ارتفاع الدولار في ليبيا الأسباب والتداعيات وآفاق الاستقرار النقدي
فرع القاهرة

يواجه الاقتصاد الليبي خلال عام 2026 مجموعة من التحديات المالية والنقدية المتشابكة، في مقدمتها الارتفاع الملحوظ في سعر صرف الدولار في السوق الموازية وما يصاحبه من ضغوط على قيمة الدينار وارتفاع تكاليف السلع والخدمات. ولا يمكن تفسير هذه التطورات بمعزل عن طبيعة الاقتصاد الليبي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، في وقت شهدت فيه المالية العامة توسعًا في مستويات الإنفاق، خاصة في بنود المرتبات والدعم، بالتزامن مع استمرار مشكلة الكتلة النقدية المتداولة خارج الجهاز المصرفي واتساع أنشطة السوق الموازية وتهريب المحروقات. كما أن تقلب الإيرادات النفطية واستمرار ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي يفرضان ضغوطًا إضافية على سوق الصرف، ويزيدان من صعوبة تحقيق التوازن بين حجم السيولة المحلية والمعروض من العملات الأجنبية. ومن هذا المنطلق، يهدف هذا التقرير إلى تحليل أبرز العوامل المالية والنقدية التي أسهمت في ارتفاع سعر الصرف في ليبيا، مع التركيز على العلاقة بين حجم الإنفاق العام، والإيرادات النفطية، والكتلة النقدية خارج المصارف، وبند الدعم والمرتبات، وتأثير هذه العوامل مجتمعة في استقرار الدينار والاقتصاد الليبي.

الكتلة النقدية خارج المصارف 

تمثل الكتلة النقدية المتداولة خارج الجهاز المصرفي أحد العوامل المؤثرة في ديناميكية سعر الصرف في ليبيا، إذ يؤدي تراكم السيولة النقدية لدى الأفراد والأنشطة التجارية خارج المصارف إلى إضعاف قدرة السياسة النقدية على التحكم في حجم النقود المتداولة وتوجيهها عبر القنوات الرسمية. وتزداد أهمية هذه الظاهرة في الاقتصاد الليبي نتيجة الاعتماد المرتفع على النقد في المعاملات، بما يحد من فعالية الوساطة المصرفية ويعزز الطلب على العملات الأجنبية، خاصة عندما تتجه السيولة المتراكمة إلى السوق الموازية لشراء الدولار باعتباره أداة للتحوط وحفظ القيمة. ويؤدي ارتفاع الطلب على الدولار في ظل محدودية المعروض المتاح عبر القنوات الرسمية إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، بما يضغط على قيمة الدينار ويغذي توقعات المزيد من انخفاضه. وتشير البيانات المنشورة إلى أن مصرف ليبيا المركزي يتابع بصورة مباشرة تطورات عرض النقود والقاعدة النقدية والسيولة المصرفية، كما اتخذ خلال يوليو 2026 إجراءات لزيادة توافر النقد الأجنبي وضخ 5 مليارات دينار من السيولة النقدية إلى المصارف، بالتوازي مع إجراءات لتلبية الطلب على الدولار. ومن ثم، فإن معالجة ارتفاع سعر الصرف لا ترتبط فقط بزيادة عرض الدولار، وإنما تتطلب أيضًا تقليص حجم الكتلة النقدية غير الموظفة داخل الجهاز المصرفي، وتعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكترونية، وإعادة الثقة في المصارف، بما يسمح بإعادة جزء أكبر من السيولة إلى الدورة المصرفية ويحد من توجهها نحو المضاربة في سوق العملات.

توسع الإنفاق العام من قبل حكومة الدبيبة

شهدت فترة عبد الحميد الدبيبة توسعًا ملحوظًا في بنود الإنفاق العام وتنوعًا في مجالات توجيه الموارد المالية، في ظل اعتماد الاقتصاد الليبي بصورة أساسية على الإيرادات النفطية، وهو ما جعل ارتفاع الإنفاق العام أحد أبرز محددات التوازنات المالية والنقدية. وتظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي أن إجمالي الإنفاق العام خلال عام 2025 بلغ نحو 136.8 مليار دينار، توزعت بين المرتبات والنفقات التسييرية والتنمية والدعم، بما يعكس تعدد مسارات الإنفاق واتساع حجم الالتزامات المالية. كما استحوذت المرتبات والدعم على الجزء الأكبر من الإنفاق، مقابل حصة أقل نسبيًا للإنفاق التنموي، الأمر الذي يحد من قدرة السياسة المالية على توجيه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج وتنويع مصادر الدخل. وفي هذا السياق، يرى صندوق النقد الدولي أن استمرار مستويات الإنفاق المالي المرتفعة في ليبيا يفرض ضغوطًا على سعر الصرف ويؤدي إلى استنزاف تدريجي للاحتياطيات الأجنبية، بما يجعل ضبط الإنفاق وإعادة ترتيب أولوياته ضرورة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. ومن ثم، فإن مشكلة الإنفاق خلال هذه المرحلة لا ترتبط بحجمه فقط، وإنما بطبيعة توزيعه ومدى ارتباطه بالنشاط الإنتاجي، إذ إن استمرار التركيز على الأجور والدعم والنفقات الجارية مقابل محدودية الإنفاق الاستثماري المنتج قد يؤدي إلى زيادة الطلب المحلي والسيولة دون خلق قاعدة إنتاجية قادرة على استيعابها، وهو ما ينعكس في النهاية على التضخم وسعر الصرف واستدامة المالية العامة.

انخفاض الإيرادات النفطية 

رغم التحسن الملحوظ في مستويات إنتاج النفط الليبي خلال عام 2026، فإن الإيرادات النفطية ظلت عرضة لضغوط وتقلبات مرتبطة بتغير أسعار الخام العالمية والمخاطر الأمنية والسياسية التي تهدد استمرارية الإنتاج والتصدير؛ فقد سجل الإنتاج في يونيو نحو 1.44 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ عام 2013، بينما بلغت إيرادات مبيعات النفط خلال مايو نحو 3.76 مليار دولار مقارنة بنحو 2.83 مليار دولار في أبريل بما يعكس تحسنًا مرحليًا وليس اتجاهًا مستقرًا بالضرورة وفي المقابل، حذر صندوق النقد الدولي في أبريل 2026 من أن انخفاض أسعار النفط أو حدوث اضطرابات جديدة في الإنتاج يمكن أن يؤدي إلى تسارع خسائر الاحتياطيات وزيادة الضغوط التضخمية، خصوصًا مع استمرار ارتفاع الإنفاق العام، وهو ما يجعل المالية العامة شديدة الحساسية لأي تراجع في التدفقات النفطية كما أن الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة في الزاوية خلال أغسطس 2026 أعادت التأكيد على هشاشة البنية النفطية أمام المخاطر الأمنية، مع تحذيرات من إمكانية توقف العمليات إذا استمرت الهجمات  ومن ثم، فإن تحدي الإيرادات النفطية في ليبيا خلال 2026 لا يرتبط بانخفاض الإنتاج وحده وإنما بتقلب الأسعار، واحتمالات تعطّل الصادرات، واستمرار الاعتماد الكبير على النفط في تمويل الإنفاق العام، بما يزيد تعرض الاقتصاد الليبي لضغوط سعر الصرف ويؤكد الحاجة إلى تنويع مصادر الإيرادات وتقليص الاعتماد على العائدات النفطية.

 

ارتفاع بند الدعم العام في ليبيا

يُعد ارتفاع بند الدعم العام من أبرز التحديات التي تواجه المالية العامة في ليبيا، نظرًا لاتساع نطاق الدعم ليشمل الوقود والطاقة وبعض السلع والخدمات، وما يترتب عليه من أعباء متزايدة على الإنفاق العام. وتُظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي أن بند الدعم المسجل خلال فبراير 2026 بلغ نحو 715 مليون دينار، مع الإشارة إلى أن هذا البند يتضمن أيضًا مرتبات لبعض الشركات والجهات العامة، وهو ما يعكس اتساع الالتزامات المدرجة ضمنه. وعلى المستوى الهيكلي، أظهرت دراسة لصندوق النقد الدولي أن دعم الطاقة في ليبيا أصبح عبئًا ماليًا كبيرًا، إذ بلغ الدعم المباشر للطاقة نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، بما يعكس ضخامة التكلفة مقارنة بحجم الاقتصاد. ويؤدي استمرار الدعم بمستوياته المرتفعة إلى تقليص الموارد المتاحة للإنفاق التنموي والاستثماري، فضلًا عن تشجيع الاستهلاك المفرط وخلق فرص للتهريب والاستفادة غير المستهدفة من الأسعار المدعومة، الأمر الذي يؤدي إلى تسرب جزء من الموارد العامة بدل وصولها بصورة مباشرة إلى الفئات الأكثر احتياجًا كما أن ارتفاع تكلفة الدعم بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق العام يفرض ضغوطًا إضافية على المالية العامة وسعر الصرف، خصوصًا مع اعتماد الإيرادات بصورة كبيرة على النفط؛ ولذلك يرى صندوق النقد الدولي أن إصلاح منظومة دعم الطاقة تدريجيًا، مع توفير آليات تعويض مناسبة للفئات المتضررة، يمثل مسارًا مهمًا لتحقيق وفر مالي وتحسين كفاءة توزيع الموارد العامة.

تهريب المحروقات في ليبيا

يمثل تهريب المحروقات في ليبيا أحد أبرز مظاهر الاختلال في منظومة الدعم والطاقة، إذ أسهم انخفاض أسعار الوقود المدعوم إلى مستويات تقل كثيرًا عن الأسعار في الدول المجاورة في خلق حافز اقتصادي قوي لتحويل جزء من الوقود المخصص للاستهلاك المحلي إلى السوق الموازية أو تهريبه عبر الحدودويشير صندوق النقد الدولي إلى أن ما يصل إلى 30% من واردات الوقود قد يتعرض للتهريب، نتيجة ضعف الرقابة على شبكات التوزيع واتساع الفجوة السعرية، وهو ما يؤدي إلى تسرب جانب مهم من الموارد العامة وتحويل الدعم من منفعة موجهة للمواطنين إلى مصدر أرباح لشبكات غير رسمية كما أن استمرار هذه الظاهرة يفرض أعباء إضافية على المالية العامة، لأن زيادة الكميات المستوردة لا تعني بالضرورة زيادة الاستهلاك المحلي، بل قد ترتبط بتسرب الوقود خارج الاقتصاد الرسمي، في الوقت الذي تتحمل فيه الخزانة تكلفة الدعم والاستيراد وتؤدي هذه العملية كذلك إلى نقص بعض المشتقات داخل السوق المحلية، وظهور أسواق موازية وارتفاع تكلفة الحصول على الوقود، فضلًا عن إضعاف قدرة السياسة المالية والنقدية على إدارة الموارد، واستنزاف جزء من النقد الأجنبي المستخدم في تمويل واردات المحروقات. وقد خلص صندوق النقد إلى أن إصلاح منظومة دعم الطاقة يمثل ضرورة لمعالجة الفساد والتهريب وتحسين كفاءة الإنفاق، مع أهمية توفير آليات تعويض تستهدف المواطنين بدل استمرار الدعم السلعي الشامل وبذلك لا يمثل تهريب المحروقات مشكلة أمنية فقط، وإنما يرتبط بصورة مباشرة بالمالية العامة وسعر الصرف والاستقرار الاقتصادي، ويشكل أحد العوامل التي تزيد الضغط على الموارد الليبية وتحد من قدرة الإنفاق العام على تمويل التنمية والخدمات الأساسية.

ارتفاع بند المرتبات 

يشكل ارتفاع بند المرتبات أحد أبرز مصادر الضغط على المالية العامة في ليبيا، نتيجة اتساع حجم العمالة العامة وتزايد الأجور والبدلات والمزايا الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، في ظل استمرار اعتماد الاقتصاد على الإيرادات النفطية كمصدر رئيسي لتمويل الإنفاق. وتُظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي أن الإنفاق على «المرتبات» بلغ نحو 73.3 مليار دينار خلال عام 2025، مقارنة بنحو 61.2 مليار دينار حتى نهاية نوفمبر من العام نفسه، ما يعكس ضخامة هذا البند مقارنة ببقية مكونات الإنفاق العام كما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن فاتورة الأجور العامة في ليبيا بلغت نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، وما يقارب نصف الإنفاق الجاري وهي من أعلى النسب عالميًا، في وقت يعمل فيه نحو 86% من قوة العمل الرسمية في القطاع العام وتزداد الضغوط مع استمرار التوسع في أعداد العاملين والزيادات في الرواتب والبدلات، إذ أوضح صندوق النقد أن ارتفاع الإنفاق على العاملين خلال 2025 ارتبط، من بين عوامل أخرى، بإدماج رواتب التعليم في الميزانية وزيادة مخصصات العسكريين والمتقاعدين وتحويلات المؤسسات العامة لتغطية تكاليف الأجور ويؤدي هذا التوسع إلى تقليص الحيز المالي المتاح للإنفاق التنموي والاستثماري، كما يزيد حجم السيولة المتداولة في الاقتصاد والطلب المحلي، الأمر الذي قد يفاقم الضغوط التضخمية ويزيد الطلب على العملات الأجنبية، وبالتالي يساهم بصورة غير مباشرة في الضغط على سعر صرف الدينار ومن ثم، فإن معالجة ارتفاع فاتورة المرتبات تتطلب إصلاح هيكل العمالة العامة ومراجعة منظومة الأجور والبدلات، وربط التوظيف باحتياجات القطاعات الفعلية، بالتوازي مع تشجيع نمو القطاع الخاص لتقليل الاعتماد على الوظيفة العامة.

خاتماً: يتضح من خلال تحليل تطورات الاقتصاد الليبي أن ارتفاع سعر الصرف والضغوط التي يتعرض لها الدينار لا يرتبطان بعامل منفرد، وإنما يمثلان نتيجة لتراكم مجموعة من الاختلالات المالية والنقدية والهيكلية فقد ساهم ارتفاع الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي، واتساع الإنفاق العام، وزيادة بندي المرتبات والدعم، إلى جانب تهريب المحروقات وتقلب الإيرادات النفطية، في زيادة الطلب على العملات الأجنبية وتعميق الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية كما أن استمرار الاعتماد الكبير على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات الخارجية والتقلبات في الإنتاج والأسعار العالمية وعليه، فإن تحقيق استقرار مستدام لسعر الصرف يتطلب معالجة جذور الاختلالات المالية من خلال ضبط الإنفاق العام، وإعادة هيكلة منظومة الدعم، والحد من التوسع غير المنتج في فاتورة المرتبات وتعزيز الرقابة على النقد الأجنبي، إلى جانب إعادة السيولة إلى الجهاز المصرفي وتطوير وسائل الدفع الإلكتروني. وفي المدى الأبعد، تظل تنويع مصادر الدخل وتوسيع القاعدة الإنتاجية خارج القطاع النفطي شرطًا أساسيًا لبناء اقتصاد أكثر استقرارًا وتقليل تعرض الدينار الليبي والمالية العامة للتقلبات.

 

المصدر: المنصة الليبية

التاريخ : 9/8/2026

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: عين ليبيا

التاريخ : 10/8/2026

المقالات الأخيرة