يشهدُ السودانُ واحدةً من أكثر مراحله التاريخية تعقيدًا واضطرابًا، إذ تحوَّلَ الصراعُ بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى حربٍ شاملةٍ تُهدِّدُ كيان الدولة ووحدتها، وفي قلْب هذا المشهد المشتعل، برز سقوط مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور التاريخية كحدثٍ مِفْصَلِيٍّ غيَّرَ موازين القوى وأعاد رسْم خريطة الحرب السودانية، ولم يكن سقوطَ الفاشر مجرد معركة عسكرية، بل علامةً فارقةً في مسار النزاع، حَمَلَتْ في طيَّاتها دلالاتٍ سياسيةً وإنسانيةً عميقةً.
لقد أثار سقوط المدينة موجة من القلق الإقليمي والدولي؛ لما تحمله من دلالات على اتساع رقعة النزاع وتفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة؛ فالفاشر لم تكن مجرد مدينة عادية، بل رمزًا تاريخيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا للإقليم، وسقوطها كشف عن عُمْق الانقسام في الدولة السودانية وضعْف مؤسساتها أمام تصاعُد الصراع المسلح.
سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر
أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على مدينة الفاشر الاستراتيجية، أكبر مدن إقليم دارفور، في السادس والعشرين من أكتوبر الجاري، بعد حصارٍ طويلٍ دام أكثر من 500 يوم، بدأ في مايو 2024م، مؤكدةً سيطرتها على مقرِّ الفرقة السادسة مشاة، آخر مقرَّات الجيش في الإقليم بعد استنزاف طويل ومقاومة من الجيش وقوات الحركات المسلحة المتحالفة، ويُشكِّلُ ذلك نقطة تحوُّلٍ استراتيجيةٍ تحمل أبعادًا إنسانيةً وسياسيةً وأمنيةً فاجعةً على كل هذه المستويات، ولم يكن السقوط معركة تقليدية، بل كان استكمالًا لعملية تطويق مدروسة، اعتمدت على إفراغ المدينة من المقاومة عبْر استهداف المدنيين، ويُعيدُ سقوط الفاشر رسْم خريطة النفوذ في دارفور، مُقَسِّمًا المناطق على أُسُسٍ عسكرية وليس مدنية.
تُعَدُّ الفاشرُ المعقلَ الأخيرَ للجيش وحلفائه في دارفور، بعد أن بسطت قوات الدعم السريع سيطرتها على أربع من ولايات الإقليم الخمس، أمَّا أهميتها فتكمن في كوْنها عُقْدَة وصْلٍ بين شمال ووسط وغرب دارفور إضافةً إلى كوْنها مركزًا تجاريًّا تاريخيًّا ومعْبَرًا رئيسيًّا نحْوَ “ليبيا وتشاد ومصر”.
وتبلغ مساحة ولاية شمال دارفور وحدها نحو 296 ألف كيلومترًا مربعًا؛ أيْ ما يعادل 12% من مساحة السودان، وتُشكِّلُ أكثر من نصف مساحة إقليم دارفور؛ مما يجعل السيطرة على المدينة ذات بُعْدٍ استراتيجيٍّ كبيرٍ، عِلْمًا أن مساحة إقليم دارفور بأكمله تساوي مساحة فرنسا بالكامل.
كما تقع الفاشر على ارتفاع يقارب 800 مترٍ فوق سطح البحر، وعلى بُعْد نحو 800 كيلومترًا غرباً من الخرطوم، ونشأت في القرن السابع عشر كعاصمة سلطنة دارفور التاريخية التي أسَّسَها السلطان سليمان صولونج؛ مما جعلها مركزًا سياسيًّا وثقافيًّا بارزًا في المنطقة حتى ضمَّ الإقليم إلى السودان عام 1916 إبَّان الحِقْبَة الاستعمارية، أمَّا اليوم، فتضم المدينة مزيجًا إثْنِيًّا فريدًا من قبائلَ وأعراقٍ شتَّى، ويقْطُنُها نحو مليون نسمة، عاشوا لعقودٍ في تنوُّعٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ نادرٍ، قبْل أن تشتعل الصراعات حولهم مُجدَّدًا.
وتعتبر الفاشر قاعدةً عسكريةً مركزيةً للجيش في الغرب، ومقرًّا لقيادة الفرقة السادسة مشاة الشهيرة ويُعَدُّ مطار الفاشر من أبرز المرافق الحيوية في الإقليم، إذ استخدم كقاعدة لوجستية لإمداد القوات الحكومية ومركزًا لتنسيق العمليات الجوية والبرية، كما أن مخازن السلاح والذخيرة داخل المدينة تزيد من وزْنِها العسكري في المعادلة الميدانية.
وعلى الصعيد الإنساني، ظلَّتْ الفاشر لعقودٍ مركزًا رئيسيًّا للمنظمات الإغاثية وبعثة “اليوناميد”؛ لقُرْبِها من معسكرات النازحين الكُبْرَى، مثل “أبو شوك وزمزم”، لكن اليوم، تواجه المدينة أزمةً إنسانيةً خانقةً؛ إذ تزايدت أعداد النازحين مع تصاعُد المعارك، وتراجعت الإمدادات الطبية والغذائية بشكلٍ خطيرٍ، وقد وصلت أسعار السِّلَع الضرورية جرَّاء الحصار الخانق، إلى مستويات خُرَافية غير مسبوقة وسط نُدْرةٍ خانقةٍ، اضطرت السكان لتناول علف الماشية ليظلُّوا على قيْد الحياة.
تُعَدُّ الفاشر مركزًا إداريًّا حيويًّا ومحطَّةً تجاريةً رئيسةً في دارفور، بالإضافة إلى مكانتها كعاصمة تاريخية للإقليم إلى جانب كوْنها قاعدة عسكرية متقدمة للقوات الحكومية، قبْل اندلاع الحرب في أبريل 2023، وقد بلغ عدد سكانها نحو مليون ونصف المليون نسمة، بما في ذلك النازحون الداخليون الذين تدفَّقُوا إلى الفاشر من مناطق أخرى في دارفور؛ هربًا من سيطرة الدعم السريع، منذ البداية، حدَّدَتْ قوات الدعم السريع المدينة هدفًا أساسيًّا، ليس فقط لكسْر سيطرة الحكومة المركزية، بل لإعادة رسْم خريطة القوى في الإقليم بأكمله؛ فالسيطرة على الفاشر تمنح هذه القوات سيطرة كاملة على خطوط الإمداد الرئيسة شمالًا نحْوَ “تشاد وليبيا” التي تتدفَّقُ عبْرها المؤن والذخائر وجنوبا نحو نيالا، بالإضافة إلى أنها تكمل سيطرتها الشاملة على إقليم دارفور بشكلٍ يهدد التوازن الإقليمي في السودان.
مراحل السيطرة على الفاشر
انطلقت الحملة على الفاشر بهجمات متصاعدة شنَّتْها الميليشيا على محيط المدينة، ابتداء من مايو 2024 شملت مناطق سكنية ومرافق حيوية، مع فرْض حصارٍ شاملٍ وإغلاق الطُّرُق الرئيسة المؤدية إليها، خلال الأشهر الأولى، تكثَّفَتْ الهجمات بالقصف المدفعي والغارات باستخدام الطائرات المسيرة؛ مما أدى إلى موجة نزوحٍ كبيرةٍ لسكان الضواحي والقرى المجاورة، وبحلول نهاية 2024، انخفض عدد السكان إلى أقل من 800 ألف نسمة، ومع مرور الوقت حتى أكتوبر 2025، تقلَّصَ العدد بنسبةٍ وصلت إلى 80%؛ أيْ إلى نحو 300 ألف نسمة عند سقوط المدينة.
وقد اعتمدت الميليشيا على تكتيكٍ عسكريٍّ تضمَّنَ حصارًا شاملًا يمنع دخول الغذاء والدواء، مع استهداف المدنيين الذين يحاولون الفرار أو نقْل الإمدادات، واستخدمت الميليشيات التجويع كسلاح حرب وقامت بمنع وصول المساعدات؛ مما أدَّى إلى انهيار شبكة الإغاثة الإنسانية، وكما أثَّرَ هذا على الوضْع الصحي في الفاشر الذي ظهر فيه انتشار الأوبئة
كما شهدت المدينةُ هجماتٍ مُكثَّفَةً على المرافق الصحية؛ حيث تم تسجيل عشرات الهجمات على مستشفيات منذ مايو 2024، بما في ذلك الهجمات المتعددة على مستشفى الفاشر الجنوبي، والتي أدَّت إلى إغلاقه وعلى المستشفى السعودي وهو المستشفى الأخير العامل في المدينة، والذي اجتاحته ميليشيا “الدعم السريع” أيضًا عند دخولها للمدينة، يوم 26 أكتوبر الجاري؛ مما أدَّى إلى مقتل وإصابة عدد من الكوادر الطبية.
ومنذ الأشهر الأولى للحصار في مايو 2024، سيطرت قوات الدعم السريع على الطُّرُق الاستراتيجية؛ ما قطع الإمدادات الحكومية وأدَّى إلى نقْصٍ حادٍّ في الغذاء والوقود، وقد أضعف هذا الانقطاع اللوجستي الدفاعات الحكومية، وجعل المدينة عُرْضةً للانهيار التدريجي، كما أثَّرَ سقوط معسكر زمزم في قبضة الميليشيا على مسار الأحداث، ويُعَدُّ معسكر زمزم، الذي يضُمُّ أكبر تجمُّعٍ للنازحين في السودان (نحو 300 ألف نسمة قبل الحرب)، نقطةً دفاعيةً حاسمةً للجيش، كان سقوطه في 13 أبريل 2025، بعد هجومٍ مُكثَّفٍ دام ثلاثة أيام، نقطة تحوُّلٍ قاتلةٍ؛ حيث فقدت القوات الحكومية موقعًا استراتيجيًّا مهمًا للدفاع عن المدينة، وكما أدَّى سقوط المعسكر إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان إلى داخل المدينة المحاصرة، وفتح الطريق أمام تقدُّم الدعم السريع نحو قلْب المدينة.
وقد أسفر الهجوم على زمزم عن مئات القتلى، بما في ذلك 23 طفلًا و9 عمال إغاثة، ونزوح إضافي لأكثر من 100 ألف شخص، ومع استمرار الحصار، بدأت فِرَق الدفاع المدني والعسكري في التفكُّك بفِعْل الإرهاق والجوع ونقْص الذخيرة، واستغلت الميليشيا الفوضى الداخلية لتوسيع سيطرتها على الأحياء السكنية والمرافق الحيوية؛ مما أدَّى إلى سِجِلٍّ مُروِّعٍ من الانتهاكات: 782 قتيلًا مدنيًّا و1143 مصابًا حتى ديسمبر 2024، مع تصاعُد الرقم إلى آلاف الضحايا بحلول أكتوبر 2025؛ حيث كان نحو 20% من المدنيين القتلى أطفالًا في ذلك الشهر.
ردود الأفعال الدولية والإقليمية
تعدَّدَتْ ردود الأفعال الدولية والإقليمية على سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، فعلى المستوى الدولي كانت الولايات المتحدة من أوائل الدول التي علقت على التطوُّرات الأخيرة في الفاشر، فقد دعا مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس قوات الدعم السريع إلى ضمان سلامة المدنيين وفتْح الممرَّات الإنسانية فوْرًا، مؤكِّدًا أن بلاده تتابع بقلقٍ بالغٍ ما يحدث في المدينة.
وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر: إن العواقب الإنسانية كارثية في مدينة الفاشر بالسودان؛ وأكَّدت أن تقدم قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر بالسودان له تأثير مُروِّعٌ ومدمرٌ على المدنيين، كما دعت الخارجية الألمانية لوقْف فوري لإطلاق النار في الفاشر بالسودان وحماية المدنيين وتوفير ممرَّات آمنة، وأكَّدت ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى الفاشر دون عوائق؛ وطالبت بالامتناع عن أيِّ تصعيدٍ جديدٍ في الفاشر والالتزام الكامل بالقانون الإنساني الدولي.
وفي السياق ذاته، قالت مؤسسة اليونسيف التابعة للأمم المتحدة والمعنِيَّة بشؤون الأطفال على مستوى العالم: إن أعمال العُنْف في الفاشر بالسودان تُشكِّلُ خطرًا بالغًا على 130 ألف طفلٍ محاصرين، وهؤلاء الأطفال هم من تبقَّوْا مع عائلاتهم في مدينة الفاشر؛ بعد أن نزح معظم سكانها سيْرًا على الأقدام لمسافة تزيد على 50 كم وأكثر، وحذَّرَ المفوض السامي لحقوق الإنسان “فولكر تورك”، من ارتكاب وتنفيذ قوات الدعم السريع المتمردة فظائع وانتهاكات خطيرة ضد السكان المدنيين المحاصرين في الفاشر شمال دارفور ومدينة بارا بولاية شمال كردفان خلال الأيام الأخيرة.
وعلى المستوى الإقليمي، أصدر الاتحاد الأفريقي، بيانًا، دعا فيه إلى “وقْفٍ فوْريٍّ لإطلاق النار، وفتْح ممرَّاتٍ إنسانيةٍ للسماح بوصول المساعدات الإنسانية، واستئناف الحوار السياسي”، وقد أدانت الجامعة العربية، الجرائم المُروِّعة المرتكبة بحقِّ المدنيين في الفاشر السودانية، ودعت إلى تقديم جميع المسؤولين عن الانتهاكات بالفاشر إلى المحاكمة، داعيةً إلى الوقْف الكامل للأعمال القتالية في هذه المدينة، التي تتعرَّضُ لحصارٍ من قوات الدعم السريع” منذ فترة طويلة.
وشدَّدَتْ المملكة العربية السعودية في بيانٍ، على ضرورة قيام قوات الدعم السريع بواجبها في حماية المدنيين، وضمان تأمين وصول المساعدات الإنسانية، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وفْق ما ورد في إعلان جدَّة، ودعت إلى العودة للحوار للتوصُّل إلى وقْفٍ لإطلاق النار.
وأفادت وزارة الخارجية المصرية في بيانٍ رسميٍّ، جاء خلال اتصال هاتفيٍّ بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ومسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية؛ حيث شدَّدَ الوزير المصري على ضرورة الحفاظ على وحْدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، بما يصُون مُقدَّرات الشعب السوداني ويحقق تطلُّعاته في مجال الأمن والاستقرار.
وفي السياق ذاته، أعربت دولة قطر، عن إدانتها للانتهاكات المُروِّعَة التي وقعت خلال هجمات قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور في جمهورية السودان الشقيقة، وتُشدِّدُ في هذا السياق على ضرورة قيام قوات الدعم السريع بواجبها في حماية المدنيين، وضمان تأمين وصول المساعدات الإنسانية، والالتزام بالقانون الإنساني الدولي وفْق ما ورد في إعلان جدَّة.
تداعيات سقوط الفاشر على إقليم دارفور
يُمثِّلُ سقوط مدينة الفاشر تحوُّلًا استراتيجيًّا حاسمًا في النزاع السوداني؛ إذ إنه يعني فُقْدان الجيش السوداني آخر معْقِلِه العسكري الكبير في إقليم دارفور، وبالتالي؛ يُرسِّخُ سيطرة قوات الدعم السريع على كامل الإقليم؛ مما يفتح الباب لتحويل دارفور إلى منطقة نفوذ مستقلة تُدَارُ بواسطة هذه القوات، فهذه السيطرة تمنح الدعم السريع قوة عسكرية وسياسية جديدة، تُمكِّنُها من تأمين خطوط الإمداد والتنقُّل عبْرَ طُرُقٍ استراتيجيةٍ تربط السودان بكُلٍّ من “تشاد وليبيا”، كما تتيح لها سهولة التحرُّك والتوسُّع نحْوَ مناطق أخرى كإقليم كردفان؛ مما يهدد مصالح الجيش ويُقلِّصُ رُقْعَة سيطرته.
سياسيًّا، يُعزِّزُ هذا الانتصار موقف الدعم السريع في أيِّ مفاوضات مستقبلية للصراع؛ حيث سيصبح طَرَفًا أقوى في تشكيل الحكومة أو وضْع الاتفاقيات المحتملة، أمَّا من الناحية الإنسانية، فقد أدَّى الحصار المرتبط بالسقوط إلى أزمة إنسانية مُروِّعة مع تقارير عن انتهاكات جسيمة بحقِّ المدنيين، بما في ذلك عمليات قتْل ٍواعتقالاتٍ وانتهاكٍ للسكان المدنيين؛ مما زاد من موْجات النُّزُوح واللجوء داخل وخارج السودان.
ويعكس هذا الحدث تفكُّكًا في البِنْيَة الأمنية للدولة ويدفع نحْوَ دخول الصراع مرحلته الحاسمة التي قد تتطوَّرُ إلى انقسامات سياسية وجغرافية أكثر عُمْقًا، مع احتمالية أن يصبح السودان متعدد المراكز للسلطة وليس مركزيًّا فقط؛ مما يطرح أسئلةً حقيقيةً حول وحدة الدولة والسِّلْم الاجتماعي الداخلي في المدى المتوسط والبعيد.
سيناريوهات الأزمة السودانية
عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، توجد ثلاثة سيناريوهات محتملة للأزمة السودانية تعكس تقديرات مختلفة لمسار الحرب عقب سقوط هذا المعقل الاستراتيجي للجيش سنقوم بتوضيحها على النحو الآتي:
السيناريو الأول: التصعيد العسكري المستمر من المتوقع أن تُغذِّي السيطرةُ الأخيرةُ المزيدَ من العمليات القتالية بين الدعم السريع والجيش السوداني؛ مما يُطيلُ أَمَدَ الحرب ويُزيد من معاناة المدنيين في ظلِّ أزمةٍ إنسانيةٍ حادَّةٍ تشمل ملايين المحتاجين للمساعدة، في ظلِّ هذا السيناريو، قد يستمرُّ الجيش السوداني في محاولات استعادة الفاشر ومناطق أخرى، عبْر عمليات جوية وميدانية؛ مما يؤدي إلى مزيدٍ من الاحتكاكات والدمار، هذا الواقع يعكس صعوبة إيجاد حلٍّ سياسيٍّ سريعٍ، ويدفع الأطراف إلى مواصلة المواجهات التي قد تمتدُّ لتشمل مناطق جديدة وتتسبَّبُ في توسُّع دائرة النزاعات المسلحة.
السيناريو الثاني: تعثُّر المفاوضات السياسية نجد أن تفاقُم الانتهاكات وعمليات الإعدام الميدانية التي رافقت سيطرة الدعم السريع تُقوِّضُ أيَّ جهود دولية أو إقليمية للسلام؛ مما قد يدفع الأطراف إلى مزيدٍ من التعنُّت والاستقطاب، ويُعقِّدُ فُرَص التوصُّل إلى حلول توافقية.
في ظِلِّ هذا السيناريو، قد يستمرُّ النزاع مُتَّجِهًا نحو انقسام جغرافي وسياسي أكبر، مع إمكانية نشوء حكومات موازية أو حتى انفصال إقليمي.
السيناريو الثالث: الاستجابة لدعوات الحلّ قد يؤدي دفْع السيطرة على الفاشر إلى تسريع التسوية السياسية، إذا ترافق ذلك مع ضغوط دولية وإقليمية حقيقية ووقْف إطلاق نارٍ شاملٍ، تدعم بدْء حوار وطني شامل بمشاركة جميع الأطراف هذه التسوية قد تضع أُسُسًا لترتيبات حُكْمٍ ذاتيٍّ أو تفاهُمات لإعادة بناء أجهزة الدولة وتوزيع السلطة بشكلٍ شاملٍ، إلَّا أن هذا السيناريو يتطلب تضافُر جهود المجتمع الدولي والإقليمي، بالإضافة إلى استعداد الأطراف السودانية لتقديم تنازلات حقيقية.
ختامًا: يُمثِّلُ سقوط مدينة الفاشر على يد قوات الدعم السريع نقطة تحوُّلٍ محوريةٍ في مسار الحرب السودانية؛ إذ أعاد هذا الحدث رسْم موازين القوى داخل البلاد، وأوضح حجْم التعقيد الذي وصلت إليه الأزمة السياسية والعسكرية، فقد أظهر الصراع في الفاشر مدى هشاشة مؤسسات الدولة وضعْف التنسيق بين الأطراف المتنازعة؛ مما عمَّقَ الانقسام ووسَّعَ دائرة المعاناة الإنسانية.
إن ما حدث في الفاشر لا يُمْكِنُ قراءته بمعْزِلٍ عن السياق العام للحرب السودانية التي ما زالت تتطوَّرُ بشكلٍ متسارعٍ، وتترك آثارًا عميقةً على الأمن القومي والوحدة الوطنية، ولذلك فإن معالجة تَبِعَات هذا السقوط تتطلب رؤيةً شاملةً توازن بين المسار السياسي والأمني والإنساني، بما يضمن استعادة الاستقرار وبناء دولة قادرة على تجاوز آثار الحرب وتحقيق السلام الدائم.
المصدر: مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية
الكاتب : شيماء ماهر
التاريخ : 30/10/2025
---------------------------------------------------------------------------------
المصدر : المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية
التاريخ : 4/11/2025
