شهدت العلاقات الدولية خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة لم تقتصر على موازين القوى أو طبيعة الصراعات التقليدية، بل امتدت إلى أنماط الخطاب السياسي وأساليب إدارة التنافس بين الدول والفاعلين السياسيين وفي هذا السياق، برزت ظاهرة التنمر السياسي باعتبارها أحد المظاهر المتنامية التي تعكس تراجع لغة الدبلوماسية والحوار، مقابل تصاعد خطاب الإقصاء والتهديد والتشهير والاستقواء السياسي والاقتصادي والإعلامي. ولم تعد هذه الظاهرة تقتصر على التفاعلات الداخلية بين القوى السياسية، وإنما أصبحت حاضرة بقوة في العلاقات الدولية من خلال توظيف العقوبات والضغوط العسكرية والاقتصادية والحملات الإعلامية كوسائل لفرض الإرادة السياسية وتحقيق المصالح الاستراتيجية وتتناول هذه الدراسة مفهوم التنمر السياسي، وأبرز صوره وتجلياته في البيئة الدولية، والعوامل التي أسهمت في انتشاره، فضلًا عن انعكاساته على استقرار النظام الدولي ومستقبل العلاقات بين الدول.
دوافع تصاعد الإكراه السياسي
يمثل التنمر السياسي أحد المفاهيم الحديثة نسبيًا في حقل العلاقات الدولية، إلا أن مضمونه يرتبط بممارسات سياسية قديمة تقوم على الاستعلاء والإقصاء والضغط والإساءة المتعمدة بهدف إضعاف الخصوم أو فرض الإرادة السياسية عليهم ويأخذ هذا السلوك أشكالًا متعددة، تبدأ من استخدام الخطاب الإعلامي العدائي والتشهير بالخصوم، ولا تنتهي عند توظيف أدوات القوة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية لإجبار الدول الأخرى على تبني سياسات تخدم مصالح القوى الأكثر نفوذًا. وقد أدى انتشار وسائل التواصل الاجتماعي إلى توسيع نطاق هذه الظاهرة، حيث أصبحت المنصات الرقمية فضاءً مفتوحًا لحملات التشويه والسخرية والتحريض، سواء ضد الشخصيات السياسية أو الدول والمؤسسات. كما ساهم تراجع الخطاب الدبلوماسي التقليدي وصعود الخطابات الشعبوية في تعزيز مظاهر التنمر السياسي، ليصبح أحد أدوات إدارة الصراع السياسي داخليًا وخارجيًا. ومن ثم، لم يعد التنمر السياسي مجرد سلوك عابر، بل تحول إلى وسيلة للتأثير في الرأي العام وإعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ داخل النظام الدولي، الأمر الذي يفرض تحديات متزايدة أمام قواعد القانون الدولي وأسس العلاقات الدبلوماسية القائمة على الاحترام المتبادل.
انعكاسات السياسات على الاستقرار
اتخذ التنمر السياسي خلال السنوات الأخيرة صورًا متعددة تعكس طبيعة التحولات التي يشهدها النظام الدولي. فعلى المستوى الداخلي، برزت حملات التشهير والإساءة المنظمة ضد شخصيات سياسية وبرلمانية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بهدف التأثير في صورتها العامة وتقويض فرصها السياسية، كما حدث في عدد من الدول الأوروبية والعربية. أما على المستوى الدولي، فقد استخدمت بعض القوى الكبرى أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري لإجبار دول أخرى على تبني مواقف محددة، وهو ما دفع العديد من الحكومات إلى وصف هذه السياسات بأنها شكل من أشكال "التنمر السياسي". وفي المقابل، برزت اتهامات متبادلة بين الولايات المتحدة والصين وإيران وروسيا بشأن ممارسة الضغوط الأحادية والعقوبات الاقتصادية والحروب التجارية. كما امتد المفهوم إلى الفضاء الإلكتروني، حيث تبنت عدة دول تشريعات وإجراءات تستهدف الحد من التنمر الإلكتروني، خصوصًا ضد الأطفال والمراهقين، وهو ما يعكس انتقال الظاهرة من المجال السياسي التقليدي إلى المجال الرقمي، لتصبح أكثر تعقيدًا وتأثيرًا في المجتمعات والعلاقات الدولية على حد سواء.
دوافع الانتشار الدولية
يرتبط الانتشار المتزايد للتنمر السياسي بجملة من التحولات البنيوية التي يشهدها النظام الدولي في السنوات الأخيرة. فقد أسهم صعود التيارات الشعبوية في عدد من الديمقراطيات الغربية في ترسيخ خطاب سياسي يقوم على الاستقطاب والتخوين وإضعاف الخصوم، بدلًا من الحوار والتوافق. كما أدى تراجع فاعلية المؤسسات الدولية وضعف آليات تنفيذ القانون الدولي إلى تشجيع بعض القوى الكبرى على استخدام أدوات الضغط والإكراه لتحقيق أهدافها الاستراتيجية دون خشية من المساءلة. وإلى جانب ذلك، ساهمت الثورة الرقمية وانتشار منصات التواصل الاجتماعي في تضخيم الخطابات العدائية وإعادة إنتاجها بصورة سريعة، مع تراجع الضوابط المهنية والأخلاقية في تداول المعلومات. كما عززت المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى، والحروب التجارية، والصراعات الإقليمية، من الاعتماد على أساليب الضغط السياسي والاقتصادي بوصفها أدوات منخفضة التكلفة مقارنة بالمواجهة العسكرية المباشرة. ونتيجة لذلك، أصبح التنمر السياسي جزءًا من أدوات إدارة النفوذ والصراع، سواء داخل الدول أو في العلاقات الدولية، في ظل بيئة دولية تتسم بارتفاع مستويات الاستقطاب وتراجع الثقة بين الفاعلين الدوليين.
التداعيات السياسية المستقبلية
يحمل استمرار انتشار التنمر السياسي انعكاسات واسعة على مستقبل الاستقرار السياسي والأمني، سواء على المستوى الوطني أو الدولي فعلى الصعيد الداخلي، يؤدي إلى تعميق الانقسامات المجتمعية، وتآكل الثقة في المؤسسات، وإضعاف المشاركة السياسية، نتيجة تحول المنافسة السياسية إلى حملات تشهير وإقصاء شخصي بدلًا من التنافس حول البرامج والسياسات العامة. أما على المستوى الدولي، فإنه يسهم في زيادة حدة التوتر بين الدول، وتصاعد الحروب التجارية، وتوسيع دائرة العقوبات الاقتصادية فضلًا عن تشجيع تشكيل تحالفات جديدة لمواجهة الضغوط السياسية والعسكرية التي تمارسها القوى الكبرى. كما يهدد هذا السلوك فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد القانون والتعاون متعدد الأطراف، ويعزز منطق القوة على حساب الحوار والتسوية السلمية للنزاعات. ومع استمرار التطورات التكنولوجية واتساع تأثير الإعلام الرقمي، من المرجح أن تتزايد مظاهر التنمر السياسي بأشكال أكثر تعقيدًا، وهو ما يفرض ضرورة تطوير أطر قانونية وأخلاقية أكثر فاعلية لمواجهة هذه الظاهرة، وتعزيز ثقافة الاحترام المتبادل، وترسيخ مبادئ السيادة وعدم التدخل، بما يسهم في الحد من التوترات الدولية ودعم الاستقرار الإقليمي والعالمي.
ختاماً: خلصت الدراسة إلى أن التنمر السياسي لم يعد مجرد سلوك فردي أو خطاب إعلامي عابر، بل أصبح أحد الأدوات المستخدمة في إدارة الصراعات والمنافسة على النفوذ داخل الدول وفي العلاقات الدولية. وقد أسهمت التحولات التي يشهدها النظام الدولي وصعود الشعبوية، وتراجع فاعلية المؤسسات الدولية، واتساع تأثير وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، في ترسيخ هذه الظاهرة وتوسيع نطاقها. كما أظهرت النماذج المختلفة أن التنمر السياسي يتخذ أشكالًا متعددة، تتراوح بين الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، وصولًا إلى حملات التشهير والإساءة الإلكترونية، بما ينعكس سلبًا على الاستقرار السياسي والثقة المتبادلة بين الدول. ومن ثم، فإن الحد من هذه الظاهرة يتطلب تعزيز احترام قواعد القانون الدولي، ودعم المؤسسات متعددة الأطراف، وترسيخ ثقافة الحوار والتسوية السلمية للنزاعات، بما يسهم في بناء نظام دولي أكثر توازنًا واستقرارًا، ويحد من توظيف القوة والإكراه كوسيلة لإدارة العلاقات الدولية.
المصدر: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : د. محمد عز العرب
التاريخ : 31/7/2026
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: صحيفة البناء
الكاتب : د. فاطمة علي الموسوي
التاريخ : 9/6/2026
