كيف تسهم الحروب في تغذية ظاهرة هجرة العقول من الإقليم؟
فرع بنغازي

يشهد الشرق الأوسط منذ عقود حالة من الاضطراب والصراعات المستمرة التي لا تكاد تنتهي. وقد أسهمت الحروب العسكرية والصراعات الداخلية المسلحة بشكل كبير في تغذية ظاهرة هجرة الكفاءات العالية المستوى، أو في أهم التخصّـصات الاستراتيجية، مثل الطب النووي والجراحات الدقيقة والعلاج بالإشعاع والهندسة الإلكترونية والميكرو إلكترونية والهندسة النووية وعلوم الليزر وتكنولوجيا الأنسجة والفيزياء النووية وعلوم الفضاء والميكرو بيولوجيا والهندسة الوراثية.

إن ظاهرة هجرة العقول من الشرق الأوسط ليست ظاهرة بسيطة أو أحادية البعد؛ بل هي نتيجة لتفاعل معقد بين عوامل متعددة، جميعها مرتبطة بشكل مباشر بالحروب والصراعات التي تعصف بالمنطقة. فمن تغيير أنماط الحياة وانعدام الأمن، إلى الاستهداف المباشر للعلماء والأكاديميين، إلى الاستهداف من قبل الأطراف المتحاربة، إلى تدهور البنية التحتية للبحث العلمي، إلى الانقطاع عن المراكز العلمية العالمية؛ تعمل كل هذه العوامل معاً لخلق بيئة طاردة للكفاءات والعقول.

أنماط مختلفة:

1- تغيير أنماط الحياة غير الآمنة بعد المواجهات العسكرية: حيث سلطت صحيفة "الشرق الأوسط" في عددها الصادر بتاريخ 17 ديسمبر 2025 الضوء على هجرة العقول الصهيونية في المجالات العلمية والتقنية منذ حرب غزة الخامسة التي دفعت تداعياتها، وخاصة مواجهة الكيان الصهيوني للقذائف الصاروخية والطائرات المسيرة القادمة من طهران وصنعاء؛ عدداً كبيراً من مواطنيها إلى الاختباء في الملاجئ؛ وهو ما عزز معضلة "الأمن" التي تفوق أية اعتبارات أخرى؛ إذ كشفت معطيات "دائرة الإحصاء المركزية الصهيونية " عن أن هجرة الأدمغة تتفاقم بشكل كبير منذ اندلاع الحرب على غزة، وبلغت حداً يُشكل تهديداً استراتيجياً للمؤسسات الأكاديمية، ولأول مرة في تاريخ الكيان تزيد نسبة المهاجرين من الأكاديميين على عدد القادمين إليها، وخاصة من منطقة تل الربيع ووسط فلسطين المحتلة.

ووفقاً لما ذكرته دائرة الإحصاء الصهيونية ، فإن 23% من المغادرين من خريجي الدكتوراه من معهد وايزمان للعلوم في رحوفوت، و18.2%من خريجي الدكتوراه من معهد الهندسة التطبيقية (التخنيون) في حيفا، و15% من خريجي الدكتوراه في مجال العلوم من جامعة تل أبيب، و10% من خريجي الدكتوراه من جامعة مستوطنة أريئيل، و7% من خريجي الدكتوراه من جامعة بار إيلان، وأضافت أن أعلى نسبة مهاجرين (25.4%) كانت من بين حملة شهادة الدكتوراه في الرياضيات، كما هاجر 21.7% من الذين يحملون شهادة الدكتوراه في علوم الحاسوب، و19.4%من المتخصصين في علم الوراثة، و17,3%من علم الأحياء الدقيقة، و17% من الفيزياء، و14%من الكيمياء، و14% من حملة شهادة الدكتوراه في هندسة الكهرباء والبيولوجيا. وقد انتقل العاملون في هذه التخصصات الدقيقة إلى العيش والعمل خارج الكيان ، دون تحديد دقيق لوجهتهم وتوقيت عودتهم.

2- الهروب من الاستدعاء للقتال: حيث تشكل النزاعات المسلحة والاضطرابات الاجتماعية وهشاشة الدولة الوطنية الدوافع الرئيسية لهجرة العقول من المنطقة العربية. وتجدر الإشارة إلى أن ثمة حالات بارزة لاستدعاء العناصر الشابة للقتال في ساحات المواجهة العسكرية مثل نظام الأسد في سوريا (سابقاً) ومليشيا الحوثي في اليمن؛ وهو ما يدفع البعض الآخر، وخاصة من أصحاب المهارات والشهادات النوعية والمعرفة القيمة لمغادرة البلاد، ولا سيما في ظل رؤيتهم للتعطل الحاد في الخدمات الأساسية وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الحيوية وانهيار خطط التنمية الوطنية؛ مما يجعل خيارهم هو البحث عن وجهة علمية جديدة وظروف حياتية أفضل.

3- الحد من التعرض للاستهداف من الأطراف المتحاربة: ولعل هذا الوضع ينطبق على استهداف علماء العراق بعد الاحتلال الأمريكي له، حيث تعرض عدد من العلماء والأطباء والمهندسين العراقيين للاغتيال وللاختطاف، وبعضهم على أساس الهوية؛ بسبب الانفلات الأمني والصراع الطائفي. ووفقاً لما ذكرته وزارة التعليم والبحث العلمي العراقية، شهدت الفترة (مارس 2003- إبريل 2006) اغتيال أساتذة في جامعات القادسية والجامعة التكنولوجية والتعليم التقنية وتكريت والبصرة والكوفة والموصل والأنبار والمستنصرية وبغداد وصلاح الدين وأربيل والنهرين وديالى والرافدين الأهلية. وقد دفعت هذه الأجواء عدداً من أصحاب الاختصاصات النادرة لمغادرة العراق حفاظاً على أرواحهم من عمليات القتال. وعلى الرغم من تراجع معدلات الاستهداف والإجرام المنظم في بلدات مختلفة داخل العراق، فيما بعد؛ فلا توجد إحصاءات تكشف عن عودة هؤلاء لوطنهم مرة أخرى.

4- تفادي التعقب للأفراد التابعين للنظم السابقة المتهاوية: ولعل ذلك مرتبط ليس بمغادرة كفاءات علمية أو أدبية بل هجرة "صناع السياسات" في الدولة القديمة؛ أي النخبة العاملة في أجهزة استخباراتية وهيئات عسكرية ومؤسسات أمنية داخل عدد من الدول العربية، التي تعرضت لحراك ثوري عنيف مثلما خبرته ليبيا وتونس واليمن وسوريا، ثم السودان في مرحلة لاحقة؛ مما دفعها للمغادرة إلى بعض دول الإقليم المستقرة، التي تحتاج لخبراتها وقدراتها على العمل في ملفات محورية تخص السياسة الخارجية والأمن من ناحية، وتوفر لها أجواء للعيش والاستقرار بعيداً عن حرائق الإقليم من ناحية أخرى.

5- تراجع نسبي في الإنفاق على ميزانيات البحث العلمي: وهو ما ينطبق على حال عدد من العلماء في الكيان الصهيوني، حيث يشير اتجاه في الكتابات إلى أن حكومة نتنياهو الحالية، منذ تشكيلها تهاجم الأكاديميات ومؤسسات الأبحاث، فضلاً عن تراجع ميزانيات التعليم العالي في إسرائيل، فمن جهة تقوم حكومة نتنياهو بتقليصها، وفي الوقت ذاته ترصد ميزانيات ضخمة لمصالح فئوية لأحزاب الائتلاف، ومن جهة أخرى يقوم صندوق الأبحاث الأوروبي، وهو الممول الرئيسي للأبحاث في الكيان الصهيوني، بتقليص دعمه بسبب الحرب ومقاطعة إسرائيل أكاديمياً.

كما صادقت الحكومة الصهيونية، في الأشهر الثلاثة الماضية على خفض40 مليون شيقل، من ميزانية التعليم العالي؛ لزيادة تمويل وزارة الأمن القومي، وخفضت الحكومة ميزانية التعليم العالي بنحو 150 مليون شيقل؛ لتمويل نفقات الدعاية لوزارة الخارجية. وفي الوقت التي تظهر عوامل الطرد السابقة؛ تبرز عوامل الجذب؛ حيث إن الجامعات في الخارج تعرض على الباحثين الصهاينة رواتبأفضل وميزانيات دعم أغنى للبحوث؛ ولذا فإنهم يفضلون الانتقال للعيش والعمل في الخارج. كما تشير بعض وسائل الإعلام الصهيونية إلى وجود هجرة كبيرة للأدمغة وخاصة العاملين في قطاع التكنولوجيا الفائقة والإنترنت؛ وهو ما يثير هواجس لكبار القيادات الأمنية الصهيونية بشأن مغريات العاملين في الأمن السيبراني، في وقت يتعرض فيه عدد كبير من المواقع الحكومية التابعة لإسرائيل إلى هجمات سيبرانية في الفترة الماضية.

ولم يقتصر تقليص الموازنات السنوية على الكيان الصهيونية ، بل امتد إلى الولايات المتحدة؛ وهو ما عكسه قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتقليص موازنات الجامعات الأمريكية بنسبة 15.3%، الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025؛ مما يمهد لموجة هجرة جماعية للعقول من الجامعات الأمريكية، وخاصة كبار المهندسين والأطباء وعلماء الفضاء والمناخ، والفيزياء الفلكية، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الرقمية، وعلوم الأرض والمحيطات، الذين يرغبون في المغادرة وفقاً لبعض استطلاعات الرأي، التي نشرتها مجلة "نايتشور" في عام 2025؛ وهو ما يأتي في اتجاه تقليص أو ترشيد النفقات الفدرالية وتجميد آلاف المنح البحثية أو إلغائها؛ الأمر الذي قد يهدد موقع البلاد في قلب خريطة الابتكار العلمي العالمي.

6- تجاوز شعور العزلة نتاج أجواء الحروب الأهلية، حيث عانت الكثير من دول الإقليم نزيفاً حاداً في كفاءاتها العلمية المتخصصة؛ إذ لاحت أمام أطباء ومهندسي وعلماء هذه الدول فرص لا ترفض للعمل بجامعات ومعاهد أوروبية وأمريكية.

ولم يكن الشعور بعزلة العلماء على المستوى المحلي؛ بل امتد إلى السياق الدولي، ولا سيما بعد الحرب الروسية الأوكرانية وفرض واشنطن وأوروبا عقوبات على موسكو؛ إذ وجد العلماء الروس العاملون في الدول الغربية أنفسهم غير مرغوب فيهم، ولم تكن الأوضاع في بلادهم مهيأة تماماً للعمل في هذا المجال؛ لذا فإن الصين سارعت لفتح أبوابها أمام العشرات منهم، خاصة في مجال الرقائق الإلكترونية وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ووفرت لهم ما يلزم لإتمام أبحاثهم للاستفادة من خبراتهم.

النزوح الصامت:

خلاصة القول، إن الموجة الحالية من الصراعات والحروب التي تشهدها دول الشرق الأوسط، يمكن اعتبارها المتغير المستقل، الذي يدفع قطاعات واسعة من أصحاب الكفاءات النادرة إلى الهجرة أو على الأقل المغادرة في اتجاه وجهات مختلفة؛ مما ينتج أزمة ديمغرافية صامتة في الإقليم؛ تمتد لتبرز في دول معروفة باستقدام النوابع في تخصصات دقيقة مثل الولايات المتحدة بعد صعود ترامب 2025، والكيان الصهيوني في ظل تداعيات حرب غزة الخامسة، وروسيا في أعقاب حرب أوكرانيا.



المراجع:

محمد عز العرب، 1.5.2026، كيف تسهم الحروب في تغذية ظاهرة هجرة العقول من الإقليم؟ ، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة. 

 

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، تقرير "التنمية البشرية العربية وهجرة الكفاءات في ظل النزاعات"، 2026.

المقالات الأخيرة