تأثيرات الحرب الإيرانية على أفريقيا
فرع بنغازي

في ظل سياق دولي يتسم بتصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة، تتعرَّض الاقتصادات الأفريقية لصدمات خارجية عديدة حتى دون انخراط مباشر في النزاع؛ إذ قد تعاني القارة من تداعيات عبر قنوات متعددة. ويختلف الأثر المحتمل لهذه الصدمة اختلافاً كبيراً بين الدول؛ حيث يرتهن بمدى اعتمادها على الطاقة، وانخراطها في التجارة الدولية، ومرونتها المالية، ووضعها الخارجي، ومَواطن ضعفها الهيكلية. هذا وتحدث التأثيرات على الاقتصادات الأفريقية بشكل أساسي عبر ثلاث قنوات تتمثل في الطاقة، والخدمات اللوجستية، والتمويل، وتتفاقم بفعل القيود المالية، وحساسية أسعار الغذاء، وضعف المؤسسات.

تأثيرات عديدة

ثمَّة جملة من التأثيرات المتعددة التي خلَّفتها الحرب الإيرانية بالفعل على القارة الأفريقية، كما توجد تأثيرات أخرى متوقعة على الصعيدَين السياسي والاقتصادي من جراء استمرار الصراع، ويمكن إلقاء الضوء على أبرزها على النحو التالي:

1– انخفاض معدلات النمو المتوقعة في القارة الأفريقية: تُشكِّل الحرب الإيرانية خطراً جسيماً على القارة؛ حيث لا تزال معظم دولها تشهد نمواً اقتصادياً أقل من معدلات النمو التي كانت سائدةً قبل جائحة كورونا، ومن المُتوقَّع، بحسب تقديرات في أبريل 2026، انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا بنسبة (0.2) نقطة مئوية عام 2026 إذا تجاوزت مدة الصراع ستة أشهر، على أن يختلف حجم هذا التأثير في أنحاء القارة تبعاً لمستويات الاعتماد على الواردات، ومدى انكشافها على منطقة الشرق الأوسط، وظروف السوق العالمية. ومن ثم فإنه كلما طال أمد الصراع واشتدت حدة اضطراب خطوط الشحن وإمدادات الطاقة والأسمدة، ازداد خطر تباطؤ النمو بشكل ملحوظ في جميع أنحاء القارة.

2– تزايد الضغوط نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة: تُعد الدول الأفريقية من أكثر المناطق تأثراً بالاضطرابات الجيوسياسية التي تؤدي إلى تقلبات حادة في أسواق الطاقة العالمية؛ فارتفاع أسعار النفط والمنتجات البترولية المكررة يرفع تكاليف الإنتاج والنقل، ويزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات الإفريقية. ورغم استفادة بعض الدول المُصدِّرة للنفط من زيادة الإيرادات على المدى القصير، فإن هذه المكاسب تظل رهينة لتقلبات السوق العالمية. أما الدول المستوردة للنفط، فتواجه تحديات أكبر تتمثل في اتساع العجز التجاري، وتراجُع قيمة العملات المحلية، وارتفاع أعباء الدين العام؛ ما يزيد من هشاشتها الاقتصادية.

وتشير التقديرات إلى أن الزيادة في فاتورة الواردات النفطية قد تتجاوز (5%) من الناتج المحلي الإجمالي في عدد من الدول، من بينها موريتانيا (7.3%)، وجامبيا (6.3%)، وبوركينا فاسو (5%). ومن شأن هذه الزيادة أن تفرض على هذه الدول مفاضلات صعبة بين تخصيص الموارد لتمويل الواردات الأساسية، وعلى رأسها الطاقة، وبين توجيهها إلى أولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة وبرامج الحد من الفقر.

3– ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض قيمة العملات الوطنية: من المرجح أن يؤدي استمرار الحرب الإيرانية إلى إضعاف العملات، وزيادة الضغوط التضخمية في العديد من الاقتصادات الأفريقية؛ ما قد يُجبر البنوك المركزية على إعادة النظر في سياساتها النقدية الأكثر تشدداً. هذا وقد تراجعت بالفعل، حتى أواخر شهر مارس 2026، قيمة (29) عملة أفريقية، وقد أدى هذا التراجع إلى ارتفاع تكلفة خدمة الدين الخارجي واستيراد السلع الأساسية، لا سيما الغذاء والوقود والأسمدة.

4– زيادة نشاط الموانئ الأفريقية: بالرغم من التداعيات السلبية التي مثَّلتها الحرب الإيرانية على العديد من الدول الأفريقية، أفضت الحرب في الوقت ذاته إلى بعض المكاسب؛ إذ أدت إلى زيادة عمليات تحويل مسار الشحن حول طريق "رأس الرجاء الصالح"؛ حيث بلغ متوسط ​​عددسفن الحاويات التي عبرت "رأس الرجاء الصالحبين 1مارس و24 أبريل 2026 نحو (20سفينة يومياً، مقارنةًبنحو (6سفن فقط خلال الفترة المناظرة من عام 2023وعلى الرغم من أن هذا التغيير في المسار يؤدي إلى إطالةمدة الرحلات، فإنه قد أدى إلى زيادة نشاط الموانئ في دول مثل جنوب أفريقيا وناميبيا وموريشيوس. وقد شهدت مدينة "كيب تاون" الجنوب أفريقية، التي تعد بمنزلة النقطة الأساسية على رأس الرجاء الصالح، تحديداً ارتفاعاً بنسبة (112%) في عدد السفن منذ اندلاع الحرب حتى أوائل مارس.

5– ارتفاع تكاليف إيصال المساعدات الإنسانية إلى الدول المتضررة: أدى تعطل الخدمات اللوجستية وارتفاع أسعار الوقود والنقص الحاد في الإمدادات منذ اندلاع الحرب الإيرانية إلى ارتفاع التكاليف؛ ما أجبر لجنة الإنقاذ الدولية على زيادة الإنفاق التشغيلي بنسبة تصل إلى (50%). وتستنزف هذه الضغوط ميزانيات المساعدات، في حين تتزايد الاحتياجات الإنسانية في أزمات مثل الأزمة السودانية. هذا وقد أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 1 مايو 2026 أن حجم المساعدات المُرسَلة إلى السودان قد تضاعف أكثر من مرتَين منذ اندلاع الحرب الإيرانية.

6– تزايد المخاوف الأمنية في أفريقيا: تشير بعض التقارير إلى احتمال استهداف المصالح الغربية من قِبل جماعات مرتبطة بإيران، وعلى رأسها "حزب الله"، الذي يُعَد أحد أبرز وكلاء إيران؛ حيث استغل الحزب خلال السنوات الماضية حالة عدم الاستقرار السياسي، خاصةً في مناطق أفريقيا جنوب الصحراء، لتوسيع نفوذه، وبناء شبكات تنظيمية تدعم أهداف إيران الجيوسياسية، بدعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني.

7– احتمالية تنامي الضغوط الدبلوماسية على دول القارة الأفريقية: قد تواجه دول القارة احتمال تبني مواقف دبلوماسية رسمية وغير رسمية بشأن الحرب الإيرانية. وبينما تميل دول عديدة في القارة إلى تبني موقف حيادي، فإن ثقل صوتها قد يُستخدَم للضغط من أجل دعم أحد الطرفَين، وقد يؤدي ذلك إلى فرض مزيد من الضغوط الاقتصادية والسياسية المباشرة وغير المباشرة على دول القارة، خاصةً في ظل الموقف الذي تتبناه الصين وروسيا تجاه الصراع. 

سياسات مواجهة

ثمة جملة من السياسات اتخذتها الدول الأفريقية في محاولةٍ لمواجهة الأزمة الناتجة عن الحرب الإيرانية، ويمكن إلقاء الضوء على أبرزها على النحو التالي:

1– رفع الدول الأفريقية أسعار الوقود: فرضت الحكومات الأفريقية زيادات حادة في أسعار الوقود مع تسبُّب الحرب الإيرانية في ارتفاع أسعار النفط العالمية؛ ففي 18 مارس 2026 رفعت زيمبابوي أسعار البنزين بنسبة وصلت إلى (27%)، كما رفعت كينيا، في شهر أبريل 2026، سعر الديزل بمقدار (40) شلناً كينياً ليصل إلى (206) شلنات للتر، بينما ارتفع سعر البنزين بمقدار (28) شلناً ليصل إلى مستوى مماثل. وفي مالاوي رفعت هيئة تنظيم الطاقة، في بداية شهر أبريل 2026، أسعار البنزين بنسبة (34%) للتر الواحد، والديزل بنسبة (35%). وفي موريتانيا رفعت الحكومة سعر البنزين في 31 مارس 2026 بنسبة (15.3%)، والديزل بنسبة (10%)، وأعلنت جامبيا في 1أبريل 2026 رفع أسعار البنزين بنسبة (18.79%) للبنزين و(12.2%) للديزل.

2– تخفيض بعض الدول الأفريقية ضريبة الوقود: عملت بعض الدول الأفريقية على تخفيض ضريبة الوقود لمواجهة تداعيات الحرب؛ حيث أعلنت جنوب أفريقيا في 31 مارس 2026 تخفيض ضريبة الوقود لمدة شهر واحد (شهر أبريل 2026)؛ وذلك بعد ضغوط من النقابات العمالية ومجموعات الأعمال على الحكومة. وقد أعلنت الدولة في 28 أبريل 2026تمديد تخفيضات ضريبة الوقود لشهرين إضافيين، كما أطلقت إثيوبيا دعماً طارئاً للوقود بقيمة (0.63%) دولار أمريكي تقريباً للتر الواحد من الديزل، ونحو (0.47%) دولار أمريكي للتر الواحد من البنزين، وأعلنت استعادة إمداداتها اليومية من الديزل بالكامل إلى مستويات ما قبل الأزمة لتصل إلى (9) ملايين لتر يومياً اعتباراً من 29 أبريل 2026، وأشارت إلى أنها تستورد الوقود بأسعار أعلى بكثير من خلال اتفاقيات شراء خاصة، كما أكدت أنها تُغطي حالياً تكلفة دعم إضافية تُقدَّر بنحو (20) مليار بر إثيوبي شهرياً على واردات الوقود.

3– اتجاه بعض الدول الأفريقية نحو تعزيز قطاع الهيدروكربونات: سعت دول أفريقية، مثل الجزائر، إلى استغلال قطاع الهيدروكربونات لمواجهة تداعيات الحرب؛ حيث أطلقت الحكومة في 19 أبريل 2026 دعوة جديدة لتقديم عروض دولية للحصول على امتيازات استخراج الهيدروكربونات؛ حيث يشمل طرحُ "مناقصة الجزائر 2026" سبعَ مناطق استكشافية، من بينها أحواض نفطية وغازية استراتيجية تقع في جنوب وجنوب شرق البلاد، كما أعلنت سيراليون في 22 أبريل 2026 توقيع اتفاقية جديدة مع شركة "شل" للنفط تتيح لشركة الطاقة العالمية إجراء مسوحات جيولوجية وجيوفيزيائية متقدمة في عدد من الرُّقَع البحرية قبالة سواحل البلاد. وتهدف الاتفاقية إلى تعزيز عمليات الاستكشاف البحري، وتقييم الإمكانات النفطية والغازية في المياه الإقليمية لسيراليون، بما قد يُسهم في جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع الطاقة. هذا وقد دعت حكومة السنغال، في شهر مارس 2026، المستثمرين الدوليين إلى المشاركة في مشروعَين رئيسيَّين في قطاع الطاقة يهدفان إلى تعزيز إمدادات الطاقة في البلاد ودعم النمو الاقتصادي الطويل الأجل.

4– اتخاذ الحكومات الأفريقية تدابيرَ لترشيد استهلاك الوقود: اتخذت العديد من الحكومات الأفريقية تدابيرَ لتقليل استهلاك الوقود عقب الحرب الإيرانية؛ حيث أعلن وزير المالية في زيمبابوي "مثولي نكوبي" في 25 مارس 2026 أن السلطات تراجع مقترحاً لرفع نسبة الإيثانول في مزيج البنزين من (5%) إلى (20%) كحد أقصى لخفض أسعار الوقود في محطات التعبئة، كما وجَّهت الحكومة الرواندية، في شهر أبريل 2026، الجهات الحكومية في الدولة بضمان أن تكون (30%) من جميع السيارات المشتراة كهربائية بالكامل؛ لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. وعملت شركة توزيع الكهرباء في جنوب السودان على اتخاذ إجراءات للحد من استهلاك الديزل؛ الأمر الذي أدى إلى مواجهة العاصمة "جوبا" انقطاعات يومية للتيار الكهربائي، كما خفَّفت كينيا بصورة مؤقتة، بحسب تقارير في مايو 2026، القيود المفروضة على نسبة الكبريت في الوقود؛ وذلك بسبب اضطرابات الإمدادات الناجمة عن حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. وأعلنت وزارة الاستثمارات والتجارة والصناعة الكينية منح إعفاء مؤقت لمدة ستة أشهر، يسمح بتداول البنزين والديزل المحتويَين على نسبة كبريت تصل إلى (50) ملليجراماً لكل كيلوجرام.

5– البحث عن طرق جديدة للتجارة: سعت بعض الدول الأفريقية إلى إيجاد طرق بديلة للتجارة في ظل الاضطرابات المرتبطة بإغلاق مضيق "هرمز"؛ حيث عملت مصر على تعزيز خط الشحن البحري–البري بين مصر وإيطاليا المعروف بنظام النقل "رورو" (Ro–Ro)، الذي يربط ميناء "دمياط" على البحر الأبيض المتوسط ​​بميناء "ترييستيالإيطالي، قبل نقل البضائع عبر مصر إلى ميناء سفاجاعلى البحر الأحمر، ومن ثم شحنها إلى أسواق الخليج، كما دعت توجو إلى فتح خطوط بحرية جديدة تربط أفريقيا بـروسيا، خاصةً عبر ميناء "لومي"، بهدف تسهيل استيراد الأسمدة والحبوب وتعزيز التعاون الاقتصادي.

ختاماً : يمكن القول إن المخاطر المرتبطة بالحرب على المدى القصير، تنبع في المقام الأول من قطاعَي الطاقة والخدمات اللوجستية. أما على المديَين المتوسط ​​والطويل فيُمكن أنتنتقل هذه المخاطر بشكل أكبر من خلال الضغوط علىأسعار الصرف والمالية العامة والتمويل الخارجي والأمنالغذائيهذا وتواجه الدول الأفريقية بوجه عام مستوياتمتفاوتة من المخاطر، وتعتمد درجة الهشاشة على الوضع الاقتصادي لكل دولة، ولا سيما اعتمادها على الطاقة، ووضعها الخارجي، وميزانيتها، وهيكلها الإنتاجي. ويمكن أن يُشكِّل وضع المُصدِّر الصافي عاملاً وقائياً، بيد أنه لا يعني مناعة تامة ضد الصدمات. ويفرض هذا الواقع ضرورة وجود استجابات مُتباينة، تجمع بين تأمين الإمدادات وتعزيز المرونة الهيكلية، فضلاً عن تقليل الاعتماد على المدخلات المستورَدة الأساسية، وتشجيع أساليب إنتاج أكثر استدامةً ومرونةً، وتنويع مصادر الطاقة.



المراجع:

شيماء محمود، 16 يونيو 2026، تأثيرات الحرب الإيرانية على أفريقيا، موقع إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية.

صندوق النقد الدولي. (2026). تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي لمنطقة أفريقيا جنوب الصحراء: مواجهة الصدمات الخارجية في ظل التوترات الجيوسياسية. واشنطن: صندوق النقد الدولي، أبريل 2026.

المقالات الأخيرة