة الأطراف تتناول بشكل مستقل الحماية في الحروب الأهلية.

كفل البروتوكول الإضافي الأول لأول مرة مبادئ منهجية للحماية تشمل: حظر الهجمات العشوائية، ومبدأ الاحتياط في الهجوم، وأهم ما في ذلك هو المادة 51 التي تتضمن الحماية العامة للسكان المدنيين. وقد رحب الخبراء بتطوير القانون الدولي الإنساني عن طريق اعتماد هذه البروتوكولات كوسيلة لوضع حد للإفلات من العقاب على جرائم الحرب.

2.3المبادئ الأساسية لحماية المدنيين

تستند حماية المدنيين في القانون الدولي الإنساني إلى ثلاثة مبادئ رئيسية، تُشكل الإطار المفاهيمي الذي توجه به أطراف النزاع سلوكها خلال العمليات العسكرية، وفيما يلي تفصيل لها.

أولاً – مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين: يُعد مبدأ التمييز العمود الفقري للقانون الدولي الإنساني، وهو حجر الأساس في البروتوكولين الإضافيين. ويقضي هذا المبدأ بوجوب تمييز أطراف النزاع في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. لا يجوز توجيه الهجمات إلا ضد المقاتلين والأهداف العسكرية فقط، ويحظر قانوناً استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية بشكل مباشر. المبادئ الرئيسية تشمل: الحظر التام للهجمات الموجهة ضد المدنيين كغرض أساسي، والالتزام بألا يكون الهدف غير محدد، أي ألا تستخدم وسائل أو أساليب حرب لا يمكن توجيهها ضد هدف عسكري محدد.

ثانياً – مبدأ التناسب في الهجوم: يمنع مبدأ التناسب الهجمات التي قد تسبب خسائر بشرية بين المدنيين أو أضراراً بالأعيان المدنية تكون "مفرطة بالمقارنة مع الميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة من الهجوم". وبعبارة أخرى، قد تكون هناك مبررات عسكرية لاستهداف هدف معين، ولكن إذا كانت الخسائر المتوقعة بين المدنيين مفرطة بالمقارنة مع الفائدة العسكرية، فإن الهجوم يصبح غير قانوني. يُعد انتهاك هذا المبدأ بشكل واضح جريمة حرب تقع ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية عندما يكون الإفراط واضحاً وبيّناً.

من النقاط الخلافية حول هذا المبدأ أنه يتضمن تقديراً ذاتياً محفوفاً بالمخاطر؛ فما تراه دولة ما "ميزة عسكرية ملموسة" يمكن أن تعتبره دولة أخرى أو منظمات حقوق الإنسان "تضحية مفرطة بحياة المدنيين". وكثيراً ما يُستخدم هذا الالتباس لتبرير هجمات أدت إلى سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين.

ثالثاً – مبدأ الاحتياط في الهجوم (اتخاذ التدابير الاحترازية): يتطلب من أطراف النزاع اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة قبل وأثناء الهجوم لتجنب الخسائر في أرواح المدنيين وإصاباتهم، أو على الأقل تقليلها إلى أدنى حد ممكن. ويشمل ذلك التحقق من طبيعة الهدف العسكري، واختيار وسائل وأساليب هجومية من شأنها تجنب أو تقليل الخسائر بين المدنيين، وإصدار تحذيرات مسبقة للهجمات التي قد تؤثر على المدنيين.

3. آليات حماية المدنيين وإنفاذ القانون الدولي الإنساني

تمثل آليات الرصد والمحاسبة الدولية الجانب الأكثر عملية في نظام حماية المدنيين، إذ لا قيمة للقواعد القانونية النظرية ما لم تكن هناك آليات قادرة على تطبيقها وردع منتهكيها.

3.1 دور مجلس الأمن والأمم المتحدة

يتولى مجلس الأمن، بصفته الهيئة الرئيسية المسؤولة عن حفظ السلم والأمن الدوليين، مسؤولية حماية المدنيين الذين يتعرضون لخطر الأذى الجسيم في حالات النزاع المسلح. وقد بات على مدار العقدين الماضيين يدرج في ولايات بعثات حفظ السلام تفويضاً صريحاً بـ "حماية المدنيين"، وهو ما حظي باهتمام متزايد لدى الأمم المتحدة. حاليًا، أكثر من 95% من قوات حفظ السلام اليوم مكلفة بولاية حماية المدنيين، والتي تشمل حماية الأطفال والحماية ضد العنف الجنسي المرتبط بالنزاع. وتمتد هذه الولاية لتشمل قوات حفظ السلام الصلاحية باستخدام جميع الوسائل الضرورية – بما في ذلك القوة القاتلة – لمنع أو للرد على التهديدات بالعنف الجسدي ضد المدنيين.

إلا أن المجلس غالباً ما يواجه مصاعب في اتخاذ إجراءات سريعة وفعالة بسبب استخدام حق النقض "الفيتو" من جانب الدول الدائمة العضوية، الأمر الذي يعطل قدرته على التدخل في بعض النزاعات الفعلية لحماية المدنيين.

3.2 دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر

تمثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر** المؤسسة الإنسانية الأكثر تأثيراً في مجال حماية المدنيين في النزاعات المسلحة. فهي ليست مجرد منظمة إغاثة، بل مُخولة بموجب اتفاقيات جنيف بولاية خاصة تشمل زيارة أسرى الحرب والسجناء، والمساعدة في reuniting العائلات المفرقة، وتعزيز المعرفة بالقانون الدولي الإنساني. لعبت اللجنة الدولية دورًا أساسيًا في تطوير قواعد القانون الدولي الإنساني وتنفيذ ومراقبة تطبيق هذه القواعد على أرض الواقع. ومن أهم مهامها أيضاً نشر المعرفة بالقانون الدولي الإنساني بطرق مبسطة تهدف إلى تثقيف أفراد القوات المسلحة والأطراف غير الحكومية حول واجباتهم تجاه حماية المدنيين.

3.3 دور المحكمة الجنائية الدولية

المحكمة الجنائية الدولية هي أول محكمة جنائية دولية دائمة أنشئت بموجب نظام روما الأساسي عام 1998، وتختص بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب أشد الجرائم خطورة التي تثير قلق المجتمع الدولي بأكمله: الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، وجريمة العدوان. تُعتبر الهجمات المتعمدة ضد السكان المدنيين أو الأعيان المدنية بمثابة جرائم حرب تقع ضمن اختصاص المحكمة.

كما تختص المحكمة بمحاكمة المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، كالهجمات الموجهة ضد المدنيين، أو الهجمات غير المتناسبة عمداً والتي تسبب إصابات مفرطة بين المدنيين. تعمل المحكمة وفق مبدأ التكامل، حيث يكون للدول الأعضاء الولاية الأساسية للمقاضاة، ولا تتدخل المحكمة إلا إذا كانت الدولة غير راغبة أو غير قادرة حقاً على القيام بذلك.

مع ذلك، يواجه عمل المحكمة انتقادات حادة، أبرزها محدودية اختصاصها الإقليمي (لا تشمل الدول غير الأطراف في نظام روما الأساسي إلا بقرار من مجلس الأمن)، وعدم فعالية آليات التنفيذ لديها (تعتمد على تعاون الدول لاعتقال المطلوبين)، الأمر الذي أعاق محاكمة عدد من كبار المسؤولين المتهمين بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين.

4. دراسة حالة: حماية المدنيين في النزاع المسلح في غزة

تقدم الأوضاع في قطاع غزة نموذجاً معاصراً بالغ الأهمية ومأساوياً في آنٍ واحد لفهم تعقيدات حماية المدنيين في النزاعات المسلحة، وللكشف عن الثغرات القاتلة بين النصوص القانونية والواقع العملي. بعد عامين من النزاع المسلح، أثرت الأعمال العدائية الشديدة بشكل عميق على غزة وسكانها، حيث قتل أو فقد أو أصيب عشرات الآلاف من المدنيين.

الصورة القاتمة التي رسمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر مروعة: مع تأثر أكثر من 80% من السكان بأوامر الإخلاء، ودفع المدنيين إلى مناطق أصغر فأصغر حيث يتعذر الوصول إلى الاحتياجات الأساسية، تحول البحث عن مرتبة نائمة أو مياه للشرب إلى معركة يومية من أجل البقاء. في هذا السياق، سعت الآليات الدولية للتدخل، ففي 12 يونيو 2025 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم ES-10/27 الخاص بحماية المدنيين والوفاء بالالتزامات القانونية والإنسانية، معربة عن قلقها البالغ من استمرار الوضع الإنساني الكارثي في قطاع غزة. كما دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى خطوات حاسمة لمنع حدوث الإبادة.

مع ذلك، لم تنجح هذه الآليات الدولية في تحقيق وقف مستدام لإطلاق النار أو فتح ممرات إنسانية آمنة تضمن حماية المدنيين بشكل فعال. هذه الفجوة الصارخة هي التي تثبت حاجة النظام القانوني الدولي إلى تطوير آليات أكثر إلزاماً وأقل تأثراً بالمصالح السياسية العليا.

5. تحديات حماية المدنيين في النزاعات المعاصرة

على الرغم من تقدم الإطار القانوني، لا تزال حماية المدنيين في النزاعات المسلحة تواجه عقبات كبرى على المستوى الدولي، لعل أبرزها:

أولاً – تطور أساليب الحرب وتقنياتها: تؤدي تكنولوجيا الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي خلق تحديات جديدة حول مفهوم "التحقق من الهدف العسكري"، حيث تبرز التساؤلات عن مدى دقة تحديد هوية المقاتلين في مناطق مأهولة بالمدنيين. كما تسمح هذه التقنيات بقدرة هائلة على المراقبة والقتل عن بُعد، لكنها لا تحل القضايا الأساسية للتمييز بين العسكريين والمدنيين.

ثانياً – الحروب السيبرانية:: تمثل الهجمات السيبرانية التي قد تستهدف البنى التحتية المدنية (كالمستشفيات، شبكات الطاقة، منظومات المياه) تهديداً جديداً يتطلب فهم كيفية تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني في الفضاء السيبراني. فهل يمكن اعتبار هجوم إلكتروني يعطل مستشفيات بأكملها انتهاكاً للمادة 51 من البروتوكول الأول بالتساوي مع غارة جوية تقليدية؟ هذا السؤال لا يزال مفتوحاً على نطاق واسع.

ثالثاً – صعوبة وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين: غالباً ما تُستخدم المساعدات كأداة ضغط سياسي في النزاعات المسلحة، حيث يحرم المدنيون من الغذاء والدواء كأسلوب حرب، ما يمثل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر تجويع السكان المدنيين.

رابعاً – الإفلات من العقاب: تظل هذه المعضلة هي أخطر التهديدات التي تواجه النظام القانوني كله. تفتقر المحكمة الجنائية الدولية إلى آليات تنفيذ قوية ومستقلة، وتعتمد بالكامل على تعاون الدول لاعتقال المطلوبين، كما أن مجلس الأمن غالباً ما يكون مشلولاً بسبب استخدام الفيتو. والنتيجة المحتومة: تزايد الانتهاكات ضد المدنيين دون ردع فاعل.

خامساً – النزاعات المسلحة غير الدولية: الحروب الأهلية والنزاعات الداخلية، التي تشكل الغالبية العظمى من النزاعات المعاصرة، تظل الأصعب من حيث التطبيق، لأن أطرافها غالباً ليست دولاً، وقد لا تكون ملتزمة بتطبيق القانون الدولي الإنساني بالقدر نفسه من الالتزام.

6. الخاتمة والتوصيات

يقدم القانون الدولي الإنساني إطاراً متكاملاً وراسخاً لحماية المدنيين في أوقات الحروب، إلا أن التحديات الكبيرة التي تواجه تطبيقه الفعال تظل حاجزاً لا يمكن تجاوزهم بسهولة. فقد تبين من خلال هذه الدراسة وجود فجوة حقيقية بين نصوص القانون الدولي الإنساني ومدى التزام أطراف النزاع بهذه النصوص على أرض الواقع. وأبرز العقبات هي تطور أساليب الحرب، والإفلات من العقاب، وضعف آليات التنفيذ الدولية.

بناء على ما سبق، توصي الدراسة بـ:

1. تفعيل آليات المساءلة الوطنية: يجب على الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف الوفاء بالتزاماتها بمقاضاة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، بدلاً من ترك الأمر كلياً للمحكمة الجنائية الدولية. إن تعزيز سيادة القانون على المستوى الوطني هو الدرع الأول لحماية المدنيين.

2تطوير القواعد القانونية لمواكبة التقنيات الجديدة: ضرورة العمل على وضع بروتوكولات أو مبادئ إرشادية توضح كيفية تطبيق مبادئ التمييز والتناسب على الأسلحة الجديدة (كالطائرات المسيرة، الأسلحة الموجهة بالذكاء الاصطناعي، والأسلوب السيبراني).

3تعزيز الحماية للمدنيين في النزاعات غير الدولية: هناك حاجة ماسة لتطوير آليات أكثر فاعلية لمراقبة تطبيق القانون الدولي الإنساني في النزاعات الأهلية، ربما من خلال توسيع ولاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر وأجهزة الأمم المتحدة.

4معالجة أزمة المساعدات الإنسانية: مطالبة مجلس الأمن بوضع آلية دائمة وسريعة لضمان وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين في جميع مناطق النزاع، دون انتظار الموافقات السياسية المتعثرة.

في النهاية، تظل إرادة الدول السياسية والعمل الجاد لمؤسسات المجتمع المدني هما العاملين الحاسمين في تحويل القواعد القانونية من نصوص نظرية إلى واقع عملي ينقذ أرواح المدنيين في أكثر لحظاتهم عُرضة للخطر.




المراجع:

الزعبي، خيام محمد & عبد القادر، محمد سراج. (2025). القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة. مجلة جامعة الفرات، العدد 71. ص ص. 1-21.

بومناد، هاجرة. (2023). الحماية المقررة للمدنيين في ظل القانون الدولي الإنساني والعقبات التي تواجهها على مستوى المجتمع الدولي. مجلة القانون والعلوم البينية، المجلد 2، العدد 2. ص ص. 516-527.

المقالات الأخيرة