يشهد العصر الراهن تحولًا جذريًا في طبيعة النزاعات المسلحة، مع تزايد الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية. تطرح هذه التطورات إشكاليات قانونية غير مسبوقة تتعلق بتحديد المسؤولية القانونية عند ارتكاب انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني بواسطة هذه الأنظمة.
في العقود الأخيرة، شهد العالم تطورًا تقنيًا متسارعًا على مستوى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فانتقلت هذه التقنية من حدود المختبرات الأكاديمية إلى صميم العمليات العسكرية الحيوية. فأصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي اليوم قادرة على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات، وتصنيف الأفراد والمباني وتوليد قوائم القتل في عمليات شبه مؤتمتة، مما أدى إلى تحول الحرب إلى "حرب خوارزمية" تخضع لقرارات خوارزمية سريعة قد تقلل من دور التقدير البشري.
لا شك أن هذا التحول يضع القانون الدولي الإنساني أمام تحدٍ وجودي، إذ تعود جذور هذا القانون إلى قرون مضت وقواعده صيغت على افتراض أن الفاعل الأساسي هو الإنسان المسؤول أخلاقيًا وقانونيًا عن أفعاله. فمبدأ المسؤولية الفردية الذي أرسته محاكم نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية، ومبادئ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية التي كرستها اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، كلها تظل قائمة على الفعل الإنساني والإرادة الإنسانية.
غير أن الاستقلالية المتزايدة لأنظمة الذكاء الاصطناعي تُلقي بظلالها على هذه المبادئ.ففي الحالات التي تقترب فيها الآلة من اتخاذ قرار القتل دون تدخل بشري مباشر، تتسع الفجوة بين واقع التطور التكنولوجي والمنظومة القانونية القائمة، مما يعيد تعريف مفاهيم الحرب والمسؤولية والنية والعدالة.
طبيعة الذكاء الاصطناعي في الصراعات المسلحة وإشكالية تحديد المسؤولية
1. الأسلحة ذاتية التشغيل: بين الواقع والطموح
تتخذ أنظمة الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري أشكالًا متعددة، تتفاوت درجات استقلاليتها بين التشغيل عن بعد بأنظمة تحكم بشرية، والأنظمة الذاتية التشغيل التي تستطيع اتخاذ القرارات وحدها.
لكن الإشكالية المركزية هنا: كيف يمكن تحميل نظام لا يتمتع بالشخصية القانونية المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب؟ وما مرجعية معاقبة "روبوت قاتل" خالف قانون النزاعات المسلحة؟ أسئلة تكشف، منذ البداية، عن فجوة هائلة في المنظومة الدولية، لأن نصوص قوانين اليوم وضعت أصلاً لمحاكمة البشر.
2. صور المسؤولية القانونية المحتملة
تعقدت مسألة تحديد المسؤول القانوني في ظل انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي. ذلك أنه لم يعد من السهل – كما كان في الحروب التقليدية – إرجاع الفعل غير المشروع إلى فرد معين.
إن غياب إطار قانوني واضح يحدد المسؤولية الجنائية الدولية عن الجرائم التي قد ترتكبها أنظمة ذكية دون تدخل بشري مباشر يهدد فعالية العدالة الدولية ويُضعف من قدرة المحاكم على المحاسبة.
_ أولاً: مسؤولية الدولة
تتحمل الدولة المسؤولية الدولية عن الأعمال غير المشروعة التي ترتكبها وحداتها العسكرية، بمن فيها الروبوتات المقاتلة. فهي التي تمول هذا النظام وتطوره وتقرر إطلاقه، لذا يجب ـ قانونياً وأخلاقياً ـ أن تتحمل الدولة النتائج، شرط الضرر الناجم عن عمل غير مشروع منسوب للدولة هو لب هذه المسؤولية.
_ ثانياً: مسؤولية القائد العسكري (القائد الأعلى)
في ظل غموض الإسناد المباشر للروبوت، تطفو على السطح نظرية "المسؤولية العليا". فالقائد العسكري الذي يأذن باستخدام هذه التقنية دون وضع ضوابط قانونية كافية يكون مسؤولاً. إهمال القائد في مراقبة نظام سلاح ذاتي التشغيل، يمكن أن يؤدي، في حالة حدوث مجازر، إلى مساءلته.
_ ثالثاً: مسؤولية المستخدم المُشغِّل
يثور التساؤل حول المسؤولية في حال استخدام النظام بصورة خاطئة، حتى لو كان النظام منتجاً بشكل قانوني. هل يمكن تحميل الجندي أو الضابط المسؤولية لانتهاكه أوامر صارمة باستخدام السلاح؟ نعم، لكن المشكلة تبرز حين يتصرف الجندي ضمن سلسلة القيادة بتفويض متزايد للآلة.
_ رابعاً: مسؤولية المطورين والمصممين (مسؤولية المنتج والمبرمج)
ربما أكثر الصور ابتكاراً وجدلاً هي مسؤولية أولئك الذين يديرون البرامج. وهو ما يوصف بمسؤولية غير مباشرة عن أخطاء التصميم القاتلة. فهؤلاء قد يكونون جزءاً من سلسلة السببية في الجريمة.
إذا تعمدت شركة تقنية تصميم نظام ذكاء اصطناعي ذوعيوب جسيمة مع توقع معقول بأنه سيخلف ضحايا مدنيين بلا داعٍ، فإنها تتحمل مسؤولية معادلة لارتكاب جريمة حرب.
3. مكامن القصور في القواعد التقليدية
تكشف التجارب الميدانية الحديثة الكثير من الإخفاقات. فاستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي مثل (Lavender) في الحرب على غزة، حوّل الصراع إلى حرب خوارزمية أدت لانتهاك مبادئ القوانين الدولية.
فبينما تقتضي اتفاقيات جنيف والعرف الدولي مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، تظل التساؤلات قائمة حول قدرة الأنظمة الذكية على التمييز بشكل قاطع.
علاوة على ذلك، صُممت المحاكم الحالية لمحاكمة البشر. فكيف ستفسر أركان الجريمة الأساسية (كالنية الجنائية) عند عدم وجود شخص؟ هذا التحدي دفع العديد من الباحثين للحديث عن "غموض الإسناد الجنائي" في هذه النوعية من النزاعات.
الآليات والثغرات في إطار المساءلة الحالي
1. التنظيم الدولي القائم:
القانون الدولي الإنساني الحالي، لاسيما اتفاقيات جنيف الأربع (1949) وبروتوكوليها الإضافيين (1977)، لا يتضمن أحكاماً واضحة تتناول أنظمة الأسلحة المستقلة.
ثمة اتفاقيات أخرى تعالج بعض جوانب الأسلحة، إلا أن التطورات الكبيرة في الذكاء الاصطناعي فاقت روح النصوص.
2. اللجنة الدولية للصليب الأحمر والجهود الحوارية
منذ سنوات، تناقش الدول في إطار اتفاقية أسلحة تقليدية معينة (CCW) في جنيف، مسألة الأنظمة الفتاكة الذاتية التشغيل. لكن على الرغم من آليات الحوار، هناك إخفاق في الوصول إلى صك ملزم.
لقد تمت صياغة توصيات إرشادية غير ملزمة، تؤكد على ضرورة بقاء الإنسان في مسار اتخاذ القرار.
3. فجوات خطيرة تهدد مشروعية الإطار القائم
غياب آلية إلزامية، وغياب تعريف دولي موحد لمصطلح "السيطرة البشرية الفعالة"، وعدم وجود آلية محددة لمراجعة الأسلحة قبل تطويرها.
نحو إطار دولي ملزم لتنظيم المسؤولية القانونية
1. المبادئ الحاكمة للإطار المقترح
- أولاً: مبدأ التحكم البشري الفعال، إذ إنه لا يمكن تسليم زمام الأمور كلياً للآلة. فأي استخدام للذكاء الاصطناعي في العمليات الهجومية يجب أن يكون الرجل الخلفي فيه هو إنسان قادر على إلغاء القرار.
- ثانياً: مبدأ الشفافية الخوارزمية. من غير الممكن محاسبة نظام لا نعرف كيف يفكر أو كيف يقرر.يجب أن تكون البيانات التي اعتمد عليها النظام في ضرب هدف معين، وكيفية توصله لتلك النتيجة، قابلة للفحص من القضاء العسكري والدولي.
- ثالثاً: توسيع دوائر المسؤولية. يجب أن تتوسع دائرة الملاحقة الجنائية بحيث تشمل (المهندسين المطورين والمصممين)، وبالتأكيد القادة العسكريين.
- رابعاً: إمكانية إضفاء الشخصية القانونية الجزئية. يُثار نقاش طموح حول إمكانية إضفاء شخصية قانونية على الخوارزميات، لكن العرف القانوني لا يزال متحفظاً، مع إقراره بوجود خلل تنظيمي متزايد.
2. الإطار المؤسسي والتشريعي المقترح
نقترح صياغة معاهدة دولية جديدة (بروتوكول إضافي لاتفاقيات جنيف أو اتفاقية مستقلة) ملزمة، بحيث تحتوي على:
- تعريف دولي موحد للأنظمة العسكرية المحظورة.
- حظر تطوير أو نشر أنظمة لا يمكن التنبؤ بسلوكياتها.
- تجريم انتهاكاتها كجرائم حرب إذا نتجت عن إهمال جسيم.
وتكثيف جهود المحكمة الجنائية الدولية لاستقبال هذه الأدلة.
3. ملامح مختصرة للنظام الجنائي الإلكتروني
هناك ضرورة لإنشاء آلية معتمدة لدى المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية، تُختص بأدلة إثبات الجرائم الإلكترونية والحاسوبية.
قد يتوسع الأمر إلى إنشاء دائرة متخصصة للقضايا التي يشوبها تعقيد يتعلق بالذكاء الاصطناعي، مزودة بخبراء في الحوسبة وخبراء قانونيين.
لخصت هذه الدراسة إلى عدة نتائج يمكن إجمالها فيما يلي:
_ يتسم واقع المسؤولية القانونية عن جرائم الذكاء الاصطناعي بعدم وضوح الرؤية القانونية؛ بسبب خلل في القواعد التقليدية وفجوة تشريعية خطيرة.
_ غياب إطار دولي ملزم حول المساءلة في جرائم الحرب بالذكاء الاصطناعي يخلق حالة من الإفلات من العقاب.
_ يمكن توزيع المسؤولية حالياً عبر مفاهيم المسؤولية التقليدية (مسؤولية الدولة، القادة، المشغلين، والمطورين) بشرط إضافة مبادئ الشفافية الخوارزمية.
_ تتسع مسؤولية الدولة عن أضرار تلك الأنظمة تماماً كما تتسع مسؤوليتها عن سلاح تقليدي معيب أو عمل غير مشروع.
بناءً على ما سبق، توصي الدراسة بالآتي:
- الدعوة إلى مؤتمر دولي عاجل لصياغة معاهدة دولية ملزمة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة وتحدد صور المسؤولية القانونية بشكل واضح.
- إدراج جرائم الذكاء الاصطناعي كنوع مستقل من الجرائم الدولية في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، أو وضع بروتوكول ملحق به.
- تبني مبدأ "السيطرة البشرية الفعالة" كقاعدة آمرة في أي استخدام للذكاء الاصطناعي في العمليات الهجومية، على أن يكون الإنسان قادراً على تجاوز قرارات الآلة.
- إلزام الدول بمراجعة أنظمتها الذكية وفقًا للمادة 36 من البروتوكول الأول الإضافي، قبل تطويرها أو نشرها.
- إنشاء آلية متخصصة ضمن منظومة المحكمة الجنائية الدولية للتعامل مع الأدلة الرقمية والخوارزمية، وبحث إمكانية منح الخبراء التكنولوجيين صفة الخبراء القضائيين المعتمدين.
لقد أظهرت لنا إخفاقات الحروب الخوارزمية في غزة و"المذبحة عبر الأكواد البرمجية" أن تكنولوجيا المستقبل تجاوزت تشريعات الحاضر.
إذا كانت الحروب قد انتقلت من عصر البارود إلى عصر الرقائق الإلكترونية، فإن العدالة يجب ألا تتخلف عن الركب، بل عليها أن تسارع إلى تحديث نفسها لتظل قادرة على تحقيق مقاصدها السامية: حماية الإنسانية من أعتى صور العنف، أياً كانت الوسيلة.
المراجع
_ الغامدي، خالد بن صالح. "المسؤولية الجنائية الدولية عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في ارتكاب جرائم دولية ضد المدنيين أثناء النزاعات المسلحة." مجلة جامعة العلوم والتكنولوجيا، فبراير 2026.
_ الشاعر، نضال. "نحو إقرار قواعد للمسؤولية الجزائية عن جرائم الذكاء الاصطناعي." PUSEK, Kaslik, 2025.
