أبعاد تنامي الاهتمام العالمي بصناعة الفضاء
فرع بنغازي

لم تَعُد صناعة الفضاء صناعة يُنظر إليها باعتبارها مجالاً للاستكشاف العلمي والتقنيات المكلفة، بل أضحت بمنزلة بنية تحتية استراتيجية تتجاوز نطاق الصواريخ وعمليات الإطلاق، لتشمل الأقمار الصناعية، والدفاع، والاتصالات، والبيانات، والأنظمة التي تجعل استخدام الفضاء أكثر ارتباطاً بالحياة الاقتصادية اليومية. جدير بالذكر أن عام 2026 بات يُنظَر إليه بوصفه نقطة تحول رئيسية للقطاع الفضائي التجاري؛ إذ شهد تحولاً من الاعتماد بدرجة كبيرة على العقود الحكومية التقليدية والمشروعات الناشئة غير المربحة، إلى مرحلةٍ يتزايد فيها دخول الشركات الكبرى إلى السوق؛ ما يشير إلى تغير واضح في خريطة الاستثمار في ذلك القطاع الواعد.

مؤشرات متصاعدة

ثمة مؤشرات تدل على نمو صناعة الفضاء خلال السنوات الأخيرة. ويمكن التطرق إلى بعض هذه الدلائل على النحو التالي:

1- استمرار النمو في أسواق أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية: وفق تقرير سوق الفضاء الأوروبية الصادر عن وكالة الاتحاد الأوروبي لبرنامج الفضاء (EUSPA) في مايو 2026، فإن إيرادات سوق مراقبة الأرض بلغت نحو (3.5) مليار يورو في عام 2024، ومن المتوقع أن ترتفع إلى (7.9) مليار يورو بحلول عام 2034، مع استحواذ القطاع الزراعي على الحصة الأكبر من هذا النمو، كما يُتوقع أن ترتفع إيرادات خدمات الملاحة عبر الأقمار الصناعية من (300) مليار يورو في عام 2024 إلى (580) مليار يورو بحلول عام 2034، في ظل تفوق عائدات الخدمات الرقمية والقيمة المضافة على عائدات الأجهزة نفسها، بما يعكس تنامي دور الأنظمة الرقمية المتكاملة داخل الاقتصاد الفضائي.

وقد أشار التقرير ذاته إلى أن الإيرادات في قطاع الملاحة الفضائية تعتمد بصورة رئيسية على الحلول الاستهلاكية وقطاعَي النقل البري وصناعة السيارات، مع توقعات بوصول عدد الأجهزة المزودة بتقنيات الملاحة الفضائية عالمياً إلى ما يقرب من (10) مليارات جهاز بحلول عام 2034.

2- توقعات بتوسع سوق الاتصالات عبر الأقمار الصناعية: شهدت سوق الاتصالات عبر الأقمار الصناعية نمواً سريعاً في السنوات الأخيرة، ومن المتوقع أن يرتفع حجمها من (66.19) مليار دولار أمريكي في عام 2025 إلى (74.53) مليار دولار أمريكي في عام 2026، بمعدل نمو سنوي مركب قدره (11.1%)، كما من المرجح أن يصل حجمها إلى (113.04) مليار دولار أمريكي في عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب قدره (11.4%).

ويعزى هذا النمو إلى توسع البنية التحتية للأقمار الصناعية، وتزايد مبادرات الحكومة والدفاع في هذا المجال، وارتفاع الطلب على البث والإعلام، ونمو الاتصالات المدنية عبر الأقمار الصناعية، واعتماد أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية.

3- نمو حجم الاقتصاد الفضائي العالمي: في عام 2024، بلغ حجم الاقتصاد الفضائي العالمي نحو (613) مليار دولار أمريكي، بما في ذلك العائدات التجارية والتمويل الحكومي. وفي هذا الصدد، توقعت شركة "برايس ووترهاوس كوبرز" أن يصل حجم القطاع إلى نحو تريليونَي دولار بحلول عام 2040، مدفوعاً بصورة رئيسية بالابتكار والاستثمارات الخاصة.

ورغم اختلاف طبيعة المشروعات القائمة على ذلك القطاع الواعد، فإنها تشترك جميعاً في توظيف الفضاء الخارجي لتطوير أنظمة مراقبة وإدارة وتحسين الطاقة والمناخ على كوكب الأرض. ويأتي هذا التوسع بعد عقد كامل من الانخفاض الحاد في تكاليف الإطلاق الفضائي؛ الأمر الذي أدى إلى زيادة كبيرة في نشر الأقمار الصناعية المستخدمة في قطاع الاتصالات والاستشعار عن بعد، وساهم في توسيع نطاق الإمكانات التقنية والاقتصادية المتاحة في الفضاء.

4- تنفيذ عدد قياسي من عمليات إطلاق الأقمار الصناعية: شهد عام 2025 رقماً قياسياً تاريخياً في عمليات إطلاق الأقمار الصناعية؛ حيث جرى تنفيذ عدد قياسي بلغ (296) عملية إطلاق، أسفرت عن وضع (4434) قمراً صناعياً في مدار الأرض، بزيادة قدرها (65%) مقارنة بعام 2024. وخلال العام ذاته، ارتفعت إيرادات صناعة الأقمار الصناعية التجارية بنسبة (4%)، مستحوذة على (71%) من إجمالي النشاط الفضائي العالمي.

 

5- ارتفاع إيرادات خدمات الإنترنت الفضائي والاستشعار عن بعد: ارتفع عدد مشتركي خدمات الإنترنت الفضائي عالمياً في عام 2025 بنسبة (62%) مقارنة بعام 2024، بينما زادت الإيرادات بنسبة (17%)، فيما نمت إيرادات الاستشعار عن بُعد في 2025 بنسبة (4%) مقارنة بالعام السابق، في الوقت الذي ارتفع فيه إجمالي عدد أقمار الاستشعار عن بُعد العاملة في المدار بنسبة (47%) منذ عام 2016.

كما استمر النمو السنوي لإيرادات شبكات الأقمار الصناعية الأرضية ومعدات أنظمة الملاحة العالمية بالأقمار الصناعية (GNSS) بنسبتَي (8%) و(6%) على التوالي، بينما بلغت إيرادات خدمات الأقمار الصناعية نحو (105) مليارات دولار أمريكي، وهو ما يعكس انتقال القطاع من مرحلة "التكنولوجيا الواعدة" إلى مرحلة الطلب الفعلي في الأسواق.

توسع استثماري

خلال السنوات الأخيرة، شهدت صناعة الفضاء اهتماماً واسعاً من جانب الشركات الخاصة والحكومات على السواء؛ ما ساهم في إعادة تشكيل خريطة الاستثمار في تلك الصناعة. وفيما يأتي يمكن الوقوف على أبرز جوانب ذلك التوسع الاستثماري:

1- بروز ثلاثة صناديق استثمار متداولة في البورصة ومرتبطة بقطاع الفضاء: تبرز ثلاثة صناديق استثمار متداولة في البورصة (ETFs) باعتبارها من أبرز الأدوات الاستثمارية المرتبطة بقطاع الفضاء، وهي: صندوق "SPDR S&P Kensho Final Frontiers ETF" المعروف بالرمز (ROKT)، وصندوق "Roundhill MARS Space & Technology ETF" المعروف بالرمز (MARS)، وصندوق "ARK Space Exploration & Innovation ETF" المعروف بالرمز (ARKX). ويعكس كل صندوق رؤية استثمارية مختلفة للاقتصاد الفضائي؛ ما يمنح المستثمرين خيارات متنوعة بحسب مستوى المخاطرة والاستراتيجية الاستثمارية المطلوبة.

2- احتمالية طرح "سبيس إكس" أسهمها للاكتتاب العام في بورصة ناسداك: أشارت تقارير إعلامية متعددة إلى أن شركة "سبيس إكس" – وهي شركة أمريكية خاصة عاملة في مجال رحلات الفضاء والاتصالات والذكاء الاصطناعي – تستعد لطرح أسهمها للاكتتاب العام في بورصة ناسداك خلال شهر يونيو الجاري. ومن المتوقع أن يسهم حدث كهذا في تعزيز اهتمام المستثمرين بقطاع الفضاء بأكمله، بما في ذلك الأقمار الصناعية، وأنظمة الإطلاق، والاتصالات، والبنية التحتية الأرضية، والصناعات الدفاعية المرتبطة به، كما قد يسهم الإدراج المحتمل لشركة "سبيس إكس" في الأسواق العامة، في تقييمٍ قد يعادل نحو (110) أضعاف إيراداتها؛ ما قد يعيد تشكيل نظرة المؤسسات الاستثمارية إلى قطاع الفضاء بوصفه فئة أصول مستقلة وقابلة للاستثمار الطويل الأجل.

جدير بالذكر أن شركة "سبيس إكس" تعد القوة الرئيسية وراء خفض تكاليف الإطلاق وزيادة عمليات نشر الأقمار الصناعية، بفضل صواريخها القابلة لإعادة الاستخدام جزئياً من طراز "فالكون 9". وقد كشفت الشركة مؤخراً عن خطة طموحة تهدف إلى إنشاء بنية حوسبة فضائية للذكاء الاصطناعي بقدرة إجمالية تصل إلى (100) جيجاواط سنوياً في المدار، بدءاً من عام 2028.

3- توقيع شركة "ستار كاتشر" مذكرات تفاهم لتطوير مراكز بيانات مدارية: نجحت شركة "ستار كاتشر" في جمع (65) مليون دولار ضمن جولة تمويلية حديثة؛ حيث وقَّعت اتفاقيات لشراء الطاقة مع عدد من شركات الأقمار الصناعية، إضافة إلى مذكرات تفاهم مع شركات ناشئة تعمل على تطوير مراكز بيانات مدارية، مثل شركة "ستاركلاود"، التي تخطط لتقديم خدمات الحوسبة السحابية الفضائية بحلول عام 2027.

وفي المقابل، تسعى شركة ناشئة أخرى تُدعى "كاوبوي سبيس" إلى بناء مراكز بيانات فضائية وصواريخ خاصة بها. وكانت تلك الشركة قد تأسست في الأصل تحت اسم "إيثر فلوكس" بهدف نقل الطاقة الشمسية من الفضاء إلى الأرض، قبل أن تعلن مؤخراً عن تغيير اسمها واستراتيجيتها بعد جمع (275) مليون دولار في جولة تمويلية جديدة.

4- مساعٍ أوروبية لتوفير اتصالات فضائية آمنة للحكومات والشركات: وفق تقرير سوق الفضاء الأوروبية، فإن قطاع الاتصالات الآمنة عبر الأقمار الصناعية يركز على تلبية احتياجات المراقبة، وحماية البنية التحتية الحيوية، وإدارة الأزمات. وفي هذا الصدد، عمد الاتحاد الأوروبي إلى إطلاق برنامج "IRIS2"، بهدف توفير اتصالات فضائية آمنة للحكومات والشركات والمواطنين، بما يعزز استقلالية البنية التحتية الأوروبية للاتصالات.

وفي سياق متصل، من المتوقع أن تشهد إيرادات خدمات البيانات المقدمة للمستخدمين داخل الاتحاد الأوروبي نمواً ملحوظاً، لترتفع من أكثر من (200) مليون يورو في عام 2025 إلى ما يقارب (1.2) مليار يورو بحلول عام 2040، في إطار حرص الاتحاد الأوروبي الواسع على تعزيز قدراته في ذلك القطاع.

 

4- حفاظ الولايات المتحدة على موقع ريادي في صناعة الفضاء: حافظت الولايات المتحدة على موقعها الريادي في قطاع الفضاء خلال عام 2025؛ حيث قامت الشركات الأمريكية بتصنيع (83%) من الأقمار الصناعية التجارية التي تم إطلاقها، بينما استحوذت شركات الإطلاق الأمريكية على (63%) من إجمالي عمليات الإطلاق المنفذة خلال العام ذاته، و(59%) من إيرادات الإطلاق التجاري. وبنهاية عام 2025، كانت الشركات الأمريكية تدير بشكل كلي أو جزئي أكثر من (70%) من إجمالي الأقمار الصناعية العاملة حول العالم.

6- جهود حثيثة من دولة الإمارات لتعزيز مكانتها في الاقتصاد الفضائي: تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة إلى ترسيخ مكانتها كإحدى القوى الرائدة عالمياً في الاقتصاد الفضائي، مستندةً إلى قاعدة استثمارية تتجاوز (44) مليار درهم إماراتي بما يعادل نحو (12) مليار دولار أمريكي، بجانب استراتيجية طويلة المدى تركز على استكشاف المريخ، ومهام استكشاف الكويكبات، وتطوير التقنيات الفضائية المتقدمة.

يذكر في هذا الصدد أن "الاستراتيجية الوطنية للفضاء 2031" تستهدف إدراج دولة الإمارات ضمن أفضل عشرة اقتصادات فضائية عالمياً بحلول عام 2031، مع مضاعفة إيرادات الاقتصاد الفضائي وزيادة القيمة المضافة للقطاع بنسبة (60%) قبل نهاية العقد الحالي.

تحديات قائمة

رغم الفرص الواعدة، يواجه القطاع الفضائي مجموعة من المخاطر الرئيسية يمكن تسليط الضوء على أبرزها على النحو التالي:

1- مدى قدرة الشركات على تحقيق عوائد مستدامة في قطاع الفضاء: تكمن المعضلة الأساسية في صناعة الفضاء في مدى قدرة الشركات العاملة فيه على تحقيق عوائد مستدامة؛ ما يفرض على المستثمرين ضرورة متابعة مؤشرات مثل العقود الموقعة، وحجم الأعمال المتراكمة، وهوامش الربحية، والإنفاق الرأسمالي؛ إذ يشير حجم الأعمال المتراكمة إلى قيمة العقود التي تم توقيعها ولم تُنفذ بعد، وهو ما يعكس بوضوح حجم الطلب المستقبلي. أما هوامش الربحية، فتوضح إذا ما كان النمو المحقَّق يمكن أن يولد أرباحاً حقيقية أم يقتصر على الوعود التسويقية فحسب.

2- ارتفاع تكاليف البنية التحتية الفضائية: يمثل الإنفاق الرأسمالي عاملاً حاسماً؛ نظراً إلى ارتفاع تكاليف البنية التحتية الفضائية؛ حيث يمكن للمشروعات الطموحة أن تتحول إلى أعباء مالية ضخمة إذا لم تحقق عائداً اقتصادياً فعلياً. ويُعد تنوع العملاء مؤشراً مهماً في هذا السياق؛ إذ غالباً ما تكون الإيرادات الناتجة عن الحكومات، وشركات الطيران، والجهات الدفاعية، ومشغلي الاتصالات، والعملاء في القطاع البحري، أكثر استقراراً من الإيرادات القائمة على توقعات مستقبلية غير مؤكدة.

3- استمرار عدد من التحديات التقنية أمام إدارة مراكز البيانات الفضائية: رغم المزايا النظرية لمراكز البيانات الفضائية، مثل الاستفادة من الطاقة الشمسية الوفيرة والتبريد الطبيعي عبر إشعاع الحرارة في الفضاء، فإن التحديات التقنية لا تزال قائمة، خصوصاً فيما يتعلق بمدى قدرة هذه الأنظمة على التخلص من الحرارة الناتجة عن تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي الكثيفة الاستهلاك للطاقة.

4- تفاقم مخاطر التقييمات المرتفعة: أحياناً تجذب القطاعات الواعدة في صناعة الفضاء توقعات استثمارية مبالغاً فيها، بما قد يؤدي إلى هشاشة أسعار الأسهم إذا لم تتوافق الأرباح الفعلية مع هذه التوقعات؛ إذ إنه في كثير من الأحيان، لا تضع تلك التوقعات في حُسبانها مخاطر التنفيذ التي قد تتعرض لها المشروعات الفضائية، بما في ذلك التأخير والمشكلات التقنية والتنظيمية وارتفاع التكاليف الأولية، فضلاً عن احتمالات تعطل عمليات الإطلاق أو فشل الأقمار الصناعية أو تغير أولويات الإنفاق الحكومي.

5- احتدام التنافس بين الشركات العاملة في قطاع الفضاء: يأتي ضمن أبرز التحديات أمام فرص نمو قطاع الفضاء واستدامة عوائده، احتدام التنافس في تلك السوق، خاصة بعد التأثير الكبير الذي أحدثته خدمة "Starlink" في سوق الاتصالات الفضائية؛ ففي حين تستفيد بعض الشركات من نمو النظام البيئي الفضائي، قد تواجه شركات أخرى ضغوطاً سعرية أو تراجعاً في نماذج أعمالها التقليدية.

إجمالاً، فإنه في ضوء الأدوار الحيوية التي تؤديها الأقمار الصناعية في الحفاظ على اتصال الطائرات والسفن، ومراقبة المحاصيل الزراعية، وتقييم الأضرار التأمينية، وتأمين الاتصالات الحكومية، وتوفير خدمات تحديد المواقع للمستهلكين؛ تحولت صناعة الفضاء تدريجياً إلى طبقة خدمية أساسية للاقتصاد العالمي الحديث. ومن ثم، فإن الفرص الكامنة في هذا القطاع لا تقتصر على شركات الفضاء التقليدية فقط، بل تشمل أيضاً الشركات التي تُطوِّر أنظمة الطيران والدفاع، وأجهزة الاستشعار، والرقائق الإلكترونية، والمحطات الأرضية، وبرمجيات الاتصالات، والخدمات الرقمية المرتبطة بالبنية الفضائية، وهو ما يشير إلى فرص واسعة أمام التوسع الاستثماري في تلك الصناعة، رغم ما تنطوي عليه من تحديات تقنية ومالية.



المراجع:

سهير الشربيني، 10 يونيو 2026، أبعاد تنامي الاهتمام العالمي بصناعة الفضاء، موقع إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية.

وكالة الاتحاد الأوروبي لبرنامج الفضاء (EUSPA). (2026، مايو). تقرير سوق الفضاء الأوروبية 2026. (يُستخدم كمصدر رئيسي للإحصاءات والتوقعات الواردة في النص).

 
المقالات الأخيرة