جيل زد والهيمنة الخوارزمية
فرع القاهرة

شهدت البيئة الإعلامية العالمية خلال العقود الأخيرة تحولات جذرية غيرت طبيعة إنتاج المعلومات وتداولها واستهلاكها فبعد أن ظلت المؤسسات الصحفية والإعلامية التقليدية لعقود طويلة تحتكر عملية صناعة المحتوى وتوزيعه، جاء انتشار الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي ليعيد تشكيل بنية الاتصال الجماهيري بصورة غير مسبوقة. وقد تزامنت هذه التحولات مع بروز جيل جديد يُعرف باسم "جيل زد" (Gen Z) وهو الجيل الذي نشأ بالكامل داخل البيئة الرقمية وتكوّنت خبراته الاجتماعية والسياسية والثقافية عبر التفاعل المستمر مع المنصات الإلكترونية.

ورغم أن الفضاء الرقمي أتاح فرصًا أوسع للوصول إلى المعلومات والتعبير عن الرأي، فإنه أوجد في المقابل أنماطًا جديدة من السيطرة والتحكم تمارسها الشركات التقنية الكبرى من خلال الخوارزميات التي تدير تدفق المحتوى وتحدد أولوياته ومدى انتشاره وقد أدى ذلك إلى ظهور ما يمكن تسميته بـ"الهيمنة الخوارزمية"، التي أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في تشكيل الرأي العام وصناعة السرديات السياسية والإعلامية، خصوصًا أثناء الحروب والأزمات الدولية.

وفي هذا الإطار، يكتسب جيل "زد" أهمية خاصة باعتباره الفاعل الرقمي الأكثر حضورًا وتأثيرًا في البيئة الإعلامية الجديدة، حيث لم يكتفِ بدور المتلقي للمحتوى، بل تحول إلى منتج وناشر وناقد له، كما طور أدوات وأساليب متنوعة لمواجهة القيود الخوارزمية المفروضة على تداول المعلومات. ومن هنا يسعى هذا التقرير إلى تحليل طبيعة الهيمنة الخوارزمية التي تمارسها المنصات الرقمية، واستكشاف كيفية تفاعل جيل "زد" معها، وآليات مقاومته لها، وانعكاسات ذلك على مستقبل الإعلام الرقمي وصراع السرديات في العالم المعاصر.

 

حراسة البوابة الإعلامية في العصر الرقمي

ارتبط مفهوم "حارس البوابة الإعلامية" تاريخيًا بالمؤسسات الصحفية والإعلامية التي كانت تتولى اختيار المعلومات وتحديد ما يُنشر منها للجمهور. وقد أسهمت هذه المؤسسات في تشكيل الرأي العام عبر عمليات الانتقاء والتحرير والصياغة وفقًا لمعايير مهنية ومجتمعية محددة إلا أن التحول الرقمي الواسع الذي شهده العالم مع بداية القرن الحادي والعشرين أدى إلى إعادة صياغة هذا الدور بصورة جذرية.

فمع انتشار الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، فقدت المؤسسات الإعلامية التقليدية احتكارها لإنتاج المعلومات، وأصبح بإمكان الأفراد أنفسهم إنتاج المحتوى ونشره والوصول إلى جمهور واسع دون الحاجة إلى وسطاء تقليديين غير أن هذا التحول لم يؤدِّ إلى اختفاء وظيفة حراسة البوابة، بل إلى انتقالها من البشر إلى الخوارزميات الرقمية التي تديرها الشركات التقنية الكبرى.

وباتت الخوارزميات اليوم تمثل الحارس الجديد للمعلومات؛ إذ تحدد المحتوى الذي يظهر للمستخدمين، وترتب أولوياته، وتتحكم في مدى انتشاره أو تقييده كما أصبحت المؤسسات الإعلامية نفسها مضطرة للامتثال لقواعد المنصات الرقمية ومعاييرها حتى تتمكن من الوصول إلى الجمهور ونتيجة لذلك، انتقلت سلطة التحكم بالمعلومات من غرف التحرير التقليدية إلى أنظمة رقمية معقدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة.

وقد أوجد هذا التحول واقعًا إعلاميًا جديدًا تتداخل فيه المصالح التجارية والتقنية والسياسية، ما جعل الخوارزميات لاعبًا رئيسيًا في تشكيل المجال العام الرقمي، وفي إعادة تعريف مفهوم السلطة الإعلامية في العصر الحديث.

الهيمنة الخوارزمية وصناعة السرديات الرقمية

تمثل الهيمنة الخوارزمية أحد أبرز التحديات التي تواجه الإعلام الرقمي المعاصر، حيث تعتمد المنصات الرقمية على أنظمة آلية مصممة لتصنيف المحتوى وترتيبه وتوجيهه وفق معايير محددة. وعلى الرغم من أن الهدف المعلن لهذه الأنظمة يتمثل في تحسين تجربة المستخدم ومكافحة المحتوى الضار، فإنها تمارس في الواقع دورًا مؤثرًا في تحديد السرديات المهيمنة داخل الفضاء الرقمي.

وتكمن خطورة الهيمنة الخوارزمية في أنها لا تقتصر على حذف المحتوى أو تقييده، بل تمتد إلى التأثير في حجم انتشاره وإمكانية وصوله إلى الجمهور فالمحتوى الذي يتوافق مع المعايير المبرمجة داخل الخوارزميات يحظى بفرص أكبر للانتشار، بينما تتعرض السرديات المخالفة للتهميش أو الحظر أو الحد من الوصول.

وقد برزت هذه الإشكالية بوضوح خلال الحروب والصراعات الدولية، حيث أصبحت المنصات الرقمية ساحات رئيسية للتنافس بين الروايات المختلفة ففي العديد من الحالات، تعرض المحتوى المرتبط بالقضية الفلسطينية لقيود متنوعة شملت حذف المنشورات وتقليص الوصول إليها وفرض ما يعرف بالحظر المظلل، الأمر الذي أثار نقاشات واسعة حول حيادية المنصات الرقمية ودورها في تشكيل الرأي العام العالمي.

كما ساهم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعزيز قدرة المنصات على مراقبة المحتوى وتحليل النشاط الرقمي للمستخدمين، بما يسمح ببناء ملفات رقمية وسلوكية يمكن استخدامها في توجيه المحتوى أو تقييده أو حتى التنبؤ بأنماط السلوك المستقبلية وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول حدود السلطة الرقمية ومدى توافقها مع مبادئ حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات.

جيل "زد" بوصفه فاعلًا رقميًا جديدًا

يُعد جيل "زد" أول جيل ينشأ بالكامل في ظل الإنترنت والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي منحه خبرة رقمية متقدمة وقدرة عالية على التفاعل مع التكنولوجيا الحديثة. وقد انعكس ذلك على طريقة تفكيره وتشكيل هويته السياسية والاجتماعية والثقافية.

ويتميز هذا الجيل بدرجة مرتفعة من الوعي النقدي تجاه المؤسسات التقليدية والروايات الرسمية، كما يميل إلى البحث عن مصادر متنوعة للمعلومات وعدم الاكتفاء بالسرديات السائدة ويعتمد بصورة أساسية على المنصات الرقمية في الحصول على الأخبار ومتابعة الأحداث العالمية والتفاعل معها.

كما أظهر جيل "زد" قدرة لافتة على توظيف الأدوات الرقمية في التعبئة والحشد والتأثير المجتمعي، سواء من خلال الحملات الإلكترونية أو إنتاج المحتوى المرئي أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمساحات للنقاش العام وقد ساهمت هذه الخصائص في تحويله إلى فاعل مؤثر داخل المجال الإعلامي الرقمي، قادر على إنتاج سرديات بديلة ومنافسة الروايات التقليدية.

وفي ظل بيئة عالمية تتسم بتزايد الأزمات والحروب وعدم اليقين، طوّر هذا الجيل أنماطًا جديدة من التعبير السياسي والاجتماعي، من أبرزها استخدام السخرية الرقمية والميمز باعتبارها أدوات للتعليق على الأحداث والتفاعل معها وقد تحولت هذه الوسائل من مجرد أدوات ترفيهية إلى أشكال جديدة من التواصل السياسي والثقافي، تعكس رؤية الجيل للعالم وتصوراته تجاه القضايا الكبرى.

آليات مقاومة الهيمنة الخوارزمية 

أمام تنامي تأثير الخوارزميات على تدفق المعلومات، لم يقف جيل "زد" موقف المتلقي السلبي، بل طور مجموعة من الآليات الرقمية لمواجهة القيود المفروضة على المحتوى والسرديات البديلة ومن أبرز هذه الآليات ما يعرف بـ"التحايل اللغوي"، الذي يقوم على تعديل الكلمات والعبارات باستخدام الرموز والأرقام أو تغيير ترتيب الحروف لتجنب اكتشافها من قبل أنظمة الرقابة الخوارزمية.

وقد شهدت الحرب على غزة نموذجًا واضحًا لهذه الممارسات، حيث ابتكر المستخدمون آلاف الصيغ اللغوية والبصرية الجديدة لتمرير المحتوى المرتبط بالقضية الفلسطينية، بما سمح باستمرار تداول المعلومات رغم القيود الرقمية المفروضة كما استخدم الناشطون رموزًا وأشكالًا بصرية بديلة للتعبير عن مواقفهم السياسية وإيصال رسائلهم إلى الجمهور.

إلى جانب ذلك، برزت الميمز والفيديوهات القصيرة بوصفها أدوات فعالة في نشر الرسائل السياسية والاجتماعية بطريقة سريعة وقابلة للانتشار وأسهمت هذه الأدوات في تقليل تكلفة المشاركة السياسية، وجعلت من الممكن الوصول إلى قطاعات واسعة من الجمهور، خصوصًا بين الشباب.

وتشير هذه التطورات إلى أن العلاقة بين المستخدمين والخوارزميات لم تعد علاقة خضوع أحادي الاتجاه، بل أصبحت علاقة تفاعل وصراع مستمر بين سلطة المنصات الرقمية من جهة وقدرة المستخدمين على التكيف والابتكار من جهة أخرى ومن المرجح أن يستمر هذا التفاعل في تشكيل مستقبل الإعلام الرقمي خلال السنوات المقبلة، مع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وتوسع دور المنصات في الحياة العامة.

خاتماً: تكشف دراسة العلاقة بين جيل "زد" والهيمنة الخوارزمية عن تحولات عميقة تشهدها البيئة الإعلامية العالمية في العصر الرقمي. فقد انتقلت وظيفة حراسة البوابة الإعلامية من المؤسسات التقليدية إلى الخوارزميات التي تديرها الشركات التقنية الكبرى، مما منح هذه الشركات نفوذًا غير مسبوق في تشكيل تدفق المعلومات وصناعة السرديات العامة.

وفي المقابل، أظهر جيل "زد" قدرة كبيرة على التكيف مع هذه البيئة المعقدة ومقاومة بعض أشكال الهيمنة الرقمية عبر توظيف مهاراته التقنية وابتكار أساليب جديدة للتواصل والنشر والتعبئة وبذلك أصبح هذا الجيل ليس مجرد مستخدم للمنصات الرقمية، بل فاعلًا مؤثرًا يسهم في إعادة تشكيل المجال العام الرقمي وموازين القوة داخله.

ومن ثم، فإن مستقبل الإعلام الرقمي سيظل مرهونًا بقدرة المجتمعات على تحقيق توازن بين متطلبات إدارة المحتوى وحماية الفضاء الإلكتروني من جهة، وضمان حرية التعبير والتعددية الإعلامية من جهة أخرى كما أن تنامي وعي الأجيال الجديدة بطبيعة الخوارزميات وآليات عملها قد يشكل أحد أهم العوامل المؤثرة في بناء فضاء رقمي أكثر شفافية وعدالة خلال السنوات المقبلة.

 

 

المصدر: مركز الأهرام للدرسات السياسية والاستراتيجية

الكاتب : مروان شعبان

التاريخ : 19/6/2026

-----------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: موقع نون بوست

الكاتب : أحمد عبد الحليم

التاريخ : 6/12/ 2025


المقالات الأخيرة