كيف سيكون مصير المفاوضات حول أوكرانيا
فرع بنغازي

تشير المعطيات السياسية والميدانية الراهنة إلى أن مسار المفاوضات حول أوكرانيا  في أعقاب الحراك الدبلوماسي خلال شهر ديسمبر 2025يدخل مرحلة إعادة تعريف شاملة، تقودها التحولات في موقف ادارة ترامب، مقابل عجز أوروبي بنيوي عن فرض مسار تفاوضي مستقل. يبدو أن المفاوضات لن تتجه نحو تسوية عادلة ومتوازنة، بل نحو ترتيبات مرحلية أو صفقة سياسية كبرى تفرض من الأعلى، وقد تتضمن تنازلات أوكرانية مباشرة أو غير معلنة. في هذا السياق، تواجه أوروبا خطر التهميش الاستراتيجي والوقوع بين ضغوط واشنطن البراغماتية ومطالب موسكو الأمنية، بما يحمل تداعيات عميقة على منظومة الأمن الأوروبي وعلى قواعد النظام الدولي القائم على القانون.

تدخل الحرب الروسية ـ الأوكرانية مرحلة مفصلية لم تعد فيها نتائج المعارك وحدها كافية لتحديد مآلات الصراع، بل أصبحت الحسابات السياسية للقوى الكبرى هي العامل الحاسم. ومع التحول في الأدارة الأميركية، تعود المفاوضات إلى الواجهة ليس بوصفها مسارًا لإنهاء الحرب، بل كأداة لإعادة توزيع النفوذ. يرى “ستيفن والت”، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، أن النزاعات الكبرى تنتهي عادة عندما تتقاطع مصالح القوى العظمى، لا عندما تنتصر الأطراف الأصغر، وهو توصيف ينطبق بشكل متزايد على الحالة الأوكرانية

واقع المفاوضات حول أوكرانيا: إدارة صراع لا تسوية

تشير تحليلات مراكز أبحاث مثل مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (CFR) ومعهد كارنيغي للسلام الدولي إلى أن ما يجري حاليًا هو إدارة مدروسة للصراع، تهدف إلى تحسين المواقع التفاوضية، لا إلى الوصول لتسوية شاملة.  ولا ترى روسيا حافزًا لتقديم تنازلات جوهرية، بينما تفتقر أوكرانيا لأوراق القوة الكافية لفرض شروطها. في هذا السياق، تتحول المفاوضات إلى أداة ضغط متبادلة، بانتظار اتضاح القرار الأميركي النهائي.

الموقف الأوروبي: قلق وتهميش بنيوي

يحذر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) في تقاريره الأخيرة من أن أوروبا تواجه أخطر اختبار أمني منذ نهاية الحرب الباردة. على الرغم من الكلفة الاقتصادية والعسكرية الباهظة التي تحملتها، لا تزال خارج غرفة القرار الحقيقية. ويشير الباحث غوستاف غريسل، الخبير في الشؤون العسكرية الأوروبية، إلى أن الاتحاد الأوروبي يدفع ثمن الحرب دون امتلاكه قدرة مستقلة على التأثير في مخرجاتها. هذا التهميش يعمق الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي بين دول شرق أوروبا التي ترى في أي تسوية تهديدًا وجوديًا، ودول غرب أوروبا التي تميل إلى مقاربة براغماتية تخفف من أعباء الحرب، حتى وإن جاءت على حساب أوكرانيا.

هل تملك أوروبا أوراق ضغط على ترامب؟

في السياق الحالي، تبدو قدرة أوروبا على ممارسة ضغط فعلي على إدارة ترامب محدودة، إن لم تكن ضعيفة بنيويًا. فالعلاقة بين الطرفين غير متكافئة، إذ تعتمد أوروبا أمنيًا على الولايات المتحدة أكثر مما تعتمد واشنطن على أوروبا، وهو ما يقلص هامش المناورة الأوروبية في مواجهة رئيس أميركي يتبنى مقاربة أحادية وبراغماتية صارمة. مع ذلك، تمتلك أوروبا بعض أدوات التأثير غير المباشر، وإن كانت محدودة. أبرز هذه الأدوات تتمثل في قدرتها على تحميل الولايات المتحدة كلفة استراتيجية طويلة الأمد في حال انسحابها من الملف الأوكراني، عبر التحذير من أن أي صفقة أميركية ـ روسية تتجاوز أوروبا ستقوض منظومة الردع الأطلسي، وتفتح الباب أمام فوضى أمنية في شرق أوروبا، قد تجبر واشنطن لاحقًا على العودة بتكلفة أعلى. هذا الخطاب يجد صدى جزئيًا داخل مؤسسات الأمن القومي الأميركية، لكنه أقل تأثيرًا على رئيس مثل ترامب

كما تراهن بعض العواصم الأوروبية على ورقة الشراكة الاقتصادية والتجارية مع الولايات المتحدة، وعلى دور أوروبا في ملفات دولية أخرى، مثل احتواء الصين، وأمن الطاقة، والشرق الأوسط. غير أن هذه الأوراق تبقى ضعيفة التأثير في مواجهة إدارة ترى أن أوروبا مستفيدة أكثر مما هي شريك متكافئ. يمكن القول إن أوروبا لا تضغط على ترامب بقدر ما تحاول التكيّف مع قراراته، والحد من آثارها السلبية، في انتظار لحظة سياسية تسمح بإعادة التوازن في العلاقة عبر تعزيز الاستقلالية الدفاعية الأوروبية.

ترامب والمفاوضات: منطق الصفقة وسقف الزمن

تنطلق مقاربة ترامب من رؤية تجارية ـ سياسية للصراعات الدولية، حيث تقاس النتائج بالكلفة والعائد. يشير جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، إلى أن ترامب يفضّل الصفقات السريعة على الالتزامات طويلة الأمد، وهو ما يفسر ميله إلى فرض سقف زمني غير معلن لأي مسار تفاوضي. تقدر مراكز أبحاث مثل RAND Corporation أن ترامب قد يمنح المفاوضات ما بين ستة أشهر إلى عام واحد، قبل إعادة تقييم جدوى الاستمرار في دعم أوكرانيا، مع احتمال تحميل أوروبا مسؤولية سد أي فراغ ناتج عن تراجع الدور الأميركي

روسيا: تثبيت المكاسب وانتظار لحظة الحسم السياسي

وفق تقديرات معهد الدراسات الأمنية الروسي ـ الأوروبي التابع لمؤسسة DGAP الألمانية، ترى موسكو أن الزمن يعمل لصالحها. فهي تراهن على إنهاك أوكرانيا، وتفكك الإجماع الغربي، وعودة البراغماتية الأميركية. ويشير الباحث ألكسندر غابويف من مركز كارنيغي إلى أن الكرملين يعتبر ترامب فرصة لإعادة صياغة التفاهمات الأمنية الكبرى بعيدًا عن أوروبا.

خطة زيلنسكي: رفع الكلفة قبل التسوية

في ظل هذا السياق، يحاول زيلنسكي تحسين موقعه التفاوضي عبر تصعيد مدروس يستهدف العمق الروسي. يرى مايكل كوفمان، الخبير العسكري في مؤسسة CNA، أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى كسر الجمود وفرض معادلة ردع جديدة، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر تصعيد غير محسوب قد يقوض الدعم الغربي. يعكس تصريح دونالد ترامب ليلة رأس السنة ديسمبر 2025، حين قال إن «زيلنسكي لا يملك ما يمكن الرد عليه»، تحولًا نوعيًا في مقاربته للقيادة الأوكرانية، ويندرج ضمن استراتيجية ضغط سياسي مقصودة تهدف إلى نزع الشرعية التفاوضية عن كييف، ودفعها للقبول بشروط تسوية تُصاغ خارج إرادتها. هذا التصريح لا يمكن فصله عن فلسفة ترامب التفاوضية القائمة على إضعاف الطرف الأضعف قبل الدخول في أي صفقة، ورفع سقف التوقعات لدى الطرف الأقوى، أي روسيا

تشير تقديرات مراكز أبحاث أميركية، من بينها معهد بروكينغز، إلى أن ترامب سيتعامل مع خطة زيلنسكي ببراغماتية صارمة تميل إلى التقليل من قيمتها السياسية والعسكرية. فبدل النظر إلى التحركات الأوكرانية كأداة ضغط على موسكو، يبدو أن ترامب بات يعتبرها عامل إرباك لمسار الصفقة التي يسعى إليها، وهو ما يفسر لجوءه إلى خطاب علني يقلل من أوراق كييف التفاوضية.

النتائج

ـ ليس من المستبعد، إمكانية عقد تفاهمات أميركية ـ روسية تتجاوز الملف الأوكراني. وفي حال تحقق هذا السيناريو، ستجد أوروبا نفسها أمام واقع أمني جديد، يتطلب تسريع بناء قدراتها الدفاعية المستقلة، وهو ما يمكن وصفه يصفه بأنه “ضرورة وجودية لا خيارًا سياسيًا.”

ـ إن رد ترامب على خطة زيلنسكي لا يبدو تكتيكيًا أو ظرفيًا، بل يعكس توجهاً استراتيجياً أوسع لإعادة تعريف الحرب الأوكرانية بوصفها عبئًا يجب التخلص منه عبر صفقة سريعة، حتى وإن جاء ذلك على حساب المصالح الأوكرانية، وبتداعيات مباشرة على الأمن الأوروبي.

ـ بات متوقعاً أن يستخدم ترامب ورقة الدعم العسكري والمالي ليس فقط كوسيلة ضغط غير مباشرة، بل كأداة تفاوض علنية لإجبار القيادة الأوكرانية على الانخراط في مسار تفاوضي سريع وبشروط أكثر مرونة. ويحذر توماس غراهام، المستشار السابق في البيت الأبيض، من أن أوكرانيا قد تجد نفسها أمام معادلة قاسية: إما الاستمرار في القتال مع تراجع الدعم الأميركي، أو القبول بتسوية مفروضة تُقدَّم باعتبارها الواقعية السياسية الوحيدة المتاحة في ظل التحولات الجيوسياسية الحالية.

ـ تفتقر أوروبا إلى أوراق ضغط تقليدية يمكن أن تغيّر حسابات ترامب، مثل النفوذ العسكري المستقل أو القدرة على فرض كلفة اقتصادية مباشرة على الولايات المتحدة. كما أن الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، بين دول شرق ترى في روسيا تهديدًا وجوديًا ودول غرب تميل إلى تسوية سياسية، تُضعف إمكانية بلورة موقف أوروبي موحد يمكن استخدامه كورقة ضغط سياسية في واشنطن.

ـ تتراوح التقديرات بين تسوية سريعة بضغط أميركي تهدف إلى فرض حل سياسي جزئي يُكرس وقائع ميدانية قائمة، ومسار تفاوضي طويل يستنزف الأطراف كافة في ظل غياب توافق على تسوية نهائية، وصولًا إلى صفقة كبرى تعيد رسم توازنات الأمن الأوروبي.

وفي هذا السياق، ترفض روسيا بشكل واضح سيناريو تجميد الصراع، انطلاقًا من قناعتها بأن أي وقف مؤقت لإطلاق النار يمنح أوكرانيا والغرب فرصة لإعادة التموضع، وهو ما يدفع موسكو للمطالبة بحل جذري يضمن تحقيق أهدافها الاستراتيجية. وتشير أغلب التقديرات إلى أن، رغم مخاطره العالية، بات مطروحًا بجدية في دوائر صنع القرار، خاصة في ظل التحولات في الموقف الأميركي وتراجع القدرة الأوروبية على فرض بدائل مستقلة.

ـ أن ترامب لا يتعامل مع أوروبا كفاعل استراتيجي مستقل، بل كامتداد لمنظومة تحالف يجب إعادة هيكلتها وتحميلها أعباء أكبر. وبالتالي، فإن أي ضغط أوروبي فعّال يتطلب أولًا توافقًا داخليًا أوروبيًا، وقدرة عسكرية ذاتية، وهو ما لا يتوافر في المدى المنظور

ـ يمكن القول أن مستقبل أوكرانيا لن يُحسم فقط على جبهات القتال، بل على طاولات التفاوض بين القوى الكبرى. وبينما تسعى روسيا لتكريس مكاسبها، وتحاول أوروبا تجنب الأسوأ، يبقى العامل الأميركي هو المحدد الأبرز لمسار المفاوضات. إن أخطر ما في المرحلة المقبلة هو ترسيخ منطق الصفقات على حساب القانون الدولي، بما يهدد الأمن الأوروبي ويقوض أسس النظام الدولي القائم.



المراجع:

(ب، ن )، 3.1.2026،  أمن دولي ـ كيف سيكون مصير المفاوضات حول أوكرانيا؟ قراءة استشرافية، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات.

 

معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، تقرير "الاتجاهات العالمية في الصراعات والدبلوماسية"، يناير 2026.

 
المقالات الأخيرة