يمثل الباب الثامن من ميثاق الأمم المتحدة (المواد 52-54) الإطار القانوني الأولي الذي أسس لشراكة المنظمة العالمية مع المنظمات الإقليمية في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين. فقد أقر الميثاق بأن المنظمات الإقليمية يمكنها أن تقوم بدور في تسوية المنازعات المحلية، شريطة أن تكون أعمالها متوافقة مع مقاصد ومبادئ الأمم المتحدة، وأن تظل تحت إشراف مجلس الأمن. منذ بداية التسعينيات، ومع تحول طبيعة الصراعات من حروب بين الدول إلى نزاعات داخلية معقدة، تزايدت الدعوات إلى إعادة تفعيل هذا الإطار وجعل الشراكة أكثر عملية وفعالية. وقد وجدت الأمم المتحدة نفسها مضطرة للبحث عن أذرع إقليمية يمكنها تحمل جزء من عبء حفظ السلام، إما لتخفيف الضغط على ميزانية عمليات السلام، أو لتوفير شرعية إقليمية ودراية بالسياق المحلي.
غير أن هذه الشراكة، رغم أهميتها القصوى، لم تخل من تحديات جمة لا تزال تعيق فعاليتها حتى يومنا هذا. الإشكالية المركزية التي يعالجها هذا البحث تتمثل في السؤال التالي: ما هي التحديات الرئيسية التي تواجه الشراكة بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية في عمليات حفظ السلام؟ وكيف تختلف طبيعة هذه التحديات باختلاف النموذج الإقليمي (أفريقي - أوروبي - عربي)؟ وما السبل الممكنة لتجاوزها بناءً على الممارسات المقارنة؟
تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن التحديات التي تواجه الشراكة لا تتعلق فقط بفجوات الموارد المالية واللوجستية، بل تمتد إلى أبعاد مؤسسية وسياسية وقانونية عميقة مرتبطة بالتباين في المفاهيم والمعايير وآليات صنع القرار بين الأمم المتحدة من جهة، والمنظمات الإقليمية من جهة أخرى، وأن نجاح الشراكة يتوقف على القدرة على تحقيق توافق في هذه المستويات الثلاثة. للإجابة عن هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة على منهج تحليلي مقارن يركز على نموذجين رئيسيين: الشراكة مع الاتحاد الأفريقي (باعتبارها الأكثر تعقيداً والأكثر احتياجاً للدعم الخارجي)، والشراكة مع الاتحاد الأوروبي (باعتبارها الأكثر نضجاً من حيث الموارد والخبرة المؤسسية)، مع إشارات مقارنة إلى جامعة الدول العربية. تنبع أهمية الدراسة من أن فعالية هذه الشراكات تشكل عاملاً حاسماً في نجاح أو فشل عمليات حفظ السلام المعاصرة، لا سيما في ظل تنامي الأعباء على الأمم المتحدة واتساع الفجوة بين المهام والموارد المتاحة.
المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والقانوني للشراكة
أولاً: تطور مفهوم الشراكة بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية
لم يكن ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945 يتوقع أن تلعب المنظمات الإقليمية دوراً تشغيلياً واسعاً في حفظ السلام، بل كان التركيز في الباب الثامن على دورها في تسوية المنازعات سلمياً قبل إحالتها إلى مجلس الأمن. ظل هذا الوضع سائداً طوال فترة الحرب الباردة، حيث تجمد التعاون الفعلي بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية بسبب الانقسامات الأيديولوجية. لكن بعد عام 1990، وخاصة مع تقارير الأمين العام آنذاك بطرس بطرس غالي مثل "خطة السلام" (1992) و"تقرير الأجندة من أجل السلام" التكميلي (1995)، بدأ الاهتمام يتجه نحو الاستفادة من القدرات الإقليمية.
شهدت السنوات 2000-2010 تحولاً حاسماً في هذه العلاقة. وثائق مثل "تقرير براهيمي" (2000) وتقرير اللجنة الرفيعة المستوى حول التهديدات والتحديات والتغيير (2004) دعت إلى شراكة أكثر تنظيماً مع المنظمات الإقليمية. قمة الألفية (2005) أقرت هذا التوجه، كما جرى إنشاء مكتب دعم بناء السلام. لكن التطور الأكثر أهمية كان في أفريقيا، حيث بدأ اتخاذ ترتيبات خاصة بعمليات السلام المشتركة أو المدعومة من الأمم المتحدة، بدءاً من بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم) التي حظيت بدعم لوجستي أممي في عام 2007، وصولاً إلى الدعم المالي عبر مساهمات الأمم المتحدة المقررة لعمليات الاتحاد الأفريقي في الصومال وغيره.
في عام 2017، تم التوقيع على "إطار الشراكة المشترك بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي حول السلام والأمن" الذي حدد مبادئ وقنوات التعاون في مراحل دورة الصراع بأكملها. كما صدرت عدة قرارات لمجلس الأمن (مثل القرار 2378 لعام 2017 و2436 لعام 2018) تؤكد على تعزيز الشراكات مع المنظمات الإقليمية كأداة لتحسين أداء عمليات السلام، وتقاسم الأعباء، وضمان انتقالات أكثر سلاسة.
ثانياً: أسس وآليات التعاون بين الطرفين
تتعدد آليات التعاون بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، وتتفاوت درجة تطورها. أبرز هذه الآليات:
المشاورات السياسية رفيعة المستوى: تعقد اجتماعات دورية بين مجلس الأمن والمجالس الإقليمية (مثل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي). تهدف هذه الاجتماعات إلى تنسيق المواقف وتبادل المعلومات حول الأزمات، لكن فعاليتها تبقى محدودة في غياب آليات قرار ملزمة.
العمليات المشتركة أو المتوازية: شكلت تجارب حفظ السلام المشتركة كعملية "يوناميد" في دارفور (2007-2020) التي جمعت بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي نموذجاً فريداً للشراكة المندمجة، وإن كان قد واجه صعوبات لوجستية وسياسية هائلة. كما هناك نماذج للانتقال من عمليات إقليمية إلى عمليات أممية (كمالي من الاتحاد الأفريقي إلى الأمم المتحدة عام 2013، وجنوب السودان) أو العكس.
الدعم اللوجستي والمالي المنصوص عليه في الفصل الثامن:بموجب قرارات مجلس الأمن، يمكن تقديم حزمة دعم من الأمم المتحدة لعمليات إقليمية، مثل حزمة الدعم المقدمة لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم) ثم بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال (أتميس) ابتداءً من 2022، والتي تشمل تمويل بعض بنود المعدات والرواتب والدعم التقني.
التعاون في بناء القدرات: برامج تدريبية مشتركة، وتبادل الخبراء، ودعم إنشاء مراكز التميز الإقليمية مثل مدرسة الاتحاد الأفريقي لبناء القدرات في مجال حفظ السلام والعسكرة في مالي، وهناك تعاون مماثل مع الاتحاد الأوروبي في الأكاديمية الأوروبية للأمن والدفاع.
المبحث الثاني: دراسة مقارنة لنماذج الشراكة - الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي
أولاً: نموذج الشراكة مع الاتحاد الأفريقي - التحديات الأكثر تعقيداً
تعتبر الشراكة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي الأكثر أهمية من حيث حجم العمليات والأكثر تحدياً من حيث درجة التعقيد. فالاتحاد الأفريقي يتحمل العبء الأكبر في إدارة الصراعات الأفريقية، حيث ينتشر في القارة السمراء أكثر من 70% من عمليات حفظ السلام الأممية. لكن الاتحاد الأفريقي يعاني من نقص مزمن في الموارد المالية والبشرية والتقنية، مما يجعله يعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية، وخاصة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول مانحة أخرى. هذا الواقع يثير تحديات ثلاثية:
التحدي الأول: التمويل غير المستدام. لطالما كان تمويل عمليات السلام الإقليمية الأفريقية مشكلة شائكة. فبينما تموّل عمليات الأمم المتحدة من الميزانية المقررة للدول الأعضاء بناءً على حصصها، ظلت عمليات الاتحاد الأفريقي تعتمد على تبرعات طوعية من مانحين خارجيين، مما جعلها غير مستقرة وتخضع لشروط وتوجهات أولئك المانحين. وقد دفع هذا الوضع الاتحاد الأفريقي إلى إنشاء آلية تمويل طارئ وعزمه على تخصيص 25% من ميزانيته للسلام والأمن بحلول 2022 (تحقق جزئياً). كما رفع الاتحاد مطالب بتمويل مقرر عبر الأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام الإقليمية التي تحصل على تفويض من مجلس الأمن، لكن الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة، تعارض ذلك بشدة خوفاً من توسيع ميزانية الأمم المتحدة.
التحدي الثاني: تباين المعايير والمبادئ. في حين تلتزم الأمم المتحدة بمبادئ حفظ السلام الكلاسيكية (موافقة الأطراف، الحياد، وعدم استخدام القوة إلا للدفاع عن النفس والولاية)، يتبنى الاتحاد الأفريقي أحياناً مبادئ أكثر مرونة، بما في ذلك حق التدخل الإنساني المنصوص عليه في المادة 4 من قانونه التأسيسي في حالات جرائم الحرب والإبادة الجماعية. هذا الاختلاف في المبادئ خلق اشكاليات في السياقات العملية، خاصة في عمليات مثل بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم) التي مارست استخدام القوة الهجومية بشكل أكثر اتساعاً من المعايير الأممية، مما أدى إلى توترات في آليات القيادة والرقابة على استخدام القوة.
التحدي الثالث: ضعف القدرات المؤسسية واللوجستية.يعاني الاتحاد الأفريقي من نقص حاد في القدرات اللوجستية والاستخباراتية وسلاسل الإمداد. عند بداية عملياته الميدانية، كادت بعثة أميصوم أن تفشل بسبب نقص المعدات الأساسية والأموال والرواتب. وقد أظهرت التقييمات المستقلة أن حتى بعد حصولها على دعم أممي، ظلت هذه العمليات تعاني من نقص كبير في الطائرات المروحية والمدرعات الحديثة وأجهزة الاتصال ووسائل النقل. هذا النقص يضعف فعالية العمليات ويزيد من المخاطر على قوات حفظ السلام.
ثانياً: نموذج الشراكة مع الاتحاد الأوروبي - الممارسات الفضلى والتحديات المتبقية
على النقيض من النموذج الأفريقي، يتمتع الاتحاد الأوروبي بقدرات مالية ولوجستية متطورة، وقد طوّر نموذجاً أكثر نضجاً للشراكة مع الأمم المتحدة، خاصة في عمليات حفظ السلام والمدنية في البلقان (البوسنة والهرسك - مهمة "ألثيا" التي حلت محل قوة الأمم المتحدة عام 2004)، وفي أفريقيا دعماً لعمليات الاتحاد الأفريقي فيما يعرف بآليات "أفريقيا للسلام". لكن هذا النموذج ليس خالياً من التحديات.
من أبرز الممارسات الفضلى في الشراكة الأوروبية هو آلية التمويل الأفريقية للسلام التي أطلقها الاتحاد الأوروبي عام 2004، والتي قدمت أكثر من 3 مليارات يورو لدعم العمليات الإفريقية (خاصة أميصوم، وبعثة الاتحاد الأفريقي في مالي). هذا الدعم ساهم في سد جزء من الفجوة التمويلية لكنه بقي طوعياً (غير مقرر)، مما يجعله عرضة للتغيرات في أولويات الدول الأوروبية. كما يتميز الاتحاد الأوروبي بقدرته على تقديم الدعم طوال دورة العملية: من مرحلة ما قبل النشر (التدريب والمعدات)، وأثناء العملية (الرواتب واللوجستيا)، ومرحلة ما بعد العملية (برامج إعادة الإدماج).
التحدي الأساسي في هذه الشراكة هو مسألة *القيادة والسيطرة*: هل تخضع العمليات الأوروبية لسلطة الأمم المتحدة فعلاً عندما تحصل على تفويض من مجلس الأمن؟ في الميدان، تمارس بعثات الاتحاد الأوروبي استقلالاً تشغيلياً واسعاً، وتقدم تقارير إلى المجلس السياسي والأمني للاتحاد الأوروبي وليس إلى غرفة عمليات الأمم المتحدة. هذا الوضع أثار جدلاً حول المساءلة والشفافية والفعالية الجماعية للجهود الدولية. كما أن تعدد الفاعلين (الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الناتو أحياناً) في مسرح عمليات واحد (كالبوسنة وكوسوفو) خلق فوضى في القيادة وتضارباً في الأولويات.
ثالثاً: موقع جامعة الدول العربية في منظومة حفظ السلام الإقليمية
في المقارنة مع النموذجين الأفريقي والأوروبي، تبرز جامعة الدول العربية كطرف أقل فاعلية في مجال حفظ السلام. على الرغم من أن ميثاق جامعة الدول العربية (خاصة بعد تعديلاته) يتضمن إمكانيات لحل النزاعات، إلا أن الجامعة لم تشكل أبداً عمليات حفظ سلام حقيقية. المبادرات العربية كانت غالباً سياسية ودبلوماسية، مثل لجان الوساطة (اليمن، لبنان، ليبيا) أو نشر مراقبين عرب محدودي الصلاحيات (سوريا 2011-2012). لم تنجح أي محاولة عربية لإنشاء قوة عربية دائمة لحفظ السلام أو للقيام بعمليات عسكرية جماعية تحت مظلة الأمم المتحدة، بسبب الانقسامات السياسية الداخلية، وغياب الإرادة الجماعية، والاعتماد على أطراف خارجية (مثل الجامعة في اليمن وليبيا تعتمد على الأمم المتحدة أساساً).
تحديات الشراكة مع جامعة الدول العربية تتعلق بالطبيعة الطوعية والضعف المؤسسي:
- غياب الأجهزة العسكرية واللوجستية والاستخباراتية اللازمة لتصميم وقيادة عملية حفظ سلام.
- تداخل الولايات بين الجامعة وجامعة الدول العربية من جهة، وبين الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي من جهة أخرى، مما يعقّد التنسيق.
- غياب الإطار القانوني والسياسي الموحد بين الدول العربية لقبول نشر قوات عربية تحت راية الأمم المتحدة في أراضيها.
لذا فإن استنتاج المقارنة في هذا السياق هو أن الشراكة العربية الأممية لا تزال في بداياتها وتحتاج إلى تطوير مؤسسي شامل قبل أن تصبح شريكاً فاعلاً في نظام حفظ السلام العالمي.
المبحث الثالث: التحديات الجوهرية الموحدة عبر النماذج الإقليمية
على الرغم من الاختلافات بين الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي من حيث الموارد والقدرات، إلا أن ثمة تحديات جوهرية تواجه الشراكة مع الأمم المتحدة بشكل مشترك، ويمكن تلخيصها في أربعة محاور رئيسية:
أولاً: صراع الولايات والمسؤوليات - من يقود ومن ينفذ؟
ربما كان هذا التحدي الأكثر إلحاحاً في كل الشراكات. أين ينتهي دور الأمم المتحدة ويبدأ دور المنظمة الإقليمية؟ في بعض الحالات، حاولت المنظمات الإقليمية فرض قيادة موازية أو رفضت القبول الكامل بسلطة ممثل الأمين العام الخاص في الميدان. هذا الصراع على القيادة غالباً ما يكون له جذور سياسية: الدول الإقليمية تريد أن تبقى السيطرة بأيديها لأنها تعتبر النزاع "إقليمياً" بامتياز، بينما تريد الأمم المتحدة أن تحافظ على حيادها وسلطتها الشاملة بموجب الميثاق. وقد ظهرت هذه الظاهرة بوضوح في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث كان هناك احتكاك بين بعثة الأمم المتحدة (مونوسكو ثم مونوسكو) والقوات الإقليمية (بعثة مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية). في الحالة الأوروبية، الصراع كان أكثر دقة، لكنه ظهر في كوسوفو بين بعثة الأمم المتحدة (يونميك) وبعثة الاتحاد الأوروبي (يولكس) التي حلت محلها جزئياً عام 2008، وسط رفض صربي وروسي لهذا الانتقال.
ثانياً: تباين معايير حقوق الإنسان وحماية المدنيين
لدى الأمم المتحدة معايير محددة لحماية المدنيين في عمليات حفظ السلام، بما في ذلك ولايات صريحة تستخدم القوة لحماية المدنيين المهددين بالعنف الجسدي. أما بعض المنظمات الإقليمية، كالاتحاد الأفريقي، فلها ولايات أقل صراحة في حماية المدنيين أو تطبق معايير مختلفة. هذا التباين يخلق إشكالية في العمليات المشتركة: هل تتصرف القوات الإقليمية بنفس "قواعد الاشتباك" التي تطبقها القوات الأممية؟ توجد أمثلة من دارفور حيث أن قوات الاتحاد الأفريقي كانت أقل صرامة في حماية المدنيين من المدنيين المطلوبين مقارنة بالكتيبة الأممية، مما أثار انتقادات من منظمات حقوق الإنسان.
ثالثاً: الحساسيات السياسية - شرعية المجتمع الدولي مقابل شرعية إقليمية
تمثل الحساسيات السياسية تحدياً كبيراً. فالدول المعنية بالنزاع غالباً ما تفضل الوساطة الإقليمية على الوساطة الأممية، لأن نظراءها الإقليميين يفهمون السياق المحلي بشكل أفضل وقد يكونون أقل تشدداً في تطبيق المعايير الدولية لحقوق الإنسان. بيد أن هذا قد يكون سيفاً ذا حدين: فالدول المجاورة غالباً ما تكون أطرافاً غير محايدة في النزاع ولها مصالح مباشرة، مما يقوض مبدأ الحياد. هذا ما حدث في الصومال، حيث قوات كينيا وإثيوبيا وجيبوتي المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي (أميصوم/أتميس) كانت لها مصالح وطنية متباينة، مما جعل بعض الفصائل الصومالية تنظر إليها كمحتل وليس كحافظ سلام. الأمم المتحدة بدورها كانت تجد صعوبة في تأكيد حيادها وهي تتعاون مع قوات غير محايدة.
رابعاً: عدم تناسق التمويل والموارد
بينما تحصل عمليات الأمم المتحدة على تمويل من ميزانيتها المقررة والملزمة قانوناً، تعتمد عمليات المنظمات الإقليمية على تبرعات طوعية غير مستقرة. هذا الوضع يجعل العمليات الإقليمية عرضة للتقلبات المالية. حتى الدعم الأممي للعمليات الإقليمية (مثل الدعم المقدم لأميصوم/أتميس) لم يكن سوى بديل جزئي، فهو لا يغطي جميع التكاليف، بل فقط بعض البنود المعتمدة من قبل مجلس الأمن وبموافقة الدول المانحة. نتيجة لذلك، كثيراً ما عانت العمليات الإقليمية من تأخر الرواتب ونقص الوقود والذخيرة والمعدات. بعض التقارير تشير إلى أن رواتب جنود أميصوم تأخرت لعدة أشهر في فترات مالية حرجة، مما أثر على الروح المعنوية وزاد من حالات النهب والانتهاكات بحق المدنيين.
المبحث الرابع: نحو شراكة أكثر فاعلية - الدروس المستفادة والتوصيات
أولاً: آليات التنسيق المؤسسي الفاعل
للتغلب على تحديات القيادة والولايات، يتطلب الأمر إنشاء آليات تنسيق مؤسسي أقوى ومؤطرة قانونياً. استناداً إلى تجارب ناجحة مثل بعثة "يوناميد" (دارفور)، رغم صعوباتها، تعلمت الأطراف أهمية وجود هيكل قيادة مزدوج واضح المعالم: نائب أمين عام مشترك، ومركز تخطيط عمليات مشترك. يمكن تعميم هذا النموذج مع تكييفه وفقاً للسياق. هناك حاجة أيضاً لإنشاء غرفة عمليات مشتركة دائمة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي على الأقل، تُعنى بالتخطيط الطارئ، وتنسيق نشر القوات، وإدارة المعلومات الاستخباراتية.
ثانياً: تمويل مستدام ومقرر
تكاد تجمع جميع الدراسات والمراجعات المستقلة على أن التمويل هو أخطر تحدٍ يواجه الشراكة. الحل الأمثل طويل الأجل هو تحويل التمويل لعمليات حفظ السلام الإقليمية المفوضة من مجلس الأمن إلى تمويل مقرر إلزامي على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (بنسبة من ميزانية حفظ السلام الكبيرة، أو من خلال آلية مساهمة خاصة). على الرغم من معارضة الدول الكبرى لهذه الفكرة، يمكن إقناعها من خلال تحديد سقف زمني مؤقت للتمويل المقرر، أو تقييده بمعايير أداء صارمة. في المدى القصير والمتوسط، يجب تعزيز آليات التمويل الطوعي من خلال إنشاء صندوق استئماني متعدد المانحين تحت إدارة مشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، تكون مساهمات الدول فيه شبه إلزامية من خلال تعهدات متعددة السنوات بدلاً من تبرعات سنوية غير مؤكدة.
ثالثاً: بناء القدرات والتدريب المشترك
لا يكفي تقديم الدعم المادي، بل يجب التركيز على بناء القدرات المؤسسية والبشرية للمنظمات الإقليمية على المدى البعيد. تحديداً، يمكن للأمم المتحدة أن تقدم برامج تدريبية ونقل خبرات في مجالات حيوية مثل: التخطيط للعمليات، الاستخبارات العسكرية، التحليل الاستراتيجي، حماية المدنيين، حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي في عمليات السلام، وسلاسل الإمداد واللوجستيا. من المهم أن يتم هذا التدريب قبل نشر العمليات وليس أثناءها. كما يمكن تنظيم تمارين محاكاة مشتركة بين مقرات الأمم المتحدة والمقرات الإقليمية لاختبار آليات التنسيق في سيناريوهات أزمات محددة.
رابعاً: توحيد المعايير والمبادئ
يجب أن تعمل الأطراف على وضع *ميثاق مشترك لعمليات السلام* يحدد المعايير والقواعد الدنيا التي تلتزم بها جميع القوات المشاركة في العمليات المشتركة أو المنسقة، بحيث تشمل قواعد الاشتباك، وحماية المدنيين، والسلوك الفردي للجنود، والشفافية والمساءلة. هذا الميثاق يمكن أن يُعتمد بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة وبالتزامن من الهيئات التشريعية للمنظمات الإقليمية. في الحالة الأفريقية، يمكن لهذا الميثاق أن يحل الإشكالية الناجمة عن المادة 4 من قانون الاتحاد الأفريقي التي تجيز التدخل الإنساني دون موافقة الدولة، وذلك بتفسيرها بطريقة متوافقة مع مبادئ الأمم المتحدة دون تفريط في روح التدخل لمنع الكوارث الإنسانية.
الخاتمة والاستنتاجات
خلص البحث إلى أن الشراكة بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية في مجال حفظ السلام قد تطورت بشكل كبير منذ نهاية الحرب الباردة، وأصبحت ضرورة استراتيجية لا غنى عنها في مواجهة النزاعات المعاصرة. غير أن هذه الشراكة لا تزال تعاني من تحديات هيكلية عميقة، تتفاوت حدتها وفقاً لمستوى موارد وقدرات المنظمة الإقليمية المعنية. فقد أظهرت المقارنة بين النموذج الأفريقي والنموذج الأوروبي أن التحديات تتخذ طابعاً كمياً في حالة الاتحاد الأفريقي (نقص حاد في التمويل واللوجستيا)، بينما تتحول في حالة الاتحاد الأوروبي إلى تحديات نوعية (قيادة، مساءلة، تنسيق متعدد الأطراف). جامعة الدول العربية بقيت خارج دائرة الفاعلية الكبرى في هذا المجال، مما يستدعي إعادة نظر عربية جذرية في إمكانيات العمل العسكري الجماعي تحت مظلة الأمم المتحدة.
الاستنتاج الرئيسي هو أن التحدي الجوهري المشترك بين كل هذه النماذج يتمثل في غياب إطار قانوني ومؤسسي واضح يحدد أدوار ومسؤوليات الطرفين في جميع مراحل دورة النزاع: من الإنذار المبكر، إلى الوساطة، إلى تصميم الولاية، إلى التنفيذ العملياتي، إلى تقاسم التمويل، إلى تقييم الأداء والمساءلة. لقد أنتجت التطورات العملية ترتيبات مؤقتة وارتجالية غالباً ما افتقرت إلى الاستدامة والفعالية. الحلول المقترحة تتركز في ثلاثة مسارات موازية: الأول، تحويل آلية التمويل من طوعي متقطع إلى تمويل مقرر ومستدام للعمليات الإقليمية المفوضة من مجلس الأمن. الثاني، إنشاء هياكل تنسيق دائمة وعملياتية بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية الرئيسية. الثالث، توحيد المعايير والمبادئ الأساسية لحفظ السلام من خلال ميثاق مشترك ملزم للجميع.
إذا نجحت الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية في تجاوز هذه التحديات، فإن الشراكة ستتحول من مجرد علاقة "راعٍ ومتلقي" أو "شريك ناقص" إلى علاقة تكاملية حقيقية تصب في مصلحة حفظ السلام الدولي وتعزز منع اندلاع النزاعات. أما إذا استمرت التحديات الراهنة دون معالجة، فستبقى عمليات السلام تعاني من ضعف الفعالية، وتتعرض للانتقادات، ويفقد المدنيون في مناطق النزاع الأمل في تحقيق الاستقرار والعدالة الذي وعدهم به المجتمع الدولي.
المراجع:
بن يحيى، العربي. "الشراكة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في مجال حفظ السلام: الفرص والتحديات". المجلة الدولية للقانون والسياسة. المجلد الأول، العدد الثالث، ديسمبر/كانون الأول 2021، الصفحات 90-111. كلية الحقوق، جامعة الإخوة منتوري قسنطينة، الجزائر.
قزيز، هشام. "دور المنظمات الإقليمية في حفظ السلام وفقاً لميثاق الأمم المتحدة: الاتحاد الأفريقي نموذجاً". مجلة العلوم الإنسانية. العدد 53، سبتمبر 2020، الصفحات 141-156. المركز الجامعي تيسمسيلت، الجزائر.
