في السنوات الأخيرة، شرعت البنوك المركزية العالمية في إعادة تشكيل محفظة احتياطياتها الأجنبية، وذلك في ظلّ تصاعد حدة عدم اليقين الجيوسياسي واتساع دائرة الضبابية الاقتصادية على المستوى العالمي. وقد شهدت حيازات هذه البنوك من الذهب نمواً ملحوظاً، ليتصدر بذلك المرتبة الثانية بين مكونات الاحتياطي الدولي، متجاوزاً بذلك الحصة التي يحتفظ بها اليورو، في مقابل تراجع مستمر للنسبة التي يمثلها الدولار الأمريكي. ويُعدّ هذا التحول السريع انعكاساً لوعي صانعي السياسات النقدية بالمخاطر المترتبة على الارتباط المفرط بالدولار، خاصة مع تزايد استخدامه كأداة للضغط السياسي والاقتصادي، إضافة إلى التراجعات المتلاحقة التي شهدتها قيمة العملة الأمريكية مؤخراً، وما صاحب ذلك من ارتفاع في وتيرة الضغوط التضخمية داخل الاقتصادات النامية.
اتجاهات عالمية:
تمكن الذهب من تجاوز اليورو ليصبح ثاني أكبر مكون في احتياطيات البنوك المركزية العالمية خلال عام 2024، مستحوذاً على حصة قدرها 20%من إجمالي الأصول بحوزة البنوك المركزية مقابل 16% لليورو، في حين واصلت حصة الدولار الأمريكي تراجعها لتصل نحو 46% من إجمالي الاحتياطيات. ويعكس هذا التحول تنامي الثقة في الذهب كأصل آمن وملاذ للتحوط ضد التقلبات السياسية والاقتصادية العالمية، مقابل تراجع جاذبية العملات التقليدية.
على خلفية ذلك، تنامت مشتريات البنوك المركزية من الذهب لتصل أكثر من ألف طن في الأعوام الثلاثة الماضية، واستهلكت بدورها نحو خمس الإنتاج العالمي من الذهب سنوياً. وشكل هذا المستوى من المشتريات ضعف المتوسط المسجل خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، الذي تراوح بين 400 إلى 500طن سنوياً.
منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية، قفزت مشتريات البنوك المركزية من الذهب إلى أن سجلت نحو 1086 طناً خلال عام 2024؛ أي بزيادة 3.34% على أساس سنوي. كما حققت مشتريات البنوك المركزية العالمية مستوى استثنائياً جديداً عندما بلغت نحو 10 أطنان من الذهب خلال يوليو 2025، ثم وصلت 15 طناً في أغسطس الماضي. ولوحظ نمو مشتريات البنوك المركزية في كل من أذربيجان وكازاخستان وتركيا والصين والتشيك من الذهب خلال هذه الفترة، وفقاً لمجلس الذهب العالمي.
وبالتركيز على خريطة احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية العالمية، يتضح أن الولايات المتحدة الأمريكية تتبوأ موقع الصدارة بفارق واضح عن بقية الدول؛ إذ بلغ حجم احتياطياتها الرسمية من الذهب نحو 8.133طناً حتى سبتمبر 2025، وهو أكبر مخزون رسمي للذهب عالمياً، بما يمثّل 77.9% من إجمالي احتياطياتها الرسمية، تليها كل من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا.
أما بالنسبة للقوى الاقتصادية الأخرى مثل الصين وروسيا، فقد شهدت حصة الذهب من احتياطاتهما الرسمية ارتفاعاً ملحوظاً عقب الحرب الأوكرانية؛ حيث ارتفعت من 3.1% إلى 6.8% لدى الصين، ومن 21.7%إلى 37.1% في روسيا؛ الأمر الذي يعكس توجهاً حاسماً لدى كل من بكين وموسكو نحو تنويع أصولهما بعيداً عن الدولار الأمريكي.
دوافع مختلفة:
أدركت الاقتصادات الناشئة والنامية بالسنوات الأخيرة، ولا سيما عقب الحرب الأوكرانية، الأهمية الملحة لإعادة صياغة نظام نقدي عالمي يتسم بالتنوع والتعددية، بعيداً عن هيمنة عملة واحدة. فاكتسب هذا الاتجاه زخماً دولياً فائقاً، واتجهت العديد من الدول لتنويع مكونات احتياطياتها من العملات الأجنبية، وخفض درجة انكشافها على الدولار الأمريكي، واعتبار ذلك خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز استقرار أسعار صرف عملاتها المحلية، وتقوية مرونتها في مواجهة الصدمات الخارجية.
وقد قادت الصين هذا التوجه على نحو بارز، مدفوعة بارتفاع حاجتها إلى الحد من الاعتماد المفرط على الدولار، خصوصاً في ظل تصاعد حدة التوترات السياسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، واستخدام واشنطن ما يُعرف بـ"تسليح الدولار"؛ الذي يعني توظيف مكانة الدولار المهيمنة على الاقتصاد العالمي وحركة التجارة والتسويات المالية الدولية كسلاح للضغط على خصومها عبر فرض عقوبات اقتصادية ومالية واسعة النطاق.
وتشير تحليلات للبنك المركزي الأوروبي إلى أنّ نصف أكبر الزيادات السنوية في احتياطيات الذهب الرسمية منذ عام 1999 تركزت في دول إمّا خاضعة لعقوبات دولية، أو تقع في مناطق ذات صلة سياسية وجغرافية بالصين وروسيا. ويعكس هذا الاتجاه إدراك تلك الدول لأهمية الذهب ليس فقط كملاذ آمن مالياً، بل أيضاً كوسيلة لتعزيز الاستقلالية والسيادة النقدية في مواجهة الضغوط الجيوسياسية.
كما أظهر استطلاع رأي، شمل 57 بنكاً مركزياً احتفظت بالذهب خلال عام 2024، أن الدوافع الرئيسة وراء هذا التوجه تمثلت في المخاوف من التعرض لعقوبات اقتصادية مستقبلية، إضافةً إلى التغيرات المرتقبة في هيكل النظام النقدي العالمي؛ وما يصاحبها من احتمالات تراجع هيمنة الدولار الأمريكي.
بالإضافة لما سبق، أسهمت السياسات التجارية والمالية الجديدة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليس في إرباك الاقتصاد العالمي فحسب، وإنما إضعاف قيمة الدولار- نسبياً- مقابل العملات الأخرى؛ الأمر الذي قلّل من جاذبية الدولار كملاذ آمن تاريخياً. وفي ضوء هذه التطورات غير المسبوقة، اتجهت العديد من الاقتصادات الناشئة إلى تبني سياسات أوسع لتنويع احتياطياتها النقدية، بما يشمل زيادة حيازتها من الذهب وعملات بديلة مثل اليوان الصيني واليورو.
في هذه الأثناء أيضاً، بدا اختيار الذهب كأصل احتياطي لدى البنوك المركزية بالدول النامية أمراً ملحاً؛ حيث تعرضت لموجات تضخمية مرتفعة وتهاوت قيمة عملاتها المحلية بوتيرة سريعة. لعل هذا ما جعل الذهب بشكل عام خياراً أكثر جاذبية للحفاظ على استقرار قيمة الاحتياطيات، وحماية الاقتصادات من مخاطر التضخم المفرط.
آفاق مستقبلية:
من المتوقع أن تواصل البنوك المركزية تعزيز مشترياتها من الذهب في الأمد القصير؛ إذ من المرجح أن يبقى مستوى طلبها على المعدن الأصفر عند حدود 1000 طن سنوياً أو أعلى، وسيدعم ذلك الجهود الدولية الرامية إلى الانفكاك التدريجي من الهيمنة الدولارية، ويعني ذلك أنها قد تشكّل خلال السنوات المقبلة محركاً إضافياً للطلب العالمي على الذهب.
وفي استطلاع أجراه مجلس الذهب العالمي خلال الفترة من 25فبراير إلى 20 مايو 2025، توقع نحو 95% من المشاركين ارتفاع حيازات البنوك المركزية العالمية من الذهب خلال الاثني عشر شهراً المقبلة؛ ما يمثل أعلى مستوى منذ بدء الاستطلاع السنوي في عام 2018. ورجّح غالبية المشاركين (73%) أن تشهد احتياطيات الدولار الأمريكي ضمن الاحتياطيات العالمية حالة من الاعتدال أو الانخفاض الملحوظ خلال السنوات الخمس المقبلة، لصالح زيادة أوزان عملات أخرى مثل اليورو واليوان الصيني.
وعلى الأرجح أن تغذي مشتريات البنوك المركزية دورة صعود أسعار الذهب حتى نهاية عام 2025، وفق توقعات بنك "غولدمان ساكس". وفي السياق ذاته، أشار "دويتشه بنك" إلى أن هناك جملة من العوامل التي من شأنها دعم الاتجاه التصاعدي في الطلب على الذهب وأسعار المعدن، يأتي في مقدمتها استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية، وتوجه البنوك المركزية الكبرى نحو خفض أسعار الفائدة، فضلاً عن تراجع قيمة الدولار الأمريكي.
استخلاصاً مما سبق، يتضح أن البنوك المركزية ستواصل أداء دور محوري في تحديد مسار السوق العالمية للذهب، سواء من حيث مستوى الطلب أم نطاق التسعير في غضون السنوات القليلة المقبلة. ولعل ذلك سيعزز - ضمن جملة من العوامل الأخرى- مكانة المعدن الأصفر كأداة استراتيجية للتحوط وإدارة المخاطر في مواجهة التحولات الاقتصادية العالمية.
المراجع:
(ب، ن)، 14.10.2025، لماذا تنامت مشتريات البنوك المركزية العالمية من الذهب؟،مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.
صندوق النقد العربي، 2024، التقرير الاقتصادي العربي الموحد، الفصل الثالث: تطورات الاحتياطيات الدولية.
