يشهد النظام الدولي في المرحلة الراهنة تحولات عميقة لم تعد تُدار بمنطق القواعد والمؤسسات بقدر ما تُدار بمنطق القوة العارية، حيث باتت الأزمات الدولية تُوظَّف كأدوات لإعادة إنتاج الهيمنة لا كإشكاليات يُراد احتواؤها أو حلّها وفي قلب هذا التحول، تبرز السياسة الأمريكية بوصفها الفاعل الأكثر استخدامًا للقوة الصلبة، والضغط الاقتصادي، والردع السياسي، في صياغة مسارات الأزمات الدولية بما يخدم إعادة تشكيل توازنات النظام العالمي وفق مصالحها الاستراتيجية.
في هذا السياق يتناول هذا المقال مفهوم القوة العارية ومنطق الهيمنة الأمريكية من خلال تحليل كيفية إدارة الولايات المتحدة للأزمات الدولية في مناطق مختلفة من العالم، مثل فنزويلا وإيران، وشرق أوروبا، وشرق آسيا، وصولًا إلى القضايا الجيوسياسية الجديدة المرتبطة بالموارد والممرات الاستراتيجية ويسعى المقال إلى تفكيك الأدوات والآليات التي تعتمدها واشنطن في إدارة هذه الأزمات، وبيان انعكاساتها على بنية النظام الدولي، وعلى مستقبل الاستقرار العالمي في ظل تآكل منظومة القواعد وتغليب منطق القوة على منطق الشرعية.
الإطار المفاهيمي للقوة العارية
يشكّل مفهوم القوة العارية أحد أكثر المفاهيم تعبيرًا عن التحولات الراهنة في بنية العلاقات الدولية، حيث يُقصد به الاستخدام المباشر وغير المغلّف لأدوات القوة الصلبة، السياسية والاقتصادية، والعسكرية، بعيدًا عن الأطر القيمية أو الاعتبارات الأخلاقية التي ميزت خطاب القوة الناعمة والقوة الذكية في مراحل سابقة فبينما سعت الولايات المتحدة لعقود إلى توظيف الجاذبية الثقافية، والمؤسسات الدولية، والتحالفات، كوسائل لتكريس نفوذها، يشهد النظام الدولي اليوم انتقالًا واضحًا نحو ممارسة القوة المباشرة، بما يعكس تراجع الثقة في الأدوات غير القسرية وقدرتها على ضمان استمرار الهيمنة.
ويرتبط هذا التحول ارتباطًا وثيقًا بأطروحات الواقعية الهجومية، التي ترى أن الدول الكبرى في بيئة دولية فوضوية، تسعى دائمًا إلى تعظيم قوتها النسبية ومنع صعود منافسين محتملين وفي هذا الإطار تصبح الهيمنة غاية بحد ذاتها، لا وسيلة لتحقيق الاستقرار، وهو ما يفسر لجوء الولايات المتحدة إلى منطق الإكراه بدلًا من التوافق، وإلى إدارة الأزمات بدلًا من تسويتها. فالقوة العارية، وفق هذا المنظور تمثل التعبير العملي عن سعي القوة المهيمنة إلى الحفاظ على تفوقها في مواجهة عالم يتجه نحو تعددية قطبية متزايدة.
وفي هذا السياق تبرز إدارة الأزمات الدولية كأداة مركزية في الاستراتيجية الأمريكية المعاصرة، ليس بهدف الاحتواء أو الحل، بل بغرض التحكم في مسارات الصراع وإعادة ضبط التوازنات الدولية فالفرق الجوهري بين إدارة الأزمات وحلّها يكمن في أن الأولى تُبقي جذور الصراع قائمة، بما يسمح باستخدام الأزمة كورقة ضغط دائمة، في حين تسعى الثانية إلى إنهاء أسباب التوتر بشكل جذري وبذلك تتحول الأزمات الدولية إلى وسائل لإعادة تشكيل النظام الدولي، وإعادة ترتيب مراكز القوة داخله، بما يضمن استمرار التفوق الأمريكي، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستقرار العالمي ومنظومة الشرعية الدولية.
التحول في السياسة الأمريكية
شهدت السياسة الخارجية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا من خطاب يقوم ظاهريًا على الترويج للديمقراطية وحقوق الإنسان، إلى ممارسة براجماتية صلبة تُقدِّم المصلحة القومية وتعظيم النفوذ على أي اعتبارات قيمية فقد تراجع توظيف القيم الليبرالية بوصفها إطارًا ناظمًا للسلوك الخارجي، ليحل محلّه استخدام انتقائي ومصلحي، تُستدعى فيه القيم حين تخدم الأهداف الاستراتيجية، وتُهمَّش حين تتعارض معها. هذا التراجع أسهم في إضعاف المصداقية الأخلاقية للولايات المتحدة، وكشف التناقض بين الخطاب والممارسة في إدارة الأزمات الدولية.
وفي هذا السياق برز منطق الصفقة والابتزاز السياسي بوصفه سمة رئيسية في السياسة الأمريكية، ولا سيما خلال عهد الرئيس دونالد ترامب، حيث جرى التعامل مع القضايا الدولية بمنطق رجل الأعمال لا بمنطق رجل الدولة فقد أُعيد تعريف العلاقات مع الحلفاء والخصوم على حد سواء وفق معادلة الربح والخسارة، واستخدام أدوات مثل العقوبات، والتهديد بسحب الحماية الأمنية، والضغط الاقتصادي، كوسائل لإجبار الأطراف الأخرى على الانصياع للإرادة الأمريكية.
ويكتمل هذا التحول من خلال توظيف القانون الدولي كأداة انتقائية، إذ لم يعد القانون إطارًا جامعًا لتنظيم العلاقات بين الدول، بل وسيلة لتكريس موازين القوة القائمة. فالولايات المتحدة تلجأ إلى المؤسسات الدولية حين تخدم قراراتها مصالحها، وتتجاوزها أو تعرقلها حين تشكّل قيدًا على حركتها، مستخدمةً نفوذها السياسي والاقتصادي، وحق النقض في مجلس الأمن، لتعطيل أي مسار لا يتسق مع أولوياتها الاستراتيجية. ويعكس هذا السلوك انتقال السياسة الأمريكية من منطق القيادة إلى منطق السيطرة، ومن الالتزام بالقواعد إلى إعادة صياغتها بالقوة.
فنزويلا كنموذج للعقاب السياسي والاقتصادي
تمثل فنزويلا إحدى أبرز الحالات التي تجسّد توظيف الولايات المتحدة للقوة العارية في إدارة الأزمات الدولية، حيث تحولت الدولة الغنية بالموارد النفطية إلى ساحة مفتوحة للعقاب السياسي والاقتصادي المنهجي. فالأهمية الجيوسياسية لفنزويلا لا تنبع فقط من امتلاكها أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، بل من موقعها في قلب أمريكا اللاتينية، وهي منطقة لطالما اعتبرتها واشنطن مجالًا حيويًا تقليديًا لنفوذها. ومن ثم فإن خروج كاراكاس عن النسق السياسي والاقتصادي الذي ترعاه الولايات المتحدة شكّل تحديًا مباشرًا لمنطق الهيمنة الأمريكية في الإقليم.
وفي هذا الإطار اعتمدت واشنطن حزمة متكاملة من أدوات الضغط، شملت العقوبات الاقتصادية الشاملة، والعزل الدبلوماسي، والملاحقات القانونية والاعتقالات، في محاولة لإضعاف الدولة الفنزويلية من الداخل وإعادة تشكيل بنيتها السياسية. ويأتي اعتقال رئيس فنزويلا في هذا السياق بوصفه رسالة ردع مزدوجة؛ داخليًا لتجفيف مصادر القوة لدى النظام، وإقليميًا لتحذير أي قوى سياسية أو دول مجاورة من مغبة تحدي الإرادة الأمريكية. فالاعتقال هنا لا يُفهم باعتباره إجراءً قانونيًا بحتًا، بل كأداة سياسية ضمن استراتيجية أوسع لإخضاع الدولة.
كما سعت الولايات المتحدة إلى إسقاط الشرعية السياسية عن القيادة الفنزويلية من خلال الاعتراف ببدائل سياسية موالية، والعمل على إعادة إنتاج نخب حاكمة منسجمة مع المصالح الأمريكية وقد ترافقت هذه الجهود مع خطاب إنساني وإغاثي، استُخدم لتبرير التدخل والضغط، رغم أن السياسات المتبعة أسهمت في تعميق الأزمة الاقتصادية والمعيشية للشعب الفنزويلي، مما يعكس التناقض بين الخطاب المعلن والأهداف الفعلية.
وتتجاوز دلالات الحالة الفنزويلية حدودها الوطنية، إذ تحولت إلى نموذج تحذيري لدول أمريكا اللاتينية الخارجة عن النسق الأمريكي، مفاده أن الاستقلال في القرار السياسي أو الاقتصادي ستكون كلفته مرتفعة. وبهذا المعنى لا تُعد فنزويلا حالة استثنائية، بل مثالًا تطبيقيًا لمنطق القوة العارية، حيث تُستخدم الأزمات الداخلية وسيلة لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية، وترسيخ الانضباط الإقليمي في مواجهة أي محاولات للتمرد على النظام الدولي الذي تقوده واشنطن.
إيران وإدارة الصراع دون حرب
تُعد الحالة الإيرانية نموذجًا مركزيًا في الاستراتيجية الأمريكية القائمة على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى حرب شاملة، حيث تمثل إيران أحد أبرز التحديات الجيوسياسية للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. فالأهمية الاستراتيجية لإيران لا ترتبط فقط بقدراتها العسكرية أو برنامجها النووي، بل بدورها الإقليمي المتشابك، وشبكة تحالفاتها، وقدرتها على التأثير في ممرات الطاقة وأمن الخليج، وهو ما يجعلها فاعلًا لا يمكن تجاهله في معادلات القوة الإقليمية والدولية.
في هذا السياق اعتمدت الولايات المتحدة سياسة العقوبات القصوى بوصفها الأداة الرئيسية للضغط، في إطار ما يُعرف بسياسة حافة الهاوية، حيث يجري تصعيد الضغوط الاقتصادية والمالية إلى أقصى حد ممكن دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة وقد هدفت هذه السياسة إلى إنهاك الاقتصاد الإيراني، وتقويض قدرته على تمويل أدواره الإقليمية، ودفعه في الوقت ذاته إلى تقديم تنازلات استراتيجية، مع الإبقاء على مستوى من الغموض يسمح بإدارة التوتر بدلًا من حسمه.
وإلى جانب العقوبات لجأت واشنطن إلى الردع الاقتصادي والعسكري غير المباشر، من خلال تعزيز الوجود العسكري في المنطقة، ودعم الحلفاء الإقليميين، وتنفيذ ضربات محدودة أو عمليات أمنية انتقائية، تُستخدم لإرسال رسائل ردع محسوبة. ويعكس هذا النهج إدراكًا أمريكيًا لتكلفة الحرب المباشرة مع إيران، مقابل فاعلية استنزافها عبر ضغوط طويلة الأمد تُبقيها في حالة دفاع دائم.
كما تم توظيف الأزمات الإقليمية المرتبطة بإيران، سواء في الخليج، أو العراق، أو اليمن كمسارح فرعية لإدارة الصراع، حيث تُدار هذه الملفات بطريقة تمنع الانفجار الشامل، لكنها تُبقي مستوى التوتر مرتفعًا بما يخدم إعادة ضبط التوازنات الإقليمية. وفي هذا الإطار تتحول إيران إلى أزمة دائمة لا يُراد حلّها، بل تُستخدم كعامل استقرار سلبي، يبرر الوجود العسكري الأمريكي، ويُعيد إنتاج التحالفات، ويكرّس منطق القوة العارية في إدارة الشرق الأوسط.
جرينلاند وعودة الجغرافيا السياسية
تمثل قضية جرينلاند نموذجًا واضحًا لتطبيق منطق القوة العارية في سياق التنافس الجيوسياسي الحديث، حيث لم تعد الأولوية مجرد القيم أو الاعتبارات القانونية، بل السيطرة على الموارد الحيوية والممرات الاستراتيجية فجغرافيا جرينلاند وموقعها بين المحيط الأطلسي والقطب الشمالي جعلها نقطة محورية في حسابات النفوذ الأمريكي، خاصة في ظل تنامي المنافسة مع قوى كبرى، مثل روسيا والصين اللتين تسعيان أيضًا إلى توسيع حضورهما في القطب الشمالي من خلال استغلال الموارد الطبيعية وفتح ممرات ملاحية جديدة.
وترتبط أهمية جرينلاند ليس فقط بالموارد المعدنية والنفطية، ولكن أيضًا بالقدرات العسكرية والاستراتيجية التي يوفرها موقعها، حيث يمكن استخدامها كقاعدة للتحكم في الممرات البحرية ومراقبة النشاط العسكري للدول الأخرى، وتعزيز القدرة الأمريكية على الردع في المنطقة ومن هذا المنطلق، يصبح الحديث عن منطق الضم أو شراء الأراضي في القرن الحادي والعشرين انعكاسًا لفلسفة القوة العارية، التي تعطي الأولوية للمصالح الجيوسياسية على أي اعتبارات سيادية أو قانونية.
كما تعكس هذه القضية تراجع احترام سيادة الدول الصغيرة، إذ يتم التعامل مع القضايا السيادية ليس كحقوق ثابتة، بل كأداة سياسية يمكن توظيفها وفق مصالح القوى الكبرى ويؤكد ذلك أن الولايات المتحدة، من خلال سياسات الضغط والمفاوضات غير المتكافئة، تسعى إلى ضمان نفوذ مستدام في مناطق استراتيجية، حتى ولو تطلب ذلك تجاوز القواعد الدولية أو المساس بالاستقلال الداخلي للدول المعنية.
وبالتالي تتحول جرينلاند من مجرد أرخبيل جغرافي إلى رمز للصراع على الموارد والنفوذ يعكس بوضوح كيف يمكن للقوة العارية أن تتحول إلى أداة مركزية في إعادة رسم خرائط الهيمنة الأمريكية على المستوى العالمي.
أثر القوة العارية على النظام الدولي
لقد ترك توظيف القوة العارية في السياسة الأمريكية أثرًا عميقًا على بنية النظام الدولي واستقراره، حيث أدى التركيز على الإكراه والضغط الانتقائي إلى تآكل شرعية المؤسسات الدولية وإضعاف قواعد النظام القائم فحين تصبح القوة أداة رئيسية لتحديد النتائج السياسية والاقتصادية، تقل قدرة القانون الدولي على ضبط السلوك بين الدول، وتتحول القرارات الدولية إلى انعكاس لمصالح القوى الكبرى بدلاً من معيار موضوعي للعدالة والإنصاف.
ويترتب على هذا التوجه تصاعد الفوضى وعدم الاستقرار في العديد من المناطق، إذ تؤدي الأزمات المستمرة المدارة جزئيًا إلى خلق بيئات مضطربة تفتقر إلى حلول نهائية، مما يحول الأزمات إلى حالات مستمرة يمكن استغلالها لأغراض استراتيجية. وقد دفع هذا الوضع بعض الدول إلى تعزيز قدراتها العسكرية والدبلوماسية، وتشكيل تحالفات بديلة، بهدف مواجهة النفوذ الأمريكي أو تقليل التبعية له، مما يعكس ظهور ديناميات جديدة في الصراع الدولي.
إضافة إلى ذلك ساهم اعتماد القوة العارية في صعود قوى موازنة كبرى، أبرزها الصين وروسيا، بالإضافة إلى تكتلات إقليمية متعددة، تسعى لتقديم بدائل أو مقاومة للهيمنة الأمريكية هذا التنافس الجديد يشير إلى أن القوة العارية الأمريكية لم تعد مطلقة، بل تواجه تحديات مستمرة قد تعيد تشكيل موازين القوة في النظام الدولي، وتفرض على الولايات المتحدة البحث عن وسائل جديدة للحفاظ على نفوذها.
في ضوء ذلك يمكن استنتاج أن القوة العارية ليست أداة ظرفية بل منطق دائم في الاستراتيجية الأمريكية، وأن إدارة الأزمات الدولية أصبحت بديلًا عن النظام القائم على القواعد، بما يعكس تحوّل السياسة الدولية من إدارة استقرار إلى إدارة نفوذ وصراعات جزئية ومن هنا تنبثق الحاجة إلى إعادة تعريف مفاهيم الأمن والاستقرار العالمي، بما يتوافق مع الواقع الجديد الذي تفرضه القوة العارية، ويضمن قدرة المجتمع الدولي على مواجهة تداعيات الهيمنة والإكراه في المستقبل.
المصدر: المجلة السياسة الدولية
الكاتب : د. محمد إبراهيم حسن فرج
التاريخ : 19/1/2026
-------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: صحيفة أصوات
الكاتب : الأستاذ محمد عيدني
التاريخ : 1/9/2025
