تعثر التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط
فرع القاهرة

شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال العقد ونصف العقد الأخير تحولات عميقة في طبيعة التهديدات ومصادرها، انعكست بصورة مباشرة على أنماط التعاون الأمني والعسكري بين دول الإقليم. فلم تعد إدارة العلاقات مع الحلفاء أقل أهمية من إدارة المواجهة مع الخصوم، بل أصبحت جزءاً أساسياً من عملية صياغة الأمن الوطني والإقليمي ويعود ذلك إلى اتساع نطاق التهديدات، من اضطرابات الملاحة وممرات الطاقة إلى النزاعات المسلحة، وتنامي أدوار الفاعلين من غير الدول، وتبدل موازين القوى، فضلاً عن تراجع قدرة الترتيبات التقليدية على الاستجابة بصورة ثابتة للتحولات المتسارعة.

وفي هذا السياق، برزت أنماط جديدة من العلاقات يمكن وصفها بالتحالفات المرنة أو الجزئية وتحالفات القضية الواحدة، والائتلافات المؤقتة، والشراكات الهجينة. وتختلف هذه الصيغ عن التحالفات الصلبة التي تقوم على التزامات طويلة الأجل وهياكل واضحة للدفاع المشترك، إذ تسمح للدول بالحفاظ على هامش أوسع من الاستقلالية، والتعاون في ملفات محددة دون الاضطرار إلى التطابق في جميع القضايا ويعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً بأن المصالح لا تتطابق بصورة كاملة، وأن تعدد مصادر التهديد يفرض تنويع الشراكات بدلاً من الارتهان لتحالف واحد ثابت.

وتكتسب الظاهرة أهمية خاصة مع بروز قوى إقليمية متوسطة مثل مصر والسعودية وتركيا وباكستان، تسعى إلى توسيع هامش المناورة الاستراتيجية من خلال علاقات متوازية مع القوى الكبرى ودول الإقليم. ويظهر ذلك في ترتيبات دفاعية وأمنية متعددة، وفي محاولات بناء شبكات تعاون تتعامل مع قضايا محددة، من مكافحة الإرهاب وحماية الممرات البحرية إلى تطوير الصناعات الدفاعية وتبادل المعلومات والإنذار المبكر. ويناقش هذا التقرير أسباب تعثر التحالفات الصلبة، والعوامل التي دفعت نحو سيولة التحالفات، وانعكاسات ذلك على الأمن الإقليمي.

التحالفات المرنة

تقوم التحالفات التقليدية على تجميع الموارد العسكرية والاقتصادية، ومواءمة المصالح الاستراتيجية، وتحديد خصم أو تهديد مشترك، ثم بناء التزامات واضحة لردعه أو التصدي له وقد مثّلت هذه الصيغة إحدى الأدوات الأساسية التي تلجأ إليها الدول عندما تدرك أن مواردها الذاتية لا تكفي لمواجهة التهديدات أو تحقيق أهدافها الأمنية غير أن البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط لم تعد تسمح بسهولة بتكوين تحالفات جامدة ومستقرة، لأن الدول لا تتفق بالضرورة على تعريف موحد لمصادر التهديد، كما أن مصالحها الاقتصادية والأمنية والسياسية قد تتقاطع في ملف وتتعارض في ملف آخر.

لذلك أصبح من الأكثر واقعية إنشاء ترتيبات محددة الهدف والمدة، بحيث تستطيع الدولة التعاون مع طرف في مجال الدفاع أو الطاقة أو الأمن البحري، مع الاحتفاظ بعلاقات مختلفة معه في ملفات أخرى ويعكس ذلك مفهوم التحالف السائل الذي يقوم على المرونة والتكيف بدلاً من الالتزام الشامل وتبرز الاتفاقات الدفاعية الثلاثية بين السعودية وتركيا وباكستان مثالاً على هذا الاتجاه، إذ إن قيمة مثل هذه الترتيبات لا تتوقف على النصوص القانونية، وإنما تعتمد على وجود آليات تنفيذ واضحة، وقنوات اتصال فعالة، وتدريبات مشتركة، وتنسيق في عملية صنع القرار.

فالردع لا يتحقق بمجرد إعلان التضامن، وإنما يحتاج إلى قدرة عملية على تحويل الالتزام السياسي إلى إجراءات قابلة للتنفيذ. ولذلك فإن تقييم أي ترتيب دفاعي جديد يتطلب النظر إلى بنيته المؤسسية، ومدى توافق مصالح أعضائه، وقدرته على الاستمرار بعد تغير الظروف التي أدت إلى إنشائه كما أن التحالفات المرنة تسمح بتقليل الاعتماد على القوى الخارجية وتنويع الشراكات دون قطع العلاقات مع القوى الكبرى، وهو ما يمنح الدول مساحة أكبر للمناورة والاستفادة من الموارد العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية لعدة شركاء.

 

سيولة الإقليم

يعد التعقيد الإقليمي أحد أهم الأسباب التي أضعفت قدرة التحالفات التقليدية على الاستمرار فمنذ موجات الاضطراب السياسي التي بدأت عام 2011، شهد الشرق الأوسط تفككاً في بعض مؤسسات الدولة، وصعود قوى مسلحة من غير الدول، وتوسع النزاعات الداخلية ذات الأبعاد الإقليمية، وتزايد التدخلات الخارجية كما أدت الصراعات الممتدة في ليبيا واليمن وسوريا والعراق ولبنان والسودان إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن، بحيث لم يعد التهديد يأتي بالضرورة من دولة تقليدية، وإنما قد يصدر عن جماعات مسلحة أو شبكات عابرة للحدود أو أزمات اقتصادية وإنسانية ذات آثار أمنية.

وأدت هذه التحولات إلى مراجعة مستمرة للمحاور الإقليمية. فقد أصبحت بعض الدول تتعامل مع مجموعة من التهديدات في وقت واحد، الأمر الذي يجعل الانضمام إلى تحالف واحد غير كافٍ لتغطية جميع احتياجاتها ولذلك تتجه إلى بناء أكثر من شراكة في التوقيت نفسه، بحيث يختص كل ترتيب بملف محدد وتظهر السعودية نموذجاً لدولة تنخرط في ترتيبات متعددة تتصل بالأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب وحماية الممرات البحرية وتطوير العلاقات الدفاعية مع قوى آسيوية وإقليمية.

كما اتجهت مصر إلى سياسة تقوم على تنويع دوائر التعاون بدلاً من الاعتماد على محور واحد، فعززت علاقاتها بالسودان وطورت أطر التعاون مع اليونان وقبرص ووسعت تعاونها مع العراق والأردن، بالتوازي مع تحسن العلاقات المصرية التركية ويعكس هذا النهج محاولة لبناء شبكة من المصالح المتوازية، بحيث تستطيع القاهرة حماية مصالحها في ملفات المياه والطاقة والأمن البحري ومكافحة الإرهاب دون الدخول في التزامات تحالفية جامدة وتزداد أهمية هذه السيولة مع التحولات المرتبطة بالحرب في غزة والتوتر مع إيران واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، إذ يصبح التحرك بين الشراكات عاملاً من عوامل القوة.

 

القيادة والمصالح

لا تقتصر أسباب تعثر التحالفات على البيئة الإقليمية، بل ترتبط أيضاً بالتغيرات في القيادة السياسية داخل الدول. فصعود قيادة جديدة قد يؤدي إلى إعادة تعريف مصادر التهديد وتغيير أولويات السياسة الخارجية وإعادة توزيع الموارد بين الشراكات القائمة ولذلك يمكن أن تتغير طبيعة العلاقة بين الدول حتى من دون تغير جوهري في الجغرافيا السياسية وتوضح تجارب مصر والسعودية والإمارات وتركيا أن أساليب إدارة العلاقات الإقليمية تختلف باختلاف الرؤية السياسية للقيادات وباختلاف تقديرها للمخاطر والفرص.

ويضاف إلى ذلك عامل المصالح الناقصة، أي أن الدول المتحالفة قد تتفق على مجموعة من الأهداف دون أن تتطابق مصالحها بالكامل ففي أي ترتيب دفاعي قد تختلف الدول الأعضاء في تقدير الأولويات؛ فالسعودية تضع أمن الخليج وإيران في مقدمة حساباتها، بينما تضع تركيا في حساباتها ملفات شرق المتوسط وأمنها الإقليمي، في حين ترتبط الأولويات الباكستانية بدرجة كبيرة ببيئتها الأمنية في جنوب آسيا ولذلك فإن وجود اتفاق دفاعي لا يعني بالضرورة نشوء عقيدة دفاعية موحدة.

وتظهر الإشكالية كذلك داخل الأطر الإقليمية القائمة، فقد كشفت أزمة مجلس التعاون الخليجي التي بدأت عام 2017 والتباينات السعودية الإماراتية حول بعض الملفات أن الانتماء إلى تكتل واحد لا يلغي اختلاف المصالح الوطنية كما ساهمت الخلافات بين الجزائر والمغرب في إضعاف فاعلية اتحاد المغرب العربي ودفع الدولتين إلى توسيع علاقاتهما خارج الإطار المغاربي. وتؤكد هذه الحالات أن المؤسسات الإقليمية تحتاج إلى آليات فعالة لإدارة الخلافات.

كما أن سلوك القوى الدولية يؤثر في صلابة التحالفات. فالولايات المتحدة، بوصفها لاعباً مركزياً، ينظر إليها عدد من الحلفاء باعتبارها شريكاً ضرورياً، لكنهم يسعون في الوقت نفسه إلى تقليل الاعتماد الكامل عليها وتنويع العلاقات مع قوى أخرى ويعكس هذا الاتجاه رغبة في بناء استقلالية استراتيجية نسبية، لا تعني القطيعة مع واشنطن، وإنما تقليل مخاطر الاعتماد على مصدر واحد للأمن والتكنولوجيا والسلاح.

مستقبل الأمن

تشير التحولات الراهنة إلى أن مستقبل الأمن في الشرق الأوسط قد يتجه نحو نظام متعدد الشراكات بدلاً من نظام قائم على أحلاف ثابتة فالدول ستواصل البحث عن ترتيبات تستطيع من خلالها حماية مصالحها دون تحمل تكلفة الالتزامات الشاملة وستزداد أهمية التعاون في الأمن البحري والدفاع الجوي والإنذار المبكر وتبادل المعلومات والصناعات الدفاعية وأمن الطاقة ومواجهة التهديدات غير التقليدية وهذا يعني أن التحالفات المستقبلية قد تصبح أقل ارتباطاً بالعدو المشترك وأكثر ارتباطاً بالقدرة على توفير منفعة أمنية محددة.

ومن المرجح أن تستمر القوى الإقليمية المتوسطة في لعب دور متزايد. فمصر تمتلك موقعاً جغرافياً وثقلاً عسكرياً ودبلوماسياً، والسعودية تمتلك موارد مالية ونفوذاً سياسياً، وتركيا تجمع بين القدرات العسكرية والموقع الجغرافي والعلاقات المتعددة، بينما تمتلك باكستان خبرات وقدرات دفاعية مهمة ويمكن لهذه القوى أن تشكل شبكات تعاون متعددة دون أن تتحول بالضرورة إلى محور موحد، بما يقلل قدرة قوة واحدة على احتكار صياغة قواعد الأمن الإقليمي.

وفي المقابل، تحمل التحالفات المرنة مخاطر واضحة، أبرزها ضعف الالتزام وصعوبة تحديد آليات التدخل واحتمال اختلاف الحسابات عند وقوع أزمة حقيقية فكلما تعددت التحالفات التي تنتمي إليها الدولة زادت احتمالات تضارب الالتزامات. كما أن الترتيبات التي تقوم على تهديد مؤقت قد تفقد قيمتها بعد تراجع التهديد، ما يجعل دورة حياة التحالف قصيرة وقابلة لإعادة التشكيل. ولذلك فإن نجاح هذه الصيغ يتطلب مؤسسات للتنسيق المستمر وقواعد واضحة لاتخاذ القرار.

ويظل الترتيب الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان مثالاً مهماً على التحول نحو الشراكات المرنة، لكنه يحتاج إلى وضوح بشأن القيادة المشتركة وقواعد التدخل وطبيعة الالتزامات والقدرات التي يمكن تعبئتها عند وقوع تهديد كما أن عدم انضمام مصر إلى هذا الترتيب يوضح أن التقارب بين القوى الإقليمية لا يعني التوافق الكامل، وأن لكل دولة حساباتها الخاصة ومن ثم فإن تقييم أي اتفاق يجب أن ينطلق من قدرته العملية على إنتاج ردع وتعاون مستدام، وليس من رمزيته السياسية فقط.

خاتماً: تكشف دراسة التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط عن انتقال واضح من نموذج الأحلاف الصلبة إلى شبكة أكثر سيولة ومرونة وتعددية ويعود هذا التحول إلى تعقد البيئة الأمنية وتغير مصادر التهديد وتبدل القيادات والأولويات الوطنية وتباين المصالح بين الحلفاء فضلاً عن رغبة الدول في تقليل الاعتماد على القوى الخارجية وتنويع شراكاتها الاستراتيجية ولم تعد الدولة تنظر إلى التحالف باعتباره التزاماً دائماً تجاه طرف واحد، وإنما باعتباره أداة قابلة لإعادة الضبط وفقاً لتغير المصالح والتهديدات.

وفي ضوء ذلك، فإن التحالفات المرنة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها بديلاً كاملاً عن الترتيبات التقليدية، بل باعتبارها استجابة لواقع إقليمي لا يسمح بسهولة بتشكيل أحلاف مستقرة ذات مصالح متطابقة وقد يكون نجاحها مرهوناً بقدرتها على تحقيق توازن بين المرونة والالتزام وبين الاستقلالية والتنسيق، وبين المصالح الوطنية ومتطلبات الأمن الجماعي. كما أن استدامتها تتطلب مؤسسات وآليات واضحة لتحويل التفاهم السياسي إلى تعاون عسكري وأمني قابل للقياس.

وعليه، فإن مستقبل الأمن الإقليمي لن يتحدد فقط بوجود تحالفات جديدة، وإنما بمدى قدرة دول الشرق الأوسط على إدارة اختلافاتها داخل هذه الترتيبات، وتحديد المصالح المشتركة بصورة دقيقة، وتطوير أدوات للإنذار المبكر وتسوية الأزمات وتنسيق القرار وإذا نجحت الدول في بناء شراكات متعددة المستويات تقوم على المصالح الواقعية والتكيف المستمر، فقد تتحول سيولة التحالفات من مصدر لعدم الاستقرار إلى أداة لإدارة التعقيد الإقليمي أما إذا بقيت هذه التحالفات رهينة الحسابات المؤقتة والتنافسات البينية، فإنها ستظل عرضة للتفكك وإعادة التشكيل، بما يعمق هشاشة النظام الإقليمي بدلاً من معالجتها.

 

 

المصدر: مركز الأهرام للدرسات السياسية والاستراتيجية

الكاتب : د. محمد عز العرب

التاريخ : 13/8/2026

-----------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: صحيفة الأسبوع

الكاتب : د طارق هلال

التاريخ : 8/8/2026

المقالات الأخيرة