في عالم أحادي القطب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة تهيمن على النظام الدولي سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وتفرض قواعد اللعبة على المستوى العالمي. هيمنة واشنطن لم تقتصر على القوة العسكرية وحسب، بل شملت التأثير الدبلوماسي، الهيمنة على المؤسسات المالية الدولية، وسلطة تحديد أطر التجارة والاستثمار، ما جعل الدول الأخرى إما تتكيف مع سياساتها أو تواجه مخاطر اقتصادية وسياسية. في هذا السياق، أصبح استخدام القوة العسكرية أو التهديد بها أداة أساسية لإرساء النفوذ، كما في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، بينما تُوظف الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية لإعادة تشكيل الحكومات أو الاقتصادات بما يتوافق مع المصالح الأميركية. هذا الواقع أحادي القطب أبرز التباين بين قدرة واشنطن على توجيه السياسات الدولية وبين محدودية قدرة باقي القوى على معارضة تحركاتها، ما جعل الهيمنة الأميركية سمة مهيمنة للنظام الدولي في العقود الأخيرة. الولايات المتحدة الأمريكية:
الولايات المتحدة وفنزويلا:
أهمية استراتيجية
تُعد فنزويلا وأميركا اللاتينية ذات أهمية استراتيجية محورية للولايات المتحدة، لكونهما تقعان ضمن ما يُعرف تاريخيًا بـ“المجال الحيوي الأميركي”، حيث ترى واشنطن أن أي نفوذ لقوى دولية منافسة في هذه المنطقة يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. وتكتسب فنزويلا أهمية خاصة باعتبارها تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، فضلًا عن موقعها الجغرافي القريب من السواحل الأميركية، ما يجعل استقرارها السياسي واتجاهاتها الاستراتيجية عاملًا مؤثرًا في أمن الطاقة الأميركي والإقليمي. أما على المستوى الأوسع، فتمثل أميركا اللاتينية عمقًا اقتصاديًا وأمنيًا للولايات المتحدة، وسوقًا حيويًا، ومنطقة عازلة في قضايا الهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات. كما تسعى واشنطن إلى منع تحوّل دول المنطقة إلى منصات نفوذ لروسيا والصين وإيران، الأمر الذي يفسر حرصها المستمر على الحفاظ على تفوقها السياسي والعسكري والاقتصادي في نصف الكرة الغربي.
الخلفية التاريخية للتدخلات الأميركية، التجارب السابقة خارج القانون الدولي
تُظهر التجربة التاريخية أن الولايات المتحدة استخدمت القوة العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية في عدة حالات، إما من دون تفويض من مجلس الأمن أو بتأويلات قانونية موسّعة لمفهوم الدفاع عن النفس أو التدخل الإنساني، ما جعل هذه التدخلات محل إدانة أممية وجدال قانوني واسع.
_ بنما 1990: اعتقال الرئيس البنمي مانويل نورييغا ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته، خطوة وُصفت دوليًا بأنها انتهاك لسيادة الدولة وخروج عن قواعد القانون الدولي.
_ غرينادا 1983: تدخل عسكري لإسقاط حكومة يسارية بحجة حماية الطلاب الأميركيين، واعتُبر تدخلًا غير قانوني في شؤون دولة ذات سيادة.
_ تشيلي 1973: دعم انقلاب بينوشيه، ما شكل تدخلًا في السياسة الداخلية.
_ نيكاراغوا 1986: دعم عسكري للكونترا، وأدانت محكمة العدل الدولية الولايات المتحدة.
الضربة الأميركية على فنزويلا (3 يناير 2026)
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنفيذ ضربة واسعة النطاق ضد فنزويلا، نتج عنها اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد.
في جوهره، يُنظر إلى التدخل الأميركي على أنه يهدف إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية في دولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وتقليص نفوذ خصوم واشنطن (روسيا، الصين، إيران) في أميركا اللاتينية، وضمان عدم تحوّل فنزويلا إلى منصة معادية للمصالح الأميركية في المجال الحيوي التقليدي للولايات المتحدة. وعليه، فإن السيطرة غير المباشرة على الموارد، عبر تغيير النظام أو فرض سلطة سياسية موالية تفتح قطاع الطاقة أمام الشركات الغربية، تبدو دافعًا أكثر عمقًا واستدامة من خطاب مكافحة المخدرات، الذي غالبًا ما يُستخدم كغطاء قانوني–سياسي لتبرير التدخل أمام الرأي العام الداخلي والدولي. الولايات المتحدة الأمريكية
ردود الفعل الدولية والأوروبية
ردود الفعل الدولية والأوروبية تجاه الضربة الأميركية على فنزويلا تراوحت بين الإدانات الحذرة والدعم المشروط، مع تعبير العديد من الدول عن قلقها من تداعيات هذا التحرك على الاستقرار الإقليمي. في أوروبا، أعربت دول مثل ألمانيا وفرنسا عن استيائها من استخدام القوة العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية، مشددة على أهمية حل سياسي تفاوضي يراعي سيادة فنزويلا ويجنب المنطقة تصاعد العنف أو موجات هجرة جديدة. في المقابل، دعمت بعض الدول الأوروبية الغربية الحلفاء التقليديين لواشنطن، موقفها في إطار محاربة النفوذ الروسي والإيراني في نصف الكرة الغربي، مع التأكيد على ضرورة حماية المدنيين وضمان الوصول الإنساني للمواد الغذائية والدوائية.
أعربت ألمانيا عن قلقها البالغ تجاه الضربة الأميركية على فنزويلا، معتبرة أن استخدام القوة العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية يمثل سابقة خطيرة تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي. وأكدت برلين على ضرورة حل سياسي تفاوضي يحترم سيادة فنزويلا ويجنب تصاعد العنف أو موجات هجرة إضافية إلى الدول المجاورة. وفي الوقت نفسه، دعت الحكومة الألمانية واشنطن والدول المعنية إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين الفنزويليين، مع التركيز على أهمية حماية حقوق الإنسان والحفاظ على المؤسسات الديمقراطية. وقد جسدت تصريحات المسؤولين الألمان مزيجًا من الحذر الدبلوماسي والتمسك بالقانون الدولي، مع محاولة الحفاظ على توازن العلاقات مع الولايات المتحدة دون التغاضي عن المبدأ الأوروبي في احترام سيادة الدول ورفض التدخل العسكري الأحادي. الاستخبارات الأمريكية في عهد الرئيس ترامب والدولة العميقة.
على الصعيد الدولي، أكدت الأمم المتحدة أن أي تدخل عسكري يجب أن يكون ضمن أطر القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، بينما عبرت دول أميركا اللاتينية عن مخاوفها من أن يؤدي هذا الحدث إلى تصعيد أمني وسياسي في المنطقة ويعيد رسم تحالفات القوة التقليدية بطريقة تضر بالاستقرار الإقليمي.
عبرت روسيا والصين بنبرة حذرة بالرفض الرسمي للضربة الأميركية على فنزويلا، معتبرتين أنها انتهاك مباشر للسيادة الوطنية وتهديد للاستقرار الإقليمي. من جانبها، أكدت روسيا أن هذا التدخل يُظهر رغبة واشنطن في تحجيم نفوذ موسكو في أميركا اللاتينية وقطع أي قنوات تعاون استراتيجي محتملة، فيما شددت الصين على أن الحفاظ على استقرار فنزويلا أمر حيوي لاستثماراتها في الطاقة والبنية التحتية، داعية إلى حل سياسي وسلمي للأزمة بعيدًا عن التدخل العسكري. ومع ذلك، اعتمدت كلتا الدولتين على لهجة دبلوماسية متزنة، متجنبتين المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، بل ركزتا على التأكيد على مبادئ القانون الدولي واحترام سيادة الدول، مع التلميح إلى أن أي محاولات لتوسيع النفوذ الغربي في المنطقة قد تستدعي إعادة النظر في التحالفات الاقتصادية والسياسية القائمة.
ردود فعل دول أمريكا اللاتينية تجاه الضربة الأميركية على فنزويلا كانت متفاوتة وتعكس تباين المصالح والتحالفات في المنطقة. فقد اتسم موقف دول مثل البرازيل وكولومبيا بالحذر، حيث أعربت البرازيل عن عدم ترحيبها بالتدخل العسكري الأميركي معتبرة أنه قد يزيد من توتر الأوضاع الإقليمية، بينما أبدت كولومبيا دعمًا محدودًا للخطوات الأميركية ضمن إطار محاربة النفوذ الفنزويلي المناهض لها. في المقابل، اتسم موقف دول مثل الأرجنتين وشيلي والمكسيك بالامتناع عن أي تحدٍ مباشر للولايات المتحدة، مع التأكيد على أهمية حل سياسي تفاوضي يحترم سيادة فنزويلا ويجنب تصاعد العنف أو موجات هجرة جديدة. كما عبّرت عدة حكومات أخرى عن قلقها من أن يؤدي هذا التدخل إلى إعادة رسم تحالفات القوة التقليدية في المنطقة، ما يبرز الحاجة إلى دبلوماسية متعددة الأطراف لمعالجة الأزمة والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
قوة دلتا الأمريكية
قوة دلتا الأمريكية، ، تُعد من أبرز وحدات العمليات الخاصة في العالم، وتتميز بالقدرة على تنفيذ مهام حساسة ومعقدة تتراوح بين:
تأسست القوة في الثمانينيات ضمن الجيش الأميركي، وتم تدريبها على أعلى مستويات الكفاءة البدنية والاستخباراتية، مع قدرات متقدمة في التخفي، الاقتحام، والعمليات الدقيقة. شاركت دلتا في العديد من العمليات الشهيرة عالميًا، من بينها إنقاذ الرهائن في إيران (1980)، ضربات ضد تنظيم القاعدة وطالبان في أفغانستان، تنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب في العراق وسوريا، واستهداف قادة جماعات إرهابية في أفريقيا وآسيا. وتعد القوة أداة استراتيجية للولايات المتحدة، حيث تستخدمها واشنطن للقيام بعمليات خارج الحدود بفعالية عالية ودقة متناهية، غالبًا مع سرية كبيرة تفوق الوحدات التقليدية، ما يجعلها رمزًا للقدرة الأميركية على تنفيذ مهام حيوية في بيئات خطرة ومعقدة.
شعبية مادورو
تراجعت شعبية نيكولاس مادورو بشكل ملحوظ في الشارع الفنزويلي خلال السنوات الأخيرة بفعل الانهيار الاقتصادي الحاد، والتضخم، ونقص الغذاء والدواء، ما أدى إلى تآكل القاعدة الاجتماعية التقليدية للنظام، خاصة في المدن الكبرى والطبقة الوسطى. ومع ذلك، لا تزال شرعية مادورو داخل المؤسسة العسكرية أقوى نسبيًا، إذ يعتمد النظام على شبكة ولاءات داخل الجيش والأجهزة الأمنية، قائمة على الامتيازات الاقتصادية والسيطرة على قطاعات حيوية، إضافة إلى الخوف من الملاحقة في حال سقوط النظام. هذا التباين بين ضعف التأييد الشعبي واستمرار التماسك النسبي داخل الجيش يفسر قدرة مادورو على البقاء في السلطة، ويجعل موقف القوات المسلحة عامل الحسم الأساسي في أي سيناريو تغيير سياسي أو تدخل خارجي.
المعارضة الفنزويلية
تعاني المعارضة من تشتت وانقسامات عميقة بين أجنحتها، ما يضعف قدرتها على تحدي النظام رغم الاستياء الشعبي الواسع. تفتقر المعارضة إلى السيطرة على المؤسسات الأمنية والجيش، بينما قياداتها غالبًا ما تواجه الملاحقة والمنع من ممارسة النشاط السياسي بحرية، إضافة إلى قيود على الإعلام والحريات العامة. ومع ذلك، تمتلك شبكات واسعة من الدعم المدني والإعلامي، وقدرتها على التعبئة الشعبية تظل قائمة، خصوصًا في المدن الكبرى والمناطق المتضررة اقتصاديًا، مع الاعتماد على الضغط السياسي والدبلوماسي الدولي كأداة أساسية. أمن دولي ـ هل بدأ غزو فنزويلا؟
المعارضة الفنزويلية تضم مجموعة من الشخصيات والأحزاب التي تشكل التحدي السياسي الرئيس لنظام نيكولاس مادورو، رغم الانقسامات الداخلية والتحديات القانونية والسياسية. من أبرز قياداتها خوان غوايدو، الذي أعلن نفسه رئيسًا مؤقتًا للبلاد في 2019 وحظي بدعم دولي واسع، وليو بويديتش من حزب «Acción Democrática»، وهنري راموس أليخو زعيم حزب «Primero Justicia»، وماريا كورينا ماتشادو التي برزت كقوة مؤثرة في النشاط السياسي والإعلامي، إضافة إلى شخصيات مثل ديونيسيو ديلغادو وأوليسيس مونتيس الذين يمثلون أجنحة مختلفة للمعارضة داخل البرلمان والخارج. ورغم تشتت هذه الأسماء واختلاف استراتيجياتها بين الضغط الشعبي والدبلوماسي الدولي، تظل المعارضة قوة مركزية في المشهد الفنزويلي، قادرة على التعبئة المدنية والضغط السياسي، خاصة في المدن الكبرى والمناطق الأكثر تضررًا اقتصاديًا.
ماريا كورينا ماتشادو
أبرز شخصية من المعارضة الفنزويلية التي فازت بجائزة نوبل هي ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة البارزة في فنزويلا، والتي حازت جائزة نوبل للسلام لعام 2025 تقديرًا لعملها الدؤوب في تعزيز الحقوق الديمقراطية والسعي نحو انتقال سلمي من النظام القائم إلى نظام ديمقراطي «فيبلد تعصف به أزمة سياسية واجتماعية عميقة. ماتشادو، التي كانت مرشحة قوية للانتخابات الرئاسية قبل أن تُمنع من الترشح ويُضطر كثير من أنصارها للنفي أو الاختفاء بسبب القمع، تُعد رمزًا للمقاومة المدنية في مواجهة القمع والتضييق، وقد اعتُبرت أصواتها ودورها في توحيد المعارضة نقطة محورية في مساعي تغيير المشهد السياسي في فنزويلا.
السيناريوهات المستقبلية بعد الضربة الأميركية
في أعقاب الضربة الأميركية على فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، يواجه النظام الفنزويلي مرحلة حرجة من عدم الاستقرار، مع احتمالات متفاوتة لتطور الأحداث. السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في التغيير الداخلي للنظام، حيث قد يؤدي الانقسام داخل النخبة الحاكمة أو في صفوف المؤسسة العسكرية إلى فتح قنوات تفاوض مع واشنطن، مقابل ضمانات سياسية واقتصادية. هذا التحول الداخلي لن يكون بالضرورة انقلابًا دمويًا، بل عملية تدريجية لإعادة ترتيب الولاءات وتقليل الاحتقان، مع استمرار عناصر السلطة التقليدية في محاولة حماية مصالحها.
في الوقت نفسه، يظل سيناريو “اللاحرب واللاسلم” قائمًا، إذ يمكن أن يستمر النظام في السلطة رغم الضغوط الدولية، مع حالة دائمة من التوتر والعزلة، ما يجعل فنزويلا مسرحًا للرسائل الاستراتيجية. تستخدم الضربة كأداة ردع لإعادة تشكيل موازين القوى داخليًا، وإرسال إشارات واضحة لكل من الجيش والشعب والمعارضة بأن أي تحول يجب أن يتم ضمن حدود محددة، وبوجود ضغوط اقتصادية وسياسية مستمرة. في هذا السياق، ستلعب الدبلوماسية الأميركية والتحالفات الإقليمية دورًا مركزيًا في توجيه الأحداث، سواء لدفع التغيير التدريجي أو لمنع انهيار كامل للنظام يؤدي إلى فراغ أمني وسياسي في قلب أميركا اللاتينية.
انعكاسات على روسيا والصين وإيران
يمثل الهجوم الأميركي ضربة مباشرة لمصالح هذه الدول في أميركا اللاتينية، ويُرسل رسالة استراتيجية أن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة لمنع خصومها من ترسيخ نفوذهم. بالنسبة لروسيا، يُضعف التدخل مواقع حضورها السياسي والعسكري ويحفز ردودًا غير مباشرة في ساحات أخرى. أما الصين، فتواجه تهديدًا مباشرًا لاستثماراتها في الطاقة والبنية التحتية. وتعتبر إيران الاستهداف سابقة خطيرة، ما يدفعها لتعزيز أدوات الردع غير المتماثل وتوسيع شبكات النفوذ والضغط السياسي خارج الشرق الأوسط.
انعكاسات على دول أميركا الجنوبية
يرسل الهجوم رسائل قوية لدول الجوار، مفادها استعداد واشنطن لاستخدام القوة لحماية مصالحها الاستراتيجية والنفطية. قد تتخذ دول مثل كولومبيا والبرازيل مواقف داعمة أو متشددة، بينما تزيد دول أخرى الحذر والامتناع عن أي تحدٍ مباشر. كما يعيد الحدث رسم حسابات الأمن الإقليمي ويعزز دور واشنطن كضامن للنظام الإقليمي وفق منظورها الاستراتيجي.
دور مجلس الأمن والشرعية الدولية
وفق ميثاق الأمم المتحدة، يتمتع مجلس الأمن بصلاحيات إصدار قرارات لوقف الأعمال العدائية أو تكليف بعثات مراقبة ودبلوماسية. لكن عمليًا، قدرة المجلس محدودة بسبب حق النقض للأعضاء الدائمين، خصوصًا الولايات المتحدة، ما يجعل أي قرار صارم ضد واشنطن صعبًا أو مستحيلاً، ويقتصر دور المجلس غالبًا على إدانات رمزية أو بيانات سياسية، بينما تبقى إدارة الأزمة الفعلية مرتبطة بالدبلوماسية الثنائية والتحالفات الإقليمية.
مؤتمرًا صحفيًا للرئيس ترامب
عقب إعلان اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، عقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤتمرًا صحفيًا أكد فيه أن العملية جاءت في إطار ما وصفه بـ«حماية الأمن القومي الأميركي» ومنع تحوّل فنزويلا إلى منصة تهديد إقليمي ودولي. وشدد ترامب على أن التحرك الأميركي كان «دقيقًا ومحدودًا»، واستهدف ما اعتبره شبكة فساد وتهريب عابرة للحدود، مع التأكيد على أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى احتلال فنزويلا بل إلى «فتح الطريق أمام انتقال سياسي» وإعادة الاستقرار. كما وجّه رسائل حازمة إلى روسيا والصين وإيران، مفادها أن واشنطن لن تسمح بتوسيع نفوذ خصومها في نصف الكرة الغربي، داعيًا المجتمع الدولي إلى دعم مسار سياسي جديد في فنزويلا يضمن الأمن، الديمقراطية، واستقرار أسواق الطاقة.
النتائج
ـ الهجوم الأميركي على فنزويلا يُعد مثالًا حيًا على استمرار الهيمنة الأميركية في عالم أحادي القطب، حيث تستخدم واشنطن القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية لإعادة تشكيل النظام الدولي وفق مصالحها. ويبرز الحدث مدى هشاشة الأنظمة التي تعتمد على الدعم العسكري الداخلي، كما يعكس أبعاد الصراع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وخصومها التقليديين في أميركا اللاتينية والعالم، مع رسائل قوية للدول المجاورة حول حدود النفوذ الأميركي وأهمية الحفاظ على استقرار المنطقة وفق الرؤية الأميركية.
ـ ما تقوم به الإدارة الأميركية تجاه فنزويلا لا يقتصر على الشعارات الرسمية المتعلقة بمحاربة المخدرات، بل يتجاوز ذلك ليعكس استراتيجية أوسع للتحكم في الموارد الحيوية وضمان الأمن القومي.
ـ فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، ما يجعلها لاعبًا محوريًا في أسواق الطاقة، وسيطرة واشنطن على هذا القطاع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عبر تغيير النظام، تعزز مصالحها الاقتصادية وتقلل من أي قدرة لدول منافسة على النفوذ في المنطقة.
ـ في الوقت نفسه، يُنظر إلى هذا التحرك كخطوة استباقية لإبعاد أي تهديد محتمل عن حدود الولايات المتحدة، خصوصًا في ضوء تقارب سياسات فنزويلا مع روسيا والصين وإيران، الذين يمثلون خصومًا استراتيجيينلواشنطن على الساحة الدولية. لذلك، فإن الضربة الأميركية ليست مجرد حملة لمكافحة المخدرات، بل جزء من سياسة شاملة لإعادة رسم التوازن الإقليمي، وضمان أن المنطقة تظل ضمن دائرة النفوذ الأميركي، مع تحجيم أي محاولات للفنزويليين لتأسيس علاقات استراتيجية قد تتحدى الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي.
ـ يعكس المؤتمر الصحفي للرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب اعتقال نيكولاس مادورو محاولة واضحة لإضفاء شرعية سياسية وأمنية على خطوة مثيرة للجدل قانونيًا ودوليًا، عبر ربطها بمفاهيم الأمن القومي ومكافحة التهديدات العابرة للحدود. الخطاب ركز على توصيف العملية بأنها محدودة ودقيقة، في مسعى لاحتواء المخاوف الدولية من الانزلاق إلى تدخل عسكري واسع، وفي الوقت ذاته توجيه رسالة ردع مباشرة لروسيا والصين وإيران بشأن حدود نفوذها في أميركا اللاتينية. استخدم ترامب لغة الانتقال السياسي والديمقراطية لتسويق التحرك خارجيًا، رغم أن جوهر الخطاب كشف عن أولوية المصالح الاستراتيجية، خاصة أمن الطاقة ومنع تشكل بيئة معادية قرب الحدود الأميركية. بهذا المعنى، لم يكن المؤتمر مجرد تبرير لعملية أمنية، بل جزءًا من إدارة الصراع سياسيًا وإعلاميًا، يهدف إلى ضبط ردود الفعل الدولية، وتهيئة الأرضية لمرحلة ضغط متعددة الأدوات على فنزويلا دون التورط في حرب مفتوحة.
المراجع
_امن دولي، 3/1/2026، فنزويلا، الضربة الأميركية وأبعادها الإقليمية والدولية، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات.
_ خالد خياري، 23/12/2025، تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا، أخبار الأمم المتحدة.
