يمر السودان بواحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخه السياسي والأمني الحديث، في ظل استمرار الحرب واتساع نطاق المواجهات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وما ترتب على ذلك من تداعيات إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة وفي هذا السياق، جاء خطاب عبد الفتاح البرهان بمناسبة الذكرى الثانية والسبعين لعيد الجيش السوداني، متضمنًا دعوة إلى إطلاق حوار سوداني شامل، مع التعهد بتوفير الضمانات اللوجستية والقانونية والأمنية وتسهيل الحريات ومنح حصانات مؤقتة للمشاركين وقد بدا هذا الطرح، في ظاهره، محاولة لفتح نافذة سياسية يمكن من خلالها الانتقال من حالة المواجهة العسكرية إلى مسار تفاوضي يتيح إعادة ترتيب المشهد السياسي السوداني.
غير أن قراءة الخطاب في ضوء التطورات العسكرية والسياسية المصاحبة له تكشف عن وجود فجوة واضحة بين الخطاب السياسي ومتطلبات إنهاء الحرب فالدعوة إلى الحوار جاءت بالتوازي مع تأكيد استمرار العمليات العسكرية إلى حين تحقيق أهداف عسكرية وسياسية حددها الخطاب، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة الحوار المقترح، وما إذا كان يمثل مدخلًا حقيقيًا لإنهاء الصراع أم أداة لإعادة تنظيم السلطة في ظل استمرار الحرب كما أن غياب إعلان واضح عن وقف إطلاق النار، إلى جانب عدم وضع الأزمة الإنسانية في صدارة المبادرة، يحد من قدرة الطرح على اكتساب توافق واسع بين القوى السياسية والمدنية المختلفة.
المبادرة السياسية للحوار
تمثل الدعوة إلى حوار سوداني شامل إحدى أبرز النقاط السياسية التي تضمنها خطاب عبد الفتاح البرهان، إذ حملت في ظاهرها محاولة لتقديم إطار سياسي يمكن أن تستوعب داخله القوى السودانية المختلفة ويكتسب هذا الطرح أهميته من كونه صدر في مرحلة وصلت فيها الحرب إلى مستوى مرتفع من التعقيد، وأصبحت معه الحلول العسكرية وحدها عاجزة عن تقديم تسوية مستقرة للصراع فاستمرار العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة قدرة أي طرف على حسم النزاع بصورة نهائية، في ظل اتساع رقعة القتال وتعدد مراكز النفوذ وارتباط الأطراف السودانية بدوائر دعم وتحالفات داخلية وإقليمية.
وقد حاول الخطاب تقديم الحوار باعتباره مسارًا يمكن أن يوفر للمشاركين ضمانات قانونية وأمنية ولوجستية، إلى جانب توفير مساحة للحريات السياسية ومنح حصانات مؤقتة وتبدو هذه الضمانات، من الناحية النظرية، محاولة لمعالجة أحد أهم أسباب عزوف الأطراف السياسية عن الانخراط في حوار يجري في بيئة أمنية مضطربة غير أن قيمة أي مبادرة سياسية لا تتحدد فقط بما تتضمنه من ضمانات، وإنما بمدى توافر الشروط الموضوعية التي تسمح بتنفيذها، وفي مقدمتها وقف الأعمال العدائية، وضمان مشاركة الأطراف الأساسية ووجود جهة مستقلة قادرة على إدارة العملية السياسية بصورة تحظى بثقة المتنافسين.
ومن هنا يبرز التناقض الأساسي في المبادرة، والمتمثل في الجمع بين الدعوة إلى الحوار والتأكيد على مواصلة العمليات العسكرية فالحوار السياسي يحتاج، لكي يتحول إلى عملية تفاوضية حقيقية، إلى بيئة تسمح للأطراف بالتواصل بعيدًا عن ضغط العمليات العسكرية، كما يحتاج إلى حد أدنى من الثقة المتبادلة أما استمرار الحرب بالتوازي مع الحوار، فيمكن أن يؤدي إلى استخدام المسار السياسي باعتباره أداة لإدارة الصراع بدلًا من إنهائه وفي هذه الحالة قد يصبح الحوار وسيلة لتثبيت موازين القوى القائمة، بدلًا من أن يكون مدخلًا لإعادة بناء الدولة على أساس سياسي جديد.
كما أن ارتباط المبادرة بالواقع الميداني يجعل تفسيرها أكثر تعقيدًا. فقد جاءت الدعوة في أعقاب تصعيد عسكري وتغيرات في السيطرة على مناطق استراتيجية، وهو ما يعني أن العامل العسكري ظل حاضرًا بقوة في صياغة المواقف السياسية ومن منظور تحليل الصراعات، فإن الأطراف غالبًا ما تلجأ إلى المبادرات السياسية عندما تتغير حسابات القوة أو عندما يصبح استمرار الحرب مكلفًا بدرجة تفوق مكاسبها المحتملة. ولذلك فإن توقيت المبادرة يمثل عنصرًا مهمًا لفهم أهدافها، إذ يمكن النظر إليها باعتبارها محاولة للجمع بين الضغط العسكري والتحرك السياسي في آن واحد.
وتبرز كذلك الأزمة الإنسانية باعتبارها عنصرًا حاسمًا في تقييم المبادرة فالحرب السودانية لم تعد مجرد صراع سياسي بين قوتين عسكريتين، وإنما تحولت إلى أزمة إنسانية واسعة النطاق أفرزت أعدادًا كبيرة من النازحين والمتضررين، وأثرت في الخدمات الأساسية والبنية الاقتصادية والاجتماعيةوبالتالي فإن أي حوار لا يضع حماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية ووقف استهداف المناطق السكنية في مقدمة أولوياته سيظل معرضًا لفقدان شرعيته الشعبية والأخلاقية.
الانقسام السياسي ومواقف القوى المدنية
أثارت المبادرة حالة واسعة من الانقسام داخل الساحة السياسية السودانية، وهو انقسام يعكس بصورة مباشرة عمق الاستقطاب الذي خلفته الحرب. فقد أبدت بعض القوى القريبة من المعسكر الداعم للجيش مواقف أكثر إيجابية تجاه الدعوة، معتبرة أنها يمكن أن تشكل خطوة باتجاه التوافق الوطني، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على استقلالية القرار السوداني وملكية السودانيين للعملية السياسية ويعكس هذا الموقف رغبة لدى بعض القوى في استثمار أي فرصة يمكن أن تفتح المجال أمام إعادة بناء المؤسسات السياسية، حتى وإن كانت العملية تبدأ في ظروف شديدة التعقيد.
في المقابل، واجهت المبادرة رفضًا من قوى مدنية وثورية ترى أن أي حوار لا يسبقه وقف للحرب لا يمكن أن يؤدي إلى تسوية مستدامة. ووفق هذا التصور، فإن استمرار القتال أثناء إطلاق الحوار يجعل ميزان القوة العسكري حاضرًا داخل العملية السياسية، بما يمنح الطرف الأقوى ميدانيًا قدرة أكبر على فرض شروطه. ومن ثم، تركز هذه القوى على ضرورة الفصل بين المسار العسكري والمسار السياسي، بحيث يكون وقف إطلاق النار مدخلًا أساسيًا لأي عملية تفاوضية.
وقد ذهب بعض ممثلي القوى المدنية إلى اعتبار المبادرة محاولة لإعادة إنتاج سلطة الأمر الواقع وإضفاء شرعية سياسية عليها. ويستند هذا الموقف إلى التخوف من أن يؤدي الحوار المحدود، الذي لا يشمل جميع القوى المؤثرة، إلى تأسيس ترتيبات انتقالية تفتقر إلى التوافق الوطني كما يخشى المعارضون من أن يؤدي منح حصانات واسعة أو مؤقتة إلى تعطيل مسار العدالة والمساءلة، خاصة في ظل الاتهامات والانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات الصراع.
وتكشف هذه المواقف عن مشكلة جوهرية تواجه أي عملية سياسية في السودان، تتمثل في غياب الاتفاق حول تعريف القوى التي ينبغي أن تشارك في المرحلة الانتقالية. فالمشهد السياسي لم يعد مقسمًا فقط بين الجيش والدعم السريع، وإنما يضم قوى مدنية وحركات مسلحة وتيارات سياسية وإسلامية ومكونات اجتماعية ومجموعات شبابية، لكل منها رؤيتها لمستقبل الدولة. ولذلك فإن اختيار المشاركين في الحوار يمثل في حد ذاته قضية سياسية لا تقل أهمية عن مضمون الحوار.
كما أن استدعاء تجارب سابقة للحوار السياسي في السودان يعكس حجم انعدام الثقة بين الأطراف فالقوى المدنية المناهضة للحرب تنظر بعين الريبة إلى أي عملية قد تعيد إنتاج الترتيبات السياسية السابقة أو تمنح المؤسسات العسكرية دورًا مركزيًا في إدارة المرحلة الانتقالية. وفي المقابل، ترى بعض القوى المساندة للجيش أن استبعاد المؤسسة العسكرية أو القوى المتحالفة معها سيؤدي إلى عملية سياسية غير متوازنة لا تعكس الواقع الميداني.
وتزداد حدة الانقسام مع استمرار الحرب، لأن كل طرف يسعى إلى توظيف العملية السياسية لتعزيز موقفه فالطرف الذي يمتلك قوة عسكرية أكبر يمكن أن يستخدم تقدمه الميداني للحصول على شروط سياسية أفضل، بينما تسعى القوى المدنية إلى منع تحويل الانتصارات العسكرية إلى شرعية سياسية دائمة ولهذا فإن أي عملية تفاوضية ناجحة تحتاج إلى صياغة قواعد واضحة تمنع تحويل القوة العسكرية إلى أداة لفرض شكل النظام السياسي.
التيار الإسلامي والمعسكر المساند للجيش
لا يمكن فهم تعقيدات المشهد السياسي السوداني من دون التوقف عند التباينات داخل التيار الإسلامي والقوى التي ارتبطت بصورة أو بأخرى بالمعسكر المساند للجيش. فقد أظهرت المواقف الصادرة عن شخصيات محسوبة على هذا التيار وجود خلافات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وحدود العلاقة مع القيادة العسكرية، ودور التيارات الإسلامية في صياغة مستقبل الدولة السودانية.
وقد برز هذا التباين بصورة واضحة في المواقف المتباينة تجاه خطاب البرهان. ففي حين عبّرت بعض الأصوات الإسلامية عن دعمها للجيش وتقديرها لتضحياته، وجهت في الوقت نفسه انتقادات حادة للبرهان، معتبرة أن بعض توجهاته السياسية قد تؤدي إلى تهميش القوى الإسلامية أو تقليص نفوذها في المرحلة المقبلة. ويكشف ذلك عن مفارقة سياسية تتمثل في وجود تحالف ميداني بين أطراف متعددة، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود توافق سياسي كامل بينها.
وفي المقابل، ظهرت أصوات أخرى داخل التيار الإسلامي تنتقد هذه المواقف، وتحمل القيادات السياسية مسؤولية جزء من حالة الفوضى التي وصلت إليها البلاد. كما اتجه بعض الكتاب والشخصيات الإسلامية إلى انتقاد طريقة إدارة القيادة السياسية للمرحلة، معتبرين أن الصراع الداخلي بين التيارات قد يضعف قدرتها على التأثير في مستقبل السودان.
ويكتسب هذا التباين أهمية خاصة لأن مستقبل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتيارات الإسلامية يمثل أحد الملفات الأساسية في أي ترتيبات سياسية مقبلة. فإعادة بناء الدولة السودانية تتطلب تحديد طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية، ومنع تحول القوات النظامية أو التشكيلات المسلحة إلى أدوات لخدمة مشاريع حزبية أو أيديولوجية. كما أن بناء جيش وطني موحد ومهني يتطلب إعادة النظر في جميع التشكيلات المسلحة وشبكات النفوذ التي نشأت داخل الدولة أو على هامشها.
السيناريوهات المحتملة لمستقبل السودان
يمثل خطر تفكك الدولة أحد أخطر تداعيات استمرار الحرب السودانية، خصوصًا في ظل اتساع رقعة العمليات العسكرية وتعدد القوى المسيطرة على مناطق مختلفة من البلاد. فكلما طال أمد الحرب، زادت احتمالات ظهور مناطق نفوذ مستقلة بحكم الأمر الواقع، تتولى فيها تشكيلات عسكرية أو جماعات مسلحة إدارة الموارد والأمن والخدمات، وهو ما يضعف المركز ويقوض وحدة مؤسسات الدولة.
وقد حذرت أصوات سياسية وأكاديمية من أن إجراء حوار في ظل استمرار القصف والنزوح الواسع قد يفقد العملية السياسية مصداقيتها. فالحوار الذي يجري بينما يعيش ملايين المدنيين تحت تأثير الحرب قد يبدو منفصلًا عن الأولويات اليومية للمجتمع السوداني. ولذلك فإن أي عملية سياسية لا تتزامن مع خطوات ملموسة لحماية المدنيين وتخفيف الأزمة الإنسانية ستواجه صعوبة في اكتساب التأييد الشعبي.
ومن منظور استشرافي، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الأزمة. يتمثل السيناريو الأول في استمرار القيادة العسكرية في تنظيم الحوار بصورته الحالية، مع مشاركة القوى المتحالفة معها أو القريبة منها واستبعاد بعض الأطراف الرافضة للحرب وقد يؤدي هذا السيناريو إلى تعميق الانقسام السياسي، خصوصًا إذا جرى استخدام الحوار لتشكيل سلطة انتقالية دون توافق واسع. كما يمكن أن يؤدي استمرار العمليات العسكرية إلى تحويل السودان إلى مساحة نفوذ متعددة، تتنافس فيها القوى المسلحة على الموارد والمراكز الاستراتيجية.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في نجاح الضغوط الدولية والإقليمية في دفع طرفي الصراع إلى التفاوض المباشر على أساس وقف شامل لإطلاق النار. ويُعد هذا السيناريو الأكثر قدرة على توفير أرضية للحل السياسي، لكنه يتطلب إرادة حقيقية من الأطراف المتحاربة، فضلًا عن وجود آلية فعالة لمراقبة وقف إطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإنسانية. ويمكن أن يتطور هذا المسار لاحقًا إلى عملية سياسية مدنية مستقلة تهدف إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وإطلاق عملية عدالة انتقالية، وإجراء انتخابات وفق ترتيبات دستورية متوافق عليها.
أما السيناريو الثالث، فيتمثل في استمرار سياسة إدارة الوقت من خلال المبادرات والحوارات الشكلية بالتوازي مع تصاعد المواجهات العسكرية. ويُعد هذا السيناريو الأكثر خطورة، لأنه يسمح باستمرار الاستنزاف دون الوصول إلى تسوية، ويمنح الأطراف المسلحة فرصة لإعادة ترتيب صفوفها وتوسيع مناطق نفوذها. ومع مرور الوقت، قد تتحول الحرب إلى صراع متعدد الأطراف يصعب احتواؤه، بما يهدد ليس السودان وحده، وإنما استقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي ودول الجوار.
خاتماً: تكشف المبادرة السياسية التي طرحها عبد الفتاح البرهان عن تعقيدات المرحلة التي يمر بها السودان، فهي تأتي في لحظة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية، وتتزامن فيها الدعوة إلى الحوار مع استمرار العمليات القتالية وتفاقم الأزمة الإنسانية. وبينما يمكن النظر إلى فتح مسار للحوار باعتباره خطوة ضرورية في اتجاه التسوية، فإن فاعلية هذه الخطوة تظل مرتبطة بقدرتها على معالجة الأسباب الأساسية للحرب، وعلى رأسها غياب التوافق السياسي وتعدد مراكز القوة المسلحة وضعف المؤسسات المدنية.
كما أظهر رد الفعل على المبادرة حجم الانقسام داخل الساحة السياسية السودانية، إذ انقسمت المواقف بين قوى ترى في الحوار فرصة لإعادة بناء التوافق الوطني، وأخرى تعتبره محاولة لإعادة إنتاج سلطة الأمر الواقع. ولم يقتصر التباين على القوى المدنية، بل امتد إلى التيارات الإسلامية والقوى المساندة للجيش، بما يؤكد أن المعسكرات المتصارعة عسكريًا لا تمثل بالضرورة كتلًا سياسية متجانسة.
المصدر: إرم نيوز
الكاتب : آلجي حسين
التاريخ : 19/8/2026
-----------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية
التاريخ : 19/8/2026
