مؤشرات نهاية الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران
فرع القاهرة

لا يرتبط انتهاء الحروب في التجربة الدولية بمجرد توقف العمليات العسكرية أو الإعلان عن هدنة مؤقتة بين الأطراف المتحاربة، وإنما يمثل إنهاء الحرب عملية سياسية واستراتيجية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها النتائج العسكرية مع الأهداف السياسية وحسابات الأمن والردع وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية والدولية فالتاريخ يكشف أن بعض الحروب تنتهي بمجرد توقف القتال ثم تتحول إلى وقائع تاريخية يمكن الرجوع إليها لفهم الماضي، بينما تستمر حروب أخرى في التأثير في الواقع السياسي والأمني حتى بعد توقف العمليات العسكرية بسنوات أو عقود، نتيجة بقاء أسباب الصراع أو استمرار التنافس على تحقيق الأهداف التي لم تحسمها الحرب.

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة عند تناول الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، إذ لا يمكن تقييم نهايتها بالاستناد إلى مؤشر واحد مثل وقف إطلاق النار فالحرب ارتبطت بمجموعة من الأهداف الاستراتيجية والسياسية، من بينها التعامل مع البرنامج النووي الإيراني، وإعادة بناء معادلة الردع، وتقليص القدرات العسكرية الإيرانية، والحد من نفوذها الإقليمي، إلى جانب أهداف أخرى تطورت مع تغير مسار المواجهة. وفي المقابل، سعت إيران إلى الحفاظ على بقاء نظامها، وإثبات قدرتها على الرد، والحفاظ على خياراتها الاستراتيجية والإقليمية.

مفهوم إنهاء الحرب 

توضح أدبيات العلاقات الدولية والاستراتيجية العسكرية أن إنهاء الحرب لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد توقف للعمليات القتالية، وإنما بوصفه نتيجة لقرار سياسي واستراتيجي يرتبط بالأهداف التي دفعت الأطراف إلى استخدام القوة منذ البداية وقد تناولت الأدبيات الكلاسيكية لمفهوم إنهاء الحروب هذا الموضوع من خلال البحث في الكيفية التي تنتقل بها الدول من استخدام القوة العسكرية إلى تسوية تحقق أهدافها السياسية.

وفي هذا السياق، ركز فريد تشارلز إكليه في دراساته حول إنهاء الحروب على أن التحدي الأساسي لا يتعلق فقط بإدارة العمليات العسكرية وتحقيق الانتصارات الميدانية، وإنما بكيفية الوصول إلى نهاية للحرب تحقق الغاية السياسية التي استخدمت القوة من أجلهاويؤكد هذا التصور أن النصر العسكري لا يمثل بالضرورة نهاية ناجحة للحرب إذا لم تتم ترجمته إلى نتيجة سياسية مستقرة وقابلة للاستمرار.

ويتفق هذا الطرح مع رؤية هيو ستراتشان للعلاقة بين الوسائل العسكرية والغايات السياسية حيث لا يمكن فهم الحرب أو نهايتها بمعزل عن الهدف السياسي الذي تسعى الأطراف إلى تحقيقه. وبذلك تصبح عملية إنهاء الحرب جزءاً من الاستراتيجية ذاتها، وليست مجرد مرحلة لاحقة للعمليات العسكرية.

وقد تطور هذا المفهوم داخل الفكر العسكري الأمريكي من خلال مفهوم «الحالة النهائية الاستراتيجية» الذي يشير إلى الوضع السياسي والأمني الذي ترغب الدولة في الوصول إليه بعد استخدام القوة وتتمثل أهمية هذا المفهوم في أنه يوفر معياراً يمكن من خلاله تقييم مدى نجاح الحرب، ليس فقط وفقاً للنتائج العسكرية، وإنما وفقاً للظروف التي تحققت بعد استخدامها.

غير أن مفهوم الحالة النهائية الاستراتيجية لا يقدم وحده إجابة كاملة عن السؤال المتعلق بالانتقال من الجغرافيا إلى التاريخ فقد تتوقف العمليات العسكرية دون أن تستقر البيئة السياسية والأمنية التي نشأت عنها الحرب، كما يمكن أن تحقق الحرب نتيجة استراتيجية مؤقتة سرعان ما تتعرض للاختبار أو الانهيار ومن ثم، فإن نهاية العمليات العسكرية لا تعني بالضرورة نهاية التأثير الاستراتيجي للحرب.

 

استنفاد أهداف الحرب 

يمثل استنفاد الأهداف أحد أهم الاختبارات التي يمكن من خلالها تحديد مدى اقتراب الحرب من نهايتها فالحرب ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية محددة. ولذلك، فإن استمرار العمليات العسكرية يصبح أقل مبرراً عندما تتحقق الأهداف الأساسية، أو عندما تصل الأطراف إلى قناعة بأن تحقيق بعض هذه الأهداف أصبح غير ممكن من خلال القوة العسكرية.

وفي حالة الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، ترتبط الأهداف الأساسية بمجموعة من الملفات المعقدة، يأتي في مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والقدرات العسكرية الإيرانية ونظام الردع الذي بنته طهران على مدى سنوات، إضافة إلى نفوذها الإقليمي وقدرتها على استخدام أدوات القوة غير المباشرة في عدد من ساحات المنطقة.

وفي المقابل، دخلت إيران المواجهة بأهداف مختلفة، أهمها الحفاظ على بقاء النظام، ومنع فرض معادلة ردع أحادية عليها، وإظهار قدرتها على تحمل الضغوط العسكرية، والتأكيد على أن اللجوء إلى القوة لن يؤدي بالضرورة إلى إجبارها على التخلي عن خياراتها الاستراتيجية.

ويكشف تحليل هذه الأهداف أن وقف العمليات العسكرية لا يمكن اعتباره نهاية حقيقية للحرب إذا بقيت القضايا الأساسية التي قامت عليها المواجهة دون حسم فإذا تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من إحداث تغيير مستدام في القدرات النووية والعسكرية الإيرانية، فقد يشكل ذلك أحد المؤشرات المهمة على تحقق أهداف الحرب أما إذا استطاعت إيران إعادة بناء قدراتها خلال فترة قصيرة، فإن النتيجة العسكرية تصبح مؤقتة، ويظل الصراع مفتوحاً على جولات جديدة.

وتزداد أهمية هذا الأمر في ظل الطبيعة المعرفية والتكنولوجية للبرنامج النووي الإيراني، إذ لا يمكن اختزال قدرات دولة ما في المنشآت والمعدات التي يمكن استهدافها عسكرياً، وإنما تشمل أيضاً الخبرات العلمية والتكنولوجية والمؤسسات التي راكمت المعرفة على مدار سنوات ولذلك فإن تدمير جزء من البنية المادية لا يعني بالضرورة إزالة القدرة على إعادة بناء البرنامج مستقبلاً.

كما أن تطور أهداف الحرب أثناء المواجهة يمثل مؤشراً آخر على عدم استقرار نهايتها فالأهداف العسكرية قد تبدأ بملف محدد ثم تتوسع نتيجة تطورات الميدان، لتشمل ملفات جديدة لم تكن فيصدارة الحسابات عند بداية الحرب ويؤدي ذلك إلى خلق حالة من التحول المستمر في الغايات الاستراتيجية، بحيث تصبح كل جولة عسكرية منتجة لأهداف جديدة.

ومن أهم المؤشرات في هذا السياق قضية مضيق هرمز، التي تحولت إلى عنصر رئيسي في الحسابات العسكرية والاقتصادية للصراع. فإعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة أصبحت هدفاً إضافياً نتيجة التطورات المرتبطة بالحرب، الأمر الذي يعكس كيف يمكن للميدان العسكري أن يعيد تعريف الأهداف بدلاً من الاكتفاء بتحقيق الأهداف التي بدأت الحرب من أجلها.

إعادة تشكيل البيئة الإقليمية

لا تتوقف آثار الحروب عادة عند حدود الدول التي تشارك فيها بصورة مباشرة، وإنما تمتد إلى البيئة الإقليمية المحيطة بها، فتغير التحالفات وتعيد توزيع الأدوار وتفرض أولويات أمنية جديدة. ولذلك، فإن قياس نهاية الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران لا يمكن أن يتم من خلال مراقبة الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران فقط، بل ينبغي النظر أيضاً إلى تأثيراتها على دول الخليج والقوى الإقليمية والفاعلين من غير الدول.

وقد أدت الحرب إلى إعادة طرح مجموعة واسعة من الأسئلة المتعلقة بمستقبل الأمن الإقليمي ودور الولايات المتحدة، وحدود الدور الإسرائيلي، ومستقبل النفوذ الإيراني، إضافة إلى موقع القوى الإقليمية الأخرى في أي ترتيبات أمنية مستقبلية وهذا يعني أن نتائج الحرب لم تتوقف عند الجانب العسكري، وإنما بدأت تفرض نفسها على الحسابات السياسية والاستراتيجية لدول المنطقة.

ويعد غياب تصور إقليمي موحد للأمن أحد أبرز العوامل التي تجعل انتقال الحرب إلى التاريخ أمراً صعباً. فالدول العربية لا تتبنى بالضرورة تصوراً واحداً لطبيعة التهديدات الأمنية أو للدور الذي ينبغي أن تؤديه القوى الخارجية في حماية المنطقة كما لا تزال فكرة إنشاء آلية دفاع عربي مشتركة تواجه تحديات سياسية واستراتيجية مرتبطة بتباين المصالح والرؤى بين الدول.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن بناء معادلة أمن إقليمي مستقرة من دون التعامل مع القوى غير العربية ذات التأثير المباشر، وفي مقدمتها إيران وتركيا وإسرائيل. فهذه القوى تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وسياسية تجعل استبعادها من أي ترتيبات أمنية إقليمية أمراً صعباً كما أن التنافس بينها يضيف مستوى آخر من التعقيد إلى البيئة الأمنية في الشرق الأوسط.

ويبرز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة باعتباره أحد العناصر الأساسية في هذه المعادلة. فالولايات المتحدة تمثل بالنسبة إلى بعض الدول ضمانة أمنية مهمة، بينما تنظر أطراف أخرى إلى وجودها العسكري باعتباره عاملاً يزيد من تعقيد التوازنات الإقليمية ومن ثم فإن مستقبل الوجود الأمريكي سيظل مرتبطاً بصورة مباشرة بأي تصور جديد للأمن الإقليمي.

كما أن اتساع نطاق الحرب ليشمل ساحات وفاعلين آخرين يعكس صعوبة الانتقال السريع من الحرب إلى مرحلة الاستقرار فكلما اتسعت رقعة الصراع، ازدادت الأطراف التي تملك القدرة على التأثير في مساره، وأصبح الوصول إلى تسوية شاملة أكثر تعقيداًوقد يؤدي ذلك إلى انتقال الحرب من مواجهة مباشرة إلى سلسلة من الصراعات غير المباشرة، بما يجعل نهايتها أقل وضوحاً.

استنفاد القدرة على مواصلة الحرب

لا تنتهي جميع الحروب نتيجة تحقيق أحد الأطراف أهدافه بصورة كاملة، إذ قد تصل الأطراف إلى النهاية عندما تصبح تكلفة استمرار القتال أكبر من الفوائد التي يمكن تحقيقها منه ويعرف هذا النمط من النهايات باستنفاد القدرة على مواصلة الحرب، وهو يختلف عن استنفاد الأهداف لأن الدولة قد تظل متمسكة بأهدافها الاستراتيجية، لكنها تدرك أن استمرار الحرب لم يعد وسيلة فعالة لتحقيقها.

وتشمل تكلفة استمرار الحرب جوانب متعددة، منها التكلفة الاقتصادية، واستنزاف القدرات العسكرية، والضغوط السياسية الداخلية، وتراجع الدعم الشعبي، والضغوط الدولية، إضافة إلى المخاطر التي قد تترتب على استمرار التصعيد واتساع نطاق المواجهة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، حيث قد تصل الأطراف في مرحلة معينة إلى قناعة بأن استمرار الحرب لن يؤدي إلى نتائج استراتيجية إضافية تتناسب مع حجم التكلفة وفي هذه الحالة يصبح التفاوض وسيلة لإنهاء الحرب، حتى إذا لم تحقق الأطراف جميع أهدافها الأصلية.

ويكتسب التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أهمية خاصة في هذا السياق، لأنه يمكن أن يوفر مخرجاً سياسياً يحفظ لكل طرف جزءاً من مصالحه، ويتيح إنهاء العمليات العسكرية دون أن يضطر أي طرف إلى الاعتراف الصريح بالهزيمة وغالباً ما تعتمد تسويات الحروب على مثل هذه الصيغ التي تسمح للأطراف بإعادة تقديم النتائج أمام جمهورها الداخلي باعتبارها مكاسب أو على الأقل منعاً لخسائر أكبر.

غير أن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة أن الحرب ستصل إلى نهاية نهائية فقد يؤدي وقف القتال إلى فترة من الهدوء تستغلها الأطراف لإعادة بناء قدراتها العسكرية، ثم تعود المواجهة في جولة جديدة وفي هذه الحالة لا تكون الحرب قد انتهت، وإنما دخلت مرحلة مختلفة من الصراع.

خاتما: تكشف دراسة مفهوم انتهاء الحرب وتطبيقه على الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أن الانتقال من الجغرافيا إلى التاريخ لا يحدث بمجرد توقف العمليات العسكرية أو الإعلان عن هدنة فالحرب تصبح تاريخاً عندما تتوقف عن إنتاج وقائع استراتيجية جديدة وتستقر نتائجها السياسية والعسكرية والأمنية، وتتحول من فاعل مباشر في صناعة الأحداث إلى مرجع يفسر التحولات التي جاءت بعدها.

وتظهر الاختبارات الأربعة أن الحرب لم تصل بعد إلى هذه المرحلة بصورة واضحة فما تزال أهدافها الأساسية محل جدل واختبار، كما أن معادلة الردع التي يفترض أن تنتج عنها لم تستقر بصورة نهائية، ولم تتشكل بعد بيئة إقليمية جديدة يمكنها أن تستوعب نتائج الحرب وتمنع عودة الصراع، فضلاً عن استمرار قدرة الأطراف على مواصلة المواجهة أو إعادة بناء قدراتها استعداداً لجولات مستقبلية.

المصدر: الأهرام للدرسات السياسية والاستراتيجية

الكاتب : رانيا مكرم

التاريخ : 12/8/2026

------------------------------------------------------------------------------------------

المصدربوابة المصري اليوم

التاريخ : 12/8/2026


المقالات الأخيرة