كيف توظف دبلوماسية القمة في تعزيز النفوذ الدولي في أفريقيا؟
فرع بنغازي

تلعب ما تُعرف بـ"دبلوماسية القمم" دوراً بارزاً في سياق مساعي القوى الدولية الفاعلة لتعزيز علاقاتها وانخراطها بشكل قوي في الساحة الأفريقية؛ حيث تُعقَد خلال عام 2026 أكثر من (12) قمة أفريقية مختلفة مع الشركاء الدوليين، وسط إدراك أفريقي بأن هذه الشراكات تهدف إلى تعزيز مكانة أفريقيا ونفوذها على المستوى الدولي. وتكتسب هذه القمم أهمية مضاعفة في عام 2026 الذي يشهد تحولات جوهرية في إطار السياقات المعقدة والمتشابكة للنظام الدولي، وهي التحولات التي لم تكن أفريقيا بعيدة عن تأثيراتها في كل المراحل الزمنية؛ وذلك في ضوء احتدام التنافس الدولي عليها، وتدافُع المزيد من القوى الدولية نحو إعادة ترتيب أولوياتها واستراتيجياتها تجاه أفريقيا، بما يعزز نفوذها ومصالحها الحيوية هناك، لا سيما مع الاهتمام الدولي المتنامي بتأمين الحصول على المعادن الحيوية التي تزخر بها معظم الدول الأفريقية.

ومن ثم، فإن ثمة إدراكاً لدى المجتمع الدولي بأهمية "دبلوماسية القمم" باعتبارها أداة دبلوماسية مهمة، وبالرغم من كونها ليست أمراً جديداً، فإنها اكتسبت بعداً مهماً عبر توظيفها كأداة داعمة لتعزيز نفوذ القوى الكبرى – وحتى المتوسطة – في القارة الأفريقية، وهو ما يجعلها أداة رئيسية لتعزيز الطموحات الجيوسياسية للساعين من أجل موطئ قدم استراتيجي في أفريقيا.

وتعود نقطة انطلاق هذه النمط من الدبلوماسية إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما نظمت فرنسا في عام 1973 "قمة فرنسا-أفريقيا"، التي توسعت من كونها تضم الدول الناطقة بالفرنسية لتشمل دول القارة بأكملها، على غرار ما شهدته قمة "أفريقيا إلى الأمام" التي استضافتها العاصمة الكينية نيروبي في مايو 2026. وجاءت بعدها اليابان التي أطلقت مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية الأفريقية "تيكاد" في عام 1993، ثم أعقبه منتدى التعاون الصيني الأفريقي "فوكاك" في عام 2000، وهو العام الذي أطلق فيه الاتحاد الأوروبي أول قمة مع أفريقيا في القاهرة. ثم سارعت العديد من القوى والدول الأخرى إلى إطلاق القمم والمنتديات المشتركة مع أفريقيا، مثل الهند وتركيا في عام 2008، بالإضافة إلى الولايات المتحدة التي أطلقت أول قمة "واشنطن-أفريقيا" في عام 2014 في عهد إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق "باراك أوباما"، وإيطاليا والمجر وإندونيسيا وغيرها.

وتُعَد أجندة عام 2026 مزدحمة بتوقيت انعقاد العديد من القمم والمنتديات في خضم منافسات جيوسياسية متنامية في السياق الأفريقي؛ فقد استضافت أديس أبابا "القمة الإيطالية الأفريقية الثانية" في فبراير 2026، كما تعاونت باريس مع نيروبي في إطلاق "القمة الفرنسية الأفريقية" في مايو 2026، في أول قمة تُعقد خارج نطاق التكتلات الفرانكفونية، بينما تأجل انعقاد "قمة الهند-أفريقيا الرابعة" التي كان مقرراً عقدُها في العاصمة نيودلهي في الفترة من 28 إلى 31 مايو 2026، بسبب المخاوف من انتقال فيروس إيبولا الذي تفشى في عدد من المناطق الأفريقية، في حين أن من المنتظر أن تنعقد "قمة الأعمال الأمريكية الأفريقية" في الفترة من 26 إلى 29 يوليو 2026 في موريشيوس، كما ستُجرَى أعمال "قمة ألمانيا-أفريقيا" في الفترة من 23 إلى 25 نوفمبر 2026، فيما تستضيف ليبيا "القمة التركية الأفريقية الرابعة" خلال عام 2026. ومن المقرر انعقاد منتدى التعاون الصيني الأفريقي العاشر "فوكاك" في الكونغو الديمقراطية بحلول عام 2027.

أهداف جيوسياسية

لا تزال قمم "أفريقيا+1" تتوسع باستمرار في ضوء انخراط العديد من الفاعلين الجدد في أفريقيا، وهو أمر مرتبط في الأساس بأهداف جيوسياسية تتعلق ببناء النفوذ والمكانة والاستيلاء على الثروات الأفريقية، وتسعى القوى الكبرى التقليدية والحديثة إلى تحقيقها. ومن ثم، يمكن الإشارة إلى أبرز الدوافع التي تسهم في استمرار وتوسع هذه القمم في السياق الأفريقي على النحو التالي:

 

1- أهمية أفريقيا الجيوستراتيجية: هناك إدراك لدى المجتمع الدولي بالأهمية الاستراتيجية التي تتمتع بها القارة الأفريقية، ومن ثم، لا يمكن بأي حال عزلها عن المناقشات حول القضايا العالمية المحورية، بما في ذلك مستقبل الطاقة والتكنولوجيا والصناعة، لا سيما أن أفريقيا تسهم بشكل كبير في الصناعات المتقدمة، بما في ذلك التكنولوجيا الدقيقة؛ نظراً إلى ما تتمتع به من ثروة وفيرة في المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة التي يتصارع لأجل الاستيلاء عليها القوى الصناعية الكبرى والناشئة أيضاً؛ إذ تمثل أفريقيا واحدة من أسرع مناطق العالم نمواً من حيث عدد السكان والإمكانات الاقتصادية، وهي موطن لبعض أهم الأسواق الناشئة والموارد الاستراتيجية في العالم. وتضمن التركيبة السكانية لأفريقيا ومواردها الحيوية أن تصبح كتلة كبيرة وذات نفوذ لا يمكن تجاهلها، مع احتمال أن يكون ربع سكان العالم من الأفارقة بحلول عام 2050. ومن ثم، تدرك القوى الدولية ضرورة التعاون مع أفريقيا، وتُوظِّف هذه القمم لبناء العلاقات معها، وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني.

2- إعادة إحياء النفوذ الغربي بأفريقيا: شهدت أفريقيا خلال السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً للنفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا والساحل، بما أثر سلباً على مكانتها في القارة؛ الأمر الذي دفعها إلى عقد قمة نيروبي في مايو 2026 بهدف محاولة إعادة ضبط العلاقات مع الدول الأفريقية. في ذات السياق، تسعى واشنطن وإدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" منذ توليه السلطة إلى اللحاق بركب التنافس الدولي المتصاعد في أفريقيا؛ وذلك من خلال استضافة قمة أفريقية مصغرة مع بعض القادة الأفارقة من دول الجابون وغينيا بيساو وليبيريا والسنغال وموريتانيا في عام 2025، وترقب انعقاد "قمة الأعمال الأمريكية الأفريقية" في يوليو 2026؛ وذلك في إطار مساعي واشنطن لإعادة ترسيخ وجودها في أفريقيا، والتصدي للنفوذين الصيني والروسي في القارة، والحيلولة دون احتكار بكين السيطرة على المعادن الحيوية الأفريقية.

3- صراع الأجندات الدولية في القارة: تُسارع القوى المتنافسة في الساحة الأفريقية، من خلال تلك القمم، نحو فرض أجنداتها على الدول الأفريقية، بما يعزز مكاسبها الاستراتيجية في المدى المتوسط على الأقل. ومن ثم، فإن استمرارية انعقاد تلك القمم مع أفريقيا من شأنه أن يضمن تأمين المصالح الحيوية للقوى الفاعلة هناك، وهو ما قد يؤدي إلى تضارب المصالح الدولية في أفريقيا، وربما يترتب عليه زعزعة أمن واستقرار دول القارة.

4- إعادة تشكيل الشراكات مع أفريقيا: تدرك القوى الدولية أهمية ضمان ولاء التكتلات التصويتية الأفريقية في المحافل الدولية المختلفة؛ وذلك في ضوء تشابك وتعقُّد أزمات النظام الدولي منذ اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية وصولاً إلى الحرب الإيرانية في الشرق الأوسط، وما يتطلبه ذلك من عمليات حشد وتعبئة للمجتمع الدولي للدفاع عن مواقف وقضايا معينة في الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية الفاعلة. ومن ثم، تحاول القوى الكبرى، من خلال تلك القمم، إعادة تقديم نفسها كشريك مفضل للأفارقة فيما يتعلق بالتعاون المشترك في القطاعات الحيوية، مثل الاقتصاد والأمن والمعادن الحيوية وغيرها.

5- ضمان موطئ قدم استراتيجي: عزز تصعيد الموقف في الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة من تنامي القيمة الاستراتيجية لأفريقيا، بما في ذلك الممرات والمضايق المائية وكذلك الموانئ البحرية الاستراتيجية، وخاصةً في شرق أفريقيا عند مضيق باب المندب؛ ولذلك، تسعى القوى الفاعلة إلى إبرام العديد من الصفقات الاقتصادية والأمنية، وتنفيذ العديد من المشروعات في القطاعات الاستراتيجية، مثل البنية التحتية والنفط والمعادن الحيوية، في سبيل ربط الأفارقة بأجندات تلك القوى، ومن ثم تسهيل تحركاتها في المناطق الاستراتيجية، بما في ذلك التسهيلات الأمنية عند نقاط الاختناق البحرية الاستراتيجية.

6- دحض الخطاب المناهض للغرب: تزداد النزعة الاستغلالية لدى القوى الدولية متمثلة في استثمار حاجة الأفارقة إلى المزيد من المساعدات والمشروعات والصفقات اللازمة للتنمية في بلدانهم، بما في ذلك البنية التحتية والطاقة وغيرهما، عن طريق فرض المزيد من المشروطيات السياسية والاقتصادية وفيما يتعلق بمسألة حقوق الإنسان، كما يعتقد الغرب أن استمرار الاعتمادية من جانب الأفارقة على القوى الدولية يسهم في دحض واحتواء أي خطاب قومي مناهض للوجود والتدخل الأجنبي في الدول الأفريقية، وهي موجة تصاعدت خلال السنوات الأخيرة مع صعود بعض النخب العسكرية الجديدة في منطقة الساحل منذ اندلاع سلسلة الانقلابات العسكرية في عام 2020، بما يشكل خطراً على المصالح الدولية التي تعتمد في الأساس على الموارد والثروات الأفريقية على مدار عقود وقرون مضت.

تقييمات متباينة 

غالباً ما تُعد دبلوماسية القمم إحدى الأدوات الاستراتيجية المهمة في الدبلوماسية الدولية في أفريقيا؛ إذ تتيح للقادة والحكومات الانخراط في حوارات مباشرة وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، بما في ذلك إدارة النزاعات وتسويتها. ومن هذا المنطلق، يرى الاتحاد الأفريقي أن هذه القمم تعكس إعادة تموضع استراتيجية للقارة داخل النظام الدولي. وثمة من يُفسر انخراط الدول الأفريقية في قمم "أفريقيا +1" باعتباره وسيلة لتحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، أبرزها جذب الاستثمارات الأجنبية، وتنويع الشركاء الدوليين بدلاً من الاعتماد على شريك واحد، فضلاً عن توفير منصة للقادة الأفارقة للتعبير عن مخاوفهم إزاء القضايا التي تمس مصالح القارة، مثل الديون والقروض، كما تمنح هذه القمم بعض القادة فرصة لتعزيز صورتهم ومكانتهم على الساحة الدولية.

في المقابل، يتبنى اتجاه آخر رؤية سلبية لقمم "أفريقيا +1"، معتبراً أنها تُظهر أفريقيا في صورة الطرف الساعي إلى المساعدات، بما يكرِّس اختلال موازين القوى مع الدول الغربية، كما يرى أصحاب هذا الاتجاه أن هذه القمم تتيح للقوى الكبرى الوصول إلى الثروات والموارد الأفريقية، بما في ذلك النفط والمعادن الحيوية، عبر صفقات ومذكرات تفاهم قد لا تُحقِّق بالضرورة مصالح الشعوب الأفريقية بالقدر المأمول. إضافةً إلى ذلك، يعتقد كثيرون أن هذه القمم تبدو منفصلة عن الواقع المعيشي للمجتمعات الأفريقية؛ الأمر الذي يثير شكوكاً بشأن جدية الخطابات والتصريحات الصادرة عن القادة المشاركين فيها. ومن ثم، ينظر إليها البعض باعتبارها استعراضات دبلوماسية تهدف إلى إبهار الرأي العام الأفريقي أكثر من كونها منصات مؤسسية قادرة على تحويل مخرجاتها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

كما تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى القوى الغربية بدعوى تجاهلها الأولويات الاستراتيجية للحكومات الأفريقية، وسعيها إلى فرض أجنداتها الخاصة بما يخدم مصالحها الضيقة على حساب المصالح الأفريقية. بل إن بعض المراقبين يرون أن هذه القمم تحولت تدريجياً إلى أداة تستخدمها القوى الكبرى للتأثير في مواقف القادة الأفارقة وضمان اصطفافهم في مواجهة خصومها الاستراتيجيين.

وفي ضوء ذلك، تتزايد المطالبات داخل أفريقيا بضرورة الكف عن التعامل مع القارة باعتبارها ساحة للتنافس الجيوسياسي، أو سلعة تتنازعها القوى الدولية، والنظر إلى الدول الأفريقية على أنها تمتلك السيادة الكاملة على مواردها وثرواتها، ولها الحق في اختيار شركائها وفق مبدأ "الكل رابح"، بما يسهم في تعزيز التنمية المستدامة وتحقيق المصالح المشتركة خلال السنوات المقبلة.

أداة محورية

إجمالاً، تظل قمم "أفريقيا +1" أعلى منصة مؤسسية للتعاون بين القوى الدولية والدول الأفريقية، وإحدى أبرز الآليات الدبلوماسية لتطوير العلاقات بين الجانبين، غير أن فاعلية هذه القمم ومدى قدرتها على تحقيق مكاسب متبادلة لجميع الأطراف تظل محل تساؤل، لا سيما في ظل استمرار تجاهل بعض القوى الدولية أولويات الأفارقة واحتياجات التنمية في القارة، فضلاً عن محدودية ترجمة التعهدات والخطط المعلنة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. ومع ذلك، من المرجح أن تستمر هذه القمم في الانعقاد خلال السنوات المقبلة، بما يعزز مكانتها كأحد أبرز تجليات التنافس الدولي في أفريقيا، كما يُتوقع أن يستمر حرص القوى المنخرطة في القارة على عقد هذه القمم بصورة دورية، بالنظر إلى ما تمثله من أداة استراتيجية مهمة لترسيخ النفوذ في أفريقيا، خاصةً في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها ديناميكيات النظام الدولي الراهن.

 

المراجع

_ احمد عسكر، 10/6/2026، كيف تُوظَّف دبلوماسية القمة في تعزيز النفوذ الدولي في أفريقيا؟، انترريجونال للدراسات الاستراتيجية.

Suleiman, M. R., & Omojuwa, K. (2025). A Postcolonial Analysis of the One Plus-Africa Summits: A New Scramble for Africa? Global South Review.

 

 
المقالات الأخيرة