مستقبل تأثيرات الحرب الأوكرانية على الأمن الأوربي
فرع بنغازي

تسبب اندلاع الحرب الروسية– الأوكرانية في معاودة ظهور قضية أمنية على الساحة الأوروبية كانت سائدة في حقبة الحرب الباردة (1945- 1991م)؛ فقد عادت إلى الساحة الأوروبية من جديد قضايا الأمن بمفهومه الضيق، أي الأمن العسكري وما يرتبط به من قضايا. وقد كان التصور السائد للأمن في أوروبا بعد نهاية الحرب الباردة أن القارة الأوروبية تجاوزت المرحلة التي سادت فيها قضايا الأمن بمفهومه العسكري (الضيق) بما يحمله من قضايا مثل توازن القوى، والصراع بين الدول، والتهديد النووي المتبادل، وصراع الأيديولوجيات... وغيرها، وأنها استطاعت أن تضع أسسًا راسخة للأمن بمفهومه الشامل (الواسع) فيما بينها، ولكن جاءت الحرب الروسية– الأوكرانية لتغير ذلك التصور الذي كان سائدًا، ولتثبت أنها غيرت طبيعة مفهوم وقضايا الأمن الشامل بمفهومه الواسع، وطبيعة قضاياه التي سادت أوروبا بعد الحرب الباردة، لتعود مرة أخرى إلى قضايا الأمن الأوروبي في حقبة الحرب الباردة. 

أن الحرب الأوكرانية لم تبدأ بالعملية التي شنتها روسيا على البلاد في فبراير 2022، وإنما لها جذور تاريخية تمتد إلى فترة انهيار الاتحاد السوفييتي، ويمكن تلخيص أهمها في التالي:

1– مواجهة الاقتصاد الأوكراني تحديات بعد مرحلة الاستقلال: وفق المتحدث الرئيسي، اتخذت عدة دول، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واستقلالها عنه، إجراءات واسعة بهدف تحقيق نمو اقتصادي. وكانت دولتا بولندا وأوكرانيا متشابهتَين في حجم الاقتصاد ونصيب الفرد من الدخل وفي عدة هياكل أخرى من الدولة؛ وذلك أثناء المرحلة الانتقالية بعد الشيوعية في عام 1990، لكن بعد مرور عدة عقود وقبل بداية الحرب في أوكرانيا نجد أن اقتصاد بولندا بحلول عام 2022 كان قد وصل إلى ثلاثة أضعاف اقتصاد أوكرانيا، وهو ما يثير تساؤلات عدة حول المسار الذي اتخذته أوكرانيا طوال هذه السنوات.

كما قامت اقتصادات ما بعد الشيوعية بفتح أسواقها أمام رأس المال الأجنبي، وشهدت تنافساً فيما بينهم لاستضافة الأعمال التجارية، وجذب الاستثمار، بينما كانت أوكرانيا مستبعدة تماماً من هذه التطورات آنذاك.

2– تأثُّر أوكرانيا سلباً بعدم انضمامها إلى الناتو والاتحاد الأوروبي: يرجع سبب نهضة اقتصادات ما بعد الاتحاد السوفييتي فضلاً عن أوكرانيا إلى ارتباطها بحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، وانضمام بعضها إلى تلك الكيانات أو إحداها؛ حيث قدَّم الناتو ضمانات أمنية لها، بينما قدم الاتحاد الأوروبي إمكانية الوصول إلى فرص التمويل والتجارة ونوعاً من التفاعل الاقتصادي مع الغرب، لا سيما مع توسع الاتحاد الأوروبي في عام 2004 وانضمام نحو 11 دولة إلى عضويته في وقت واحد.

على الناحية الأخرى، لم يكن لدى أوكرانيا طريق واضح نحو الاتحاد الأوروبي أو الناتو. وربما يرجع ذلك إلى أنها لم تحصل على استقلالها من خلال معارك نحو التحرر، وإنما من خلال قرار باستقلال الحزب الشيوعي في أوكرانيا عن موسكو أصدرته النخبة داخل البلاد، على غرار عدة دول مثل بيلاروسيا وكازاخستان وسلوفاكيا، وقد اعتادت أغلب الدول الغربية رؤية أوكرانيا دولةً من دون سيادة حقيقية.

3– إصلاحات أوكرانية لتعزيز الاستقلال والنمو الاقتصادي:، تبعت هذه الفترة من الدور غير النشط لأوكرانيا في تأكيد سيادتها واستقلالها عن روسيا وعدم انفتاحها على العالم الغربي، محاولات نجحت بعضها في تغيير هذا المسار وتعزيز الهوية القومية لدى أوكرانيا، وقد تجلى ذلك عندما تراجع الرئيس السابق فيكتور يانكوفيتش عن التوقيع على اتفاقية ارتباط بالاتحاد الأوروبي، ونتج عن ذلك خروج تظاهرات في الشوارع، وحاولت الحكومة قمع تلك التظاهرات إلا أنها انتهت بعزل يانكوفيتش عن منصبه. وأشار المتحدث الرئيسي كذلك إلى أن أوكرانيا شهدت بعدها، وحتى بداية الحرب في 2022، موجة واسعة وغير مسبوقة من الإصلاحات من ناحية النطاق والتأثير، بالإضافة إلى تحقيق درجة من النمو الاقتصادي.

4– محاربة روسيا مساعي كييف للانفتاح على الغرب: حاولت روسيا التدخل مراراً في سياسات أوكرانيا ومنعها من الانضمام إلى الناتو أو الاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق، فأن الرئيس الروسي لا ينظر إلى أوكرانيا باعتبارها دولةً ذات سيادة، وقد عبَّر عن هذه الأفكار في مقال طويل كتبه قبل شن الهجوم على أوكرانيا عام 2022؛ حيث ألمح إلى وجود "مشروع غربي" لمناهضة روسيا من خلال جعل أوكرانيا "حاجزاً" بين روسيا وأوروبا، محذراً من تحويل أوكرانيا إلى أداة غربية للضغط على روسيا ومحاربتها. وقد مثَّل ضمُّ شبه جزيرة القرم عام 2014 تصعيداً جديداً، ونقطة تحول هامة في التوترات بين روسيا وأوكرانيا، ولم تستطع روسيا حتى اليوم تبرير هذا التصرف من الناحية القانونية، وكذلك الهجوم اللاحق في فبراير 2022.

تأثيرات الحرب

بين الأزمات الإنسانية والاقتصادية الكبيرة ومحاولات كييف للنهوض مجدداً، كانت للحرب الأوكرانية تأثيرات متعددة يمكن تناولها على النحو التالي:

1– أضرار بالغة على الاقتصاد الأوكراني: تركت الحرب أثراً مدمراً على أوكرانيا؛ حيث شهدت تدميراً هائلاً لرأس المال والبنية التحتية، وتجنيد مئات الآلاف مِن الرجال ممن هم في سن العمل الأساسي، كما تعطلت الصادرات الأوكرانية، وتسببت الحرب في تعطيل الأسواق العالمية للسلع التي كانت تصدرها.

ومثَّلت الصادرات الأوكرانية من زيوت ما يقرب من نصف الصادرات العالمية، كما أنها كانت خامس أكبر مصدر للشعير على مستوى العالم. وتسبب ذلك في زيادات حادة في أسعار السلع، بالإضافة إلى تعطيل سوق النفط في عام 2022 حتى بداية عام 2023. وتمثل هذه الأسواق أهمية كبيرة للاقتصاد الأوكراني، وتحاول الحكومة منذ بداية الحرب استعادة نقاط وصولها إلى هذه الأسواق مرة أخرى.

2– مساعي كييف لتحقيق تعافٍ اقتصادي: عقب الدمار الاقتصادي الكبير الذي حدث أثناء المرحلة الأولى من الصراع، انكمش الناتج المحلي الإجمالي في أوكرانيا بنسبة 29% تقريباً في العام الأول من الحرب، لكن منذ ذلك الحين، كانت البلاد شهدت نمواً اقتصادياً، وتوسعاً متوقعاً في العام السابق بنسبة 3–4% للعام الحالي، وفقاً لصندوق النقد الدولي. وتوقع الصندوق كذلك تسارع النمو في السنوات المقبلة. وفيما يتعلق بالوصول إلى الأسواق الدولية، كانت هناك مفاوضات ملحوظة بين أوكرانيا وتركيا تهدف إلى تسهيل الصادرات من أوديسا. وعلى الرغم من تراجع روسيا عن الاتفاق في وقت لاحق، اتخذت أوكرانيا تدابير استباقية، بما في ذلك تعطيل الأسطول الروسي في البحر الأسود؛ لضمان استمرار هذه الصادرات.

3– صمود القطاع المالي تحت وطأة الحرب: بالنظر إلى الضغوط الاقتصادية في زمن الحرب، فمن اللافت للنظر أن أوكرانيا لم تشهد أي إفلاس للبنوك. وواصلت المؤسسات المالية العمل بشكل طبيعي، حتى في ظل الصراع. إذا زار أحداً أوكرانيا اليوم فسيتمكن من سحب النقود من ماكينات الصراف الآلي، ويستطيع استخدام خدمة الدفع عن طريق "أبل" (Apple Pay) في المتاجر، على الرغم من أن المدينة تواجه غارات جوية يومية. وتؤكد هذه المرونة فاعلية الإصلاحات والانتخابات الرئاسية السابقة في أوكرانيا. بُذلت جهود كبيرة منذ عام 2014 لتعزيز كفاية رأس مال البنوك وإصلاح القطاع المصرفي من خلال معالجة المؤسسات المالية المختلة. بالإضافة إلى ذلك، تم تنفيذ تدابير مختلفة في زمن الحرب، مثل تعديل الالتزامات الضريبية، وتنفيذ ضوابط رأس المال؛ للتخفيف من الاضطرابات الاقتصادية.

4– تعدد تحديات الموازنة العامة الأوكرانية: أن أوكرانيا تُخصِّص ما يقرب من 80 مليار دولار سنوياً للإنفاق الحكومي، مع توجيه نصف هذا المبلغ (40 مليار دولار) نحو الدفاع الآن بفعل الحرب. وتغطي الأموال المتبقية قطاعات مختلفة مثل معاشات التقاعد والرعاية الصحية والبنية التحتية والاستثمار العام وإنفاذ القانون، إلا أن عائدات الضرائب في أوكرانيا لا تتجاوز 40 مليار دولار، وهو ما يغطي نصف نفقاتها السنوية فقط.

ويتم سد العجز في المقام الأول عن طريق المساعدات الخارجية؛ حيث يقدم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والجهات المانحة الأخرى دعماً مباشراً للموازنة. بالإضافة إلى ذلك، يتم تمويل بعض العجز من خلال الاقتراض؛ حيث تقوم الحكومة أو البنك المركزي بطباعة الأموال لشراء الدين الحكومي. وتنطوي هذه الممارسة على مخاطر كبيرة؛ لأنها يمكن أن تغذي الضغوط التضخُّمية، كما رأينا في الحالات السابقة مثل الأرجنتين.

وقد شهدت أوكرانيا بالفعل خلال السنة الأولى من الحرب ارتفاعاً حاداً في التضخم؛ حيث وصل إلى ما يزيد عن 20%. وعلى الرغم من انخفاض التضخم منذ ذلك الحين، فإنه لا يزال يُشكِّل مصدر قلق. وتتراوح معدلات التضخم الحالية بين 3 و4%؛ ما يشير إلى بعض الاستقرار. إلا أن الاستقرار المالي في أوكرانيا يعتمد على المشاركة والدعم المستمرَّين من جانب الجهات المانحة الغربية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

5– تفاقم أزمة إنسانية في الداخل الأوكراني: وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يوجد 6.5 مليون لاجئ خارج أوكرانيا في هذه المرحلة من الحرب، ونحو 4 ملايين نازح داخلياً، كما يقترب عدد الضحايا المدنيين من 30 ألفاً. وتشير تقديرات جميع الوفيات، العسكرية والمدنية على كلا الجانبين الروسي والأوكراني، إلى ما يقرب من نصف مليون شخص مع دخول الحرب في عامها الثالث، كما فاقم تدمير البنى التحتية الأساسية بفعل الحرب والعديد من المرافق الصحية من الأزمة ومعاناة النازحين.

الأمن الأوروبي

ألقت الحرب الأوكرانية بظلالها على الأمن الأوروبي على عدة مستويات، خاصةً دول شرق أوروبا التي يسودها مخاوف من خسارة أوكرانيا في الحرب، ويمكن استعراضها في التالي:

1– تنامي التهديد الوجودي لدول شرق أوروبا: تطرح كيفية نهاية الحرب الأوكرانية، بحسب المتحدث الرئيسي، سؤالاً جوهرياً على حلف الناتو إذا خسرت أوكرانيا؛ فمن المحتمل أن تتمركز القوات الروسية على عتبة الناتو. في الوقت الحالي، تتلخص المسؤولية الأساسية لحلف الناتو في حماية حدود الدول الأعضاء المتاخمة لروسيا. عند النظر إلى الخريطة، نجد أن هذه الحدود محدودة نسبياً؛ حيث تشمل كالينينجراد ودول البلطيق فقط، كما تشترك فنلندا في الحدود مع روسيا. إذا فشلت أوكرانيا، فإن الحدود التي يتقاسمها الناتو مع روسيا سوف تمتد بشكل كبير، وتمتد لمسافة تزيد على ألف كيلومتر. ومن ثم، فإن الدفاع عن هذه الحدود الموسعة من شأنه أن يشكل مهمة أكثر تعقيداً وصعوبة بالنسبة إلى الحلف.

ويدرك المسؤولون في دول البلطيق وبولندا تمام الإدراك أن طموحات بوتين تمتد إلى ما هو أبعد من أوكرانيا؛ حيث تستهدف الدعاية الروسية بالفعل دول البلطيق باعتبارها مناطق غير شرعية. وكشفت تصريحات المسؤولين من هذه البلدان عن مخاوف حقيقية بشأن التهديد الوشيك بالحرب على أراضيهم؛ ما يسلط الضوء على المخاوف من عدوان روسي محتمل. وعلى الرغم من بعض الشكوك، هناك اعتراف بأن أهداف بوتين العدوانية تظل دون تغيير؛ ما يسلط الضوء على الحاجة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لمنع المزيد من الصراع والتوسع.

2– اضطرابات في إمدادات الطاقة الأوروبية: أن الحرب في أوكرانيا دفعت الاتحاد الأوروبي إلى تغيير مسار اعتماده على الطاقة الروسية. وفي عام 2021، اعتمدت ألمانيا، على وجه الخصوص، بشكل كبير على الواردات الروسية من الغاز الطبيعي والنفط والفحم؛ حيث كانت تستورد أكثر من نصف الغاز الطبيعي ونسبة كبيرة من النفط والفحم من روسيا، من خلال خط أنابيب نورد ستريم. ومع ذلك، فإنه منذ ذلك الحين، خطت ألمانيا خطوات واسعة في تنويع مصادر الطاقة؛ ما قلل اعتمادها على الواردات الروسية. وفي حين أدى هذا التحول إلى إحياء خيارات أقل صداقةً للبيئة، مثل محطات توليد الطاقة من الفحم الحجري، استثمرت ألمانيا أيضاً في البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال وزيادة الواردات من الولايات المتحدة والنرويج.

وعلى الرغم من هذه الجهود، فإن بعض دول الاتحاد الأوروبي، مثل المجر والنمسا، لا تزال تعتمد بشكل كبير على الطاقة الروسية؛ ما يقوض مبادرات الاتحاد الأوروبي الجماعية للحد من الاعتماد على الطاقة الروسية.

3– إعادة النظر في السياسات الدفاعية الأوروبية: أن الصراع في أوكرانيا كان سبباً في إحداث تحول ملحوظ في المشهد الأمني في أوروبا. وعقب الحرب الباردة، تمتع العديد من الأوروبيين "بمكاسب السلام"؛ حيث شعروا بالأمان في حقبة سلمية ظاهرياً وخالية من التهديدات العسكرية.

وكان هذا التصور واضحاً بشكل خاص في ألمانيا؛ حيث كانت القوات المسلحة تعاني من نقص التمويل وعفا عليها الزمن بشكل ملحوظ. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تحولاً كبيراً. وتُخصِّص دول مثل بولندا الآن ما يقرب من 4% من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع، مع إعطاء الأولوية لشراء الأسلحة المتقدمة، مثل طائرات إف–35 ودبابات أبرامز. وعلى نحو مماثل، استجابت ألمانيا بإعلان المستشار أولاف شولز عن إنشاء صندوق ضخم بقيمة 100 مليار يورو لتحديث قواتها المسلحة. ومع ذلك فإن تنشيط القاعدة الصناعية في أوروبا سوف يشكل مهمة شاقة، وسوف يتطلب قدراً كبيراً من الوقت والجهد والتمويل؛ نظراً إلى الإهمال التاريخي الذي شهدته ونقص الاستثمار.

4– انقسامات داخل أوروبا تجاه الموقف من الحرب: تختلف وجهات النظر بين دول أوروبا بشأن الحرب في أوكرانيا. ورغم أن بولندا ودول البلطيق تؤيد بقوة انتصار أوكرانيا، فإن دولاً مثل المجر قد لا تريد بالضرورة النتيجة نفسها، بل ربما تؤيد انتصار روسيا.

ومن المثير للدهشة أن غالبية المواطنين في سلوفاكيا يلومون الغرب وأوكرانيا نفسها على الصراع، في حين أن هذه الآراء قد تبدو غير ذات أهمية؛ نظراً إلى حجم هذه الدول، فإن القضية تمتد نحو غرب أوروبا. وفي إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، لم تكن خطورة الوضع في أوروبا الشرقية بارزة بالقدر نفسه؛ حيث تأخذ العوامل التاريخية والمخاوف الإقليمية الأخرى الأولوية.

ويشير تركيز الرئيس ماكرون مؤخراً على أوروبا الشرقية إلى تحول في النهج الفرنسي، ومع ذلك يظل بعيداً عن حشد القلق على نطاق واسع بين الناخبين الفرنسيين. بالإضافة إلى ذلك، فإن الافتراض بأن روسيا معزولة ومعارضة عالمياً هو افتراض مبالَغ فيه؛ حيث تحتفظ بتحالفاتها مع دول أخرى.

5– زيادة عدم اليقين بشأن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي: أن النهج الصارم الذي اتبعته إدارة ترامب تجاه أوروبا ربما يكون قد أفاد القارة. وقد فرض هذا النهج إجراء محادثات ضرورية أدت إلى إجراءات مثل الحشد العسكري الألماني. ومن المثير للدهشة أن استجابة برلين كانت بطيئة وسلبية إلى حد ما بعد هذا الحشد، على الرغم من دورها المركزي المتصور في الشؤون الأوروبية.

وكان ظهور الانقسامات، وخاصة بين دول شمال وجنوب أوروبا، سبباً في تحفيز التحرك في باريس. ويسعى الرئيس ماكرون إلى قيادة غير رسمية داخل الاتحاد الأوروبي، وقد دافع بنشاط عن الأمن الأوروبي، خاصةً في الأشهر الأخيرة. ومع ذلك، فإن نجاح استدامة هذه القيادة لا تزال غير مؤكدة.

وفي حين أن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي – أي قدرة أوروبا على التصرف بشكل مستقل في المسائل الأمنية – لا يزال احتمالاً بعيد المنال بسبب الانقسامات الداخلية والمصالح المتباينة، يبدو أن القارة تعمل بشكل جماعي على تعزيز استجابتها للصراع. وتشير الاستثمارات في الصناعات الدفاعية والقوات المسلحة إلى أن الحرب كانت بمنزلة نداء تنبيه لأوروبا التي استخفت في السابق باحتياجاتها الأمنية.

6– تكوين تحالفات غير رسمية في القارة الأوروبية: عززت الحرب، على المستوى السطحي، الشعور بالوحدة بين الأوروبيين؛ حيث استجاب الاتحاد الأوروبي بسرعة وبحسم غير مسبوق من خلال فرض العقوبات وتقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا في وقت مبكر من الصراع. ورغم أن هذا عزز عزيمة بعض العواصم الأوروبية، فإنه لا تزال الانقسامات القائمة بين الدول الأوروبية بالكامل.

في الواقع، أدى ذلك إلى تشكيل تحالف غير رسمي يمتد من شمال أوروبا، بما في ذلك دول الشمال، عبر دول البلطيق وبولندا، إلى دول مثل رومانيا. إن هذه الدول ملتزمة بشدة بدعم انتصار أوكرانيا، بجانب المملكة المتحدة. والأهم من ذلك، أن هذا التعاون يمتد إلى ما هو أبعد من الاتحاد الأوروبي، مع الأخذ في الاعتبار خروج المملكة المتحدة من الاتحاد، ووضع النرويج دولةً غير عضو. ومع ذلك، تعمل هذه الدول معاً بشكل وثيق، وتنسق الجهود بشكل غير رسمي، وتُظهر القوة الجماعية في التعامل مع واشنطن لتعزيز الشراكة عبر الأطلسي.

الارتدادات العالمية

أن تأثير الحرب الأوكرانية امتد إلى دول مختلفة حول العالم، حتى إن كانت أغلب الدول البعيدة عن نطاق الصراع جغرافياً لا تدرك حقيقة هذا الأمر. ويتضح ذلك في دخول لاعبين جدد من خارج أوروبا، كالتالي:

1– تحول الصراع إلى حرب بالوكالة بين الغرب والصين: في بداية الصراع، لم يكن لبكين موقف واضح تجاه الهجوم الذي شنته روسيا على أوكرانيا، بل شعرت بالقلق تجاه تصرفات بوتين التي قد تضع الصين، التي تتمتع بشراكة بلا حدود مع روسيا، في موقف حرج. الآن نرى دعماً قوياً من جانب الصين لروسيا في الصراع، ويتمثل ذلك في دعم منظمة شنجهاي للتعاون. ومهما كان ما يقدمه العالم الغربي لأوكرانيا، سواء كانت مساعدة مالية، أو مساعدة عسكرية وتكنولوجية، أو حتى معلومات استخباراتية؛ نجد جهوداً مماثلةً تبذلها الصين لمساعدة روسيا؛ لذا هناك شعور بأن الحرب في أوكرانيا نوع من الحرب بالوكالة بين أوروبا والولايات المتحدة من جهة وبين الصين من جهة أخرى.

2– تزايد الضغوط على الدول المحايدة تجاه الصراع: تسعى القوى الصاعدة، مثل إندونيسيا والبرازيل والهند، وفق المتحدث الرئيسي، إلى الحفاظ على الحياد في الصراع، وتسعى إلى الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية والمالية والتجارية مع كلا الجانبين. ورغم أن هذا الموقف مفهوم، فإنه يمثل تحديات للدول الغربية، وخاصةً فيما يتعلق بتنفيذ عقوبات فعَّالة ضد روسيا.

جدير بالذكر أن هذه الملاحظة ليست انتقاداً لهذه الدول المحايدة، بل نتيجة الحرب تحمل آثاراً تتجاوز أمن أوروبا ودور الناتو، وتؤثر على الدول في جميع أنحاء العالم. وإذا كان هذا الصراع يمثل حرباً بالوكالة تشارك فيها الصين، فإن ذلك يسلط الضوء على أهمية الحفاظ على نظام دولي قائم على القواعد، على الرغم من شكوك بعض الدول تجاه فاعلية هذا النظام، لكن خسارة أوكرانيا قد تجعل المشهد الدولي أكثر خطورةً ولا يمكن التنبؤ به.

3– ارتباط الحرب بالصراع حول مضيق تايوان: الحرب الأوكرانية قد تؤثر على أمن تايوان، إذا كان الدرس المستفاد من الحرب في بكين هو أن الأمريكيين لا يستطيعون حقاً دعم دولة مثل أوكرانيا لأكثر من عامين. ومؤخراً استغرق الأمر نضالاً كبيراً حتى أصدرت واشنطن مشروع قانون لدعم أوكرانيا، وهو الدعم الذي من المحتمل أن يكون آخر مشروع قانون تكميلي من نوعه قبل الانتخابات. هذا النوع من الإشارات يرسل رسالة مفادها أن أي قوة في العالم يمكنها مراجعة الحدود مع دول أخرى والقيام بأشياء لم يكن العالم يتصور حدوثها من قبل.

4– تراجع فاعلية العقوبات الغربية ضد روسيا: شهدت حركة التجارة العالمية زيادات ملحوظة في الواردات من دول مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة إلى مناطق قريبة من روسيا، مع ارتفاع واردات السيارات البريطانية إلى أذربيجان بنسبة 1800% منذ عام 2022. ومع ذلك، فمن غير المرجح شراء هذه السيارات من قبل المواطنين الأذريين فقط؛ وبدلاً من ذلك، غالباً ما يُعَاد تصديرها إلى السوق الروسية، وينتهي الأمر ببعضها في الإنتاج العسكري الروسي.

هناك حالات يتم فيها تفكيك الغسالات لإنتاج الرقائق وأشباه الموصلات، التي يتم بعد ذلك إعادة استخدامها لصنع الطائرات بدون طيار والصواريخ. بالإضافة إلى ذلك، يدرس الأوكرانيون الصواريخ والطائرات بدون طيار الروسية التي تم تحييدها، ويفحصون إلكترونياتها. وبينما تستورد روسيا كمية كبيرة من البضائع من إيران والصين وكوريا الشمالية، فإنها تنتج أيضاً آلاتها الخاصة التي تحتوي على إلكترونيات مُعاد استخدامها من منتجات مدنية غربية.

وفي هذا السياق، تختلف فاعلية العقوبات ضد روسيا؛ حيث تؤدي الأنواع المختلفة من العقوبات إلى نتائج مختلفة. وبمرور الوقت، أصبح من الأسهل التحايل على العقوبات، مثل تحويل البضائع عبر دول مثل أذربيجان أو أرمينيا. أثرت العقوبات المفروضة على النفط الروسي على صادراتها؛ حيث باعت روسيا النفط الخام بخصومات كبيرة لدول مثل الصين والهند؛ ما أدى إلى انخفاض إيراداتها. ومع ذلك، فإن العقوبات التي تهدف بشكل مباشر إلى الحد من القدرات العسكرية الروسية كانت أقل فاعليةً؛ حيث تقدم دول مثل إيران والصين وكوريا الشمالية المساعدة المباشرة لموسكو. علاوةً على ذلك، فإن بعض الدول المندمجة اقتصادياً مع الغرب لا تمتثل بالكامل لهذه العقوبات؛ ما يسمح للتكنولوجيات بالوصول إلى روسيا عبر قنوات بديلة.

مستقبل التهديدات

مع دخول الحرب في عامها الثالث وغياب حل سياسي في الأفق، تجدر الإشارة إلى بعض المخاطر المحتملة من استمرار الصراع، وهي المخاطر التي لخَّصها المتحدث الرئيسي في التالي:

1– تنامي مخاطر انتشار التسلح النووي في العالم: من العواقب الرئيسية للحرب، وخاصةً إذا فشلت أوكرانيا، قضية الانتشار النووي. كانت أوكرانيا تمتلك ذات يوم جزءاً كبيراً من الترسانة النووية للاتحاد السوفييتي السابق. وفي عام 1994، تخلت عن هذه الأسلحة بموجب مذكرة بودابست، التي ضمنت في المقابل سلامة أراضيها. إذا تم تجاهل هذا الالتزام، فإنه يشكل سابقة للدول الأخرى التي تواجه تهديدات على حدودها بالسعي إلى التسلح النووي باعتبار ذلك شكلاً من أشكال الردع. وقد تؤدي هذه النتيجة المحتملة إلى عودة الانتشار النووي على نطاق واسع؛ ما يؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار العالمي.

إن نتيجة الحرب ستحدد الرد فيما يتعلق بالقدرات النووية في أوروبا. وإذا انتصرت أوكرانيا وامتنعت روسيا عن مراجعة الحدود، فمن غير المرجح أن تسعى دول أوروبية أخرى إلى التسلح النووي. ومع ذلك، إذا تعرَّض الجناح الشرقي للناتو للخطر، فقد تطالب دول مثل بولندا باستضافة أسلحة نووية من أجل الأمن. وقد أعرب الرئيس البولندي عن هذا الطلب؛ ما يعكس المخاوف بشأن العدوان المحتمل من روسيا. وقد نوقشت إمكانية استضافة بولندا الأسلحة النووية الأمريكية في السابق، وقد تصبح أكثر إلحاحاً في حالة هزيمة أوكرانيا؛ حيث ستصبح بولندا بعد ذلك دولة على خط المواجهة. وإجمالاً، سوف يؤثر حل الصراع في أوكرانيا بشكل كبير على القرارات المتعلقة بالأمن النووي في أوروبا.

2– إصرار "بوتين" على تحقيق هدفه بمحو أوكرانيا كأمة: بوتين لن ينسحب من أوكرانيا حتى يحقق هدفه. ويتعين على الأوروبيين والأمريكيين والمجتمع الدولي عموماً أن يتصدَّوا لأجندته. إن المخاطر التي تواجه أوكرانيا واضحة؛ فإما أن تظل على قيد الحياة كدولة مستقلة، ثم تنضم في نهاية المطاف إلى الاتحاد الأوروبي وتنعم بالرخاء، وإما تواجه احتمال خسارة سيادتها. إن تصرفات القوات الروسية في الأراضي التي سيطرت عليها شابها الكثير من الانتهاكات؛ حيث تم اختطاف الآلاف من الأطفال الأوكرانيين في روسيا، وإخضاعهم للتلقين والمحو الثقافي. إن هدف بوتين النهائي يتلخص في محو أوكرانيا كأمة من الخريطة الأوروبية؛ لذا من الضروري أن تضع إدارة بايدن استراتيجية واضحة لتحقيق النصر، وتزويد أوكرانيا بالموارد اللازمة لتحقيق النجاح.

3– تراجع الاهتمام الأمريكي بأوكرانيا بعد الانتخابات الرئاسية: يتوقع أن تصبح أوروبا أقل أولويةً بالنسبة إلى الإدارات الأمريكية في المستقبل؛ حيث يبدو أن هناك إجماعاً بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على إعطاء الأولوية للمنافسة مع الصين. ورغم استبعاد المتحدث الرئيسي انسحاب أمريكا من مؤسسات مثل الناتو، فإنه قد يكون هناك تحول في التركيز بعيداً عن أوروبا. ويتوافق هذا الاتجاه مع مسار أوسع بين الحزبَين يبتعد عن أوروبا، وهو المسار الذي من المرجح أن يتكشف خلال العقود المقبلة. وهذا يثير أسئلة مهمة يجب على الإدارات المستقبلية معالجتها.

وتنشأ استجابات مختلفة من أفراد متحالفين مع الفصيلين السياسيين الرئيسيين في الولايات المتحدة. بالنسبة إلى الديمقراطيين، تبدو فكرة أن ترامب تعاون مع الروس وربما يتنازل عن أوكرانيا لبوتين واضحة. وفي حين قد يكون هناك بعض الحقيقة في هذا المنظور، فإن المعلومات المسربة المتعلقة بخطة ترامب المزعومة لحل الصراع من خلال الضغط على أوكرانيا للتنازل عن الأراضي لروسيا مثيرة للقلق، إذا كانت دقيقة. ومع ذلك، على الرغم من انتقادات ترامب الصريحة ومطالباته بزيادة الإنفاق الدفاعي في أوروبا؛ بدأت المساعدات العسكرية لأوكرانيا خلال إدارته، وإن كانت بكميات متواضعة نسبياً.

4– مخاوف بشأن تراجع الدعم الغربي المقدم لأوكرانيا: في حين أن الدعم الأوروبي لأوكرانيا قد يظهر تراجعاً في بعض استطلاعات الرأي، إلا أن مستوى الدعم يختلف باختلاف البلدان. إن الالتزام الأساسي بنجاح أوكرانيا يظل ثابتاً في الدول الممتدة من الحدود الشمالية والشرقية للناتو، بما في ذلك النرويج وفنلندا ودول البلطيق وبولندا. وهذا الالتزام متجذر في تصورهم للصراع على أنه صراع وجودي. لكن إلى أي مدى تستطيع هذه البلدان أن تساهم بفاعلية في قضية أوكرانيا بمفردها. ظهرت بعض الجهود الأوروبية مؤخراً باستثمارات مالية كبيرة؛ ما يشير إلى الالتزام المتجدد. وعلى الرغم من أن النتائج الملموسة لهذا الاستثمار المتزايد لم تتحقق بالكامل بعد، فإن من المتوقع أن يؤدي تسريع الإنتاج إلى تحقيق نتائج في الأشهر المقبلة.

وفيما يتعلق بالحد من القدرات العسكرية الروسية، فإن ضمان حصول الأوكرانيين على المعدات والأسلحة اللازمة لتحقيق النصر في ساحة المعركة أمر بالغ الأهمية. ومع ذلك، تكشف مقارنة القواعد الصناعية لروسيا وأوروبا والولايات المتحدة، على المدى الطويل، عن تناقض صارخ في الحجم والقدرة. إن اقتصاد روسيا يمكن مقارنته باقتصاد إيطاليا، كما أنه يتضاءل مقارنةً باقتصاد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. إذا ركَّز العالم الغربي على تكثيف الدعم لأوكرانيا، فقد يتفوق على روسيا بشكل كبير، لكن تحقيق ذلك يتطلب قرارات سياسية في أوروبا والولايات المتحدة، وحالياً فإن الجهود المبذولة لدعم أوكرانيا عسكرياً ليست كافية. وربما يكون التشريع الأخير الذي أقره الكونجرس بمنزلة حافز للتقدم في هذا الاتجاه.

5– الاعتماد الغربي المفرط على التدابير العقابية: تحتاج الولايات المتحدة وأوروبا إلى نهج سياسي يشتمل على الحوافز والروادع، بدلاً من الاعتماد على التدابير العقابية فقط. وكان صناع القرار في دول مثل البرازيل أو إندونيسيا يسعون دائماً إلى إقامة علاقات اقتصادية أقوى، وزيادة التجارة، وزيادة الاستثمار من العالم الغربي. ومع ذلك، أهمل كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مؤخراً انتهاج سياسة تجارية واقتصادية يمكن أن تعزز علاقات أوثق مع هذه الدول، وتظهر فوائد ملموسة للتحالف مع الغرب. إن مجرد تكديس العقوبات والتهديدات لا يكفي؛ يجب أن يكون هناك جهد استباقي لتوفير أسباب إيجابية للدول للتعاون مع أنظمة العقوبات الغربية.

ختاماً: أن نتيجة الحرب لها تأثيرات ممتدة على جميع دول العالم وليس أوكرانيا أو أوروبا فحسب، وأنه من الضروري متابعة كيف تنتهي الحرب وتحت أي ظرف، وليس فقط المطالبة بوقف إطلاق النار وإنهاء الأعمال العدائية، وأضاف أنه أياً كان الشكل الذي ستنتهي عليه الحرب، فهو سيشكل نوعاً من الخبرة التاريخية سيؤثر على مستقبل أوروبا لعقود قادمة.




المراجع:

أسامة فاروق مخيمر ،10.2.20222، تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على الأمن الأوروبي: دراسة للتغيرات في مفهوم وقضايا الأمن بعد الحرب الباردة مجلة السياسة والاقتصاد.

(ب، ن)، 13.6.2024، مستقبل تأثيرات الحرب الأوكرانية على الأمن الأوروبي (حلقة نقاشية)، إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية.

 
المقالات الأخيرة