طفرة الصين العسكرية
فرع القاهرة

بعدما كانت من أكبر مستوردي الأسلحة في العالم، باتت الصين تحتل الآنالمركز الرابع في قائمة أكثر الدول تصديراً للسلاح عالمياً بفضل الطفرة التيشهدها قطاع التصنيع العسكري في الدولة الآسيوية الأبرز ورصدت تقاريرغربية عدة ملامح لهذا التقدم الصيني في صناعة الأسلحة إلى الحد الذيقالت فيه صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إن بكين لم تعد تكتفيبإنتاج أسلحتها الخاصة، بل تبيع المزيد منها في الخارج وفي بعضالتقنيات العسكرية، باتت الصين تضاهي كبرى شركات إنتاج الأسلحةالعالمية، بل وتتفوق عليها.

وتُعدّ القدرة على إنتاج أسلحة متطورة عنصراً أساسياً في رؤية الزعيمالصيني شي جين بينغ لجعل بلاده أقل اعتماداً على العالم الخارجي فيكل شيء، بدءاً من الغذاء والطاقة وصولاً إلى أشباه الموصلاتوقد أكد شيأن تحقيق الاكتفاء الذاتي للصين أمر ضروري لمنع الدول الغربية من إحكامقبضتها الاستراتيجية عليها ولكن كيف تمكنت الصين من تحويل وجهتها منبلد مستورد للأسلحة العسكرية إلى بلد مصدر ومنتج على الصعيدالعسكري تبرز العديد من العوامل والأسباب التي ساهمت في نجاح الصينفي تحقيق طفرة كبيرة في مجال الصناعات العسكرية وفي مقدمتهادعمالتصنيع المحلي  وسد الثغرات التكنولوجية والاكتفاء الذاتي العسكريوإعادة هيكلة الصناعات الدفاعية وتطوير بناء السفن الحربية وإنتاج رقائقأشباه الموصلات المتطورة.

دعم التصنيع المحلي في الصين

في عام 2016، أطلقت بكين تكتلاً جديداً لصناعة الطيران والفضاء حملاسم شركة محركات الطائرات الصينيةوكان أمامها مهمة صعبةتطويرمحركات طائرات متطورة، وهي تقنية لطالما كافحت الصين لإتقانها.

وبعد أقل من عقد من الزمان، أدخلت الصين المحركات المصنعة محلياً علىأحدث مقاتلاتها الشبحيوشكّل هذا التقدم علامة فارقة في مسعى الصينلبناء صناعة أسلحة تليق بقوة عالمية صاعدةولسنوات، أعاق صعود الصينحقيقة مقلقةأنها لم تكن قادرة على تصنيع جميع أسلحتها بنفسها وقبلعقدين من الزمن، استوردت الصين أسلحة أكثر من أي دولة أخرى، وفقاًلمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري).

واعتادت الصين الاعتماد على دول مثل روسيا وفرنسا في الحصول علىالطائرات الحربية ومحركات الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي، بل وأبرمتصفقات لشراء معدات عسكرية الولايات المتحدة في ثمانينيات القرنالماضي، بما في ذلك أنظمة الرادار وتكنولوجيا المدفعية.

لكن حصة الصين من واردات الأسلحة العالمية انخفضت بشكل ملحوظ،وخرجت القوة الآسيوية من قائمة أكبر عشرة مشترين للأسلحة في العالمخلال السنوات الأخيرة، وفقاً لبيانات معهد سيبريويقول المحللون إنالصين باتت قادرة الآن على إنتاج معظم التقنيات العسكرية التي تحتاجها،حتى وإن استمرت في استخدام بعض المعدات الأجنبية لأسباب تتعلقبالتكلفة أو الجودة.

وقال مسؤولون ومحللون غربيون إن الصين سدّت أيضاً بعض الثغراتالتكنولوجية عبر التجسس والهندسة العكسية غير القانونية للمعداتالمستوردةوكشف مسؤولون أمريكيون عما وصفوه بهجمات إلكترونية صينيةتهدف إلى سرقة أسرار أمريكية في مجالات الطيران والفضاء، والبحرية،وغيرها من التقنيات.

وقال سيمون ويزمان، وهو باحث كبير في برنامج نقل الأسلحة التابع لمعهدسيبري، لصحيفة وول ستريت جورنال: "استخدمت الصين كل حيلة ممكنة". وتتفوق الصواريخ الصينية فرط الصوتية، التي تبلغ سرعتها خمسة أضعافسرعة الصوت على الأقل وتستطيع اختراق معظم الدفاعات الجوية، علىالقدرات الغربية.

وأكدت وزارة الدفاع الصينية لصحيفة وول ستريت جورنال أن "الصينلطالما التزمت بمبادئ الاستقلال والاكتفاء الذاتي والابتكار المحلي في تطويرالمعدات العسكرية، معتمدةً على قدراتها الذاتية في البحث والتطويروالإنتاج".

الاكتفاء الذاتي العسكري

سعى الحزب الشيوعي الصيني إلى الاكتفاء الذاتي العسكري منذ توليهالسلطة في عام 1949. وعلى الرغم من أنه طور قدراته النووية والصاروخيةالباليستية الخاصة به في عهد ماو تسي تونغ، إلا أنه ظل متخلفاً فيالتقنيات العسكرية الحديثة الأخرى.

وأدى الحظر الغربي على مبيعات الأسلحة إلى الصين بعد القمع الدمويلاحتجاجات ميدان تيانانمين في عام 1989 إلى تعقيد المهمة بالنسبة لبكينوكثف القادة الصينيون اللاحقون الإنفاق لشراء التكنولوجيا الأجنبية ودعمتطوير الأسلحة المحلية.

وفي تسعينيات القرن الماضي، اشترت الصين مقاتلات سوخوي-27 الروسيةوأعادت هندستها لإنتاج نسختها الخاصةطائرات J-11وفي وقت لاحق،اتهمت شركة روستيك، وهي تكتل دفاعي روسي مملوك للدولة، الصين بنسخالمعدات العسكرية الروسية بشكل غير قانوني، بما في ذلك طائرات سوخوي.

وفي عام 2016، أقر مسؤول تنفيذي صيني في مجال الطيران بالذنب فيالولايات المتحدة بتهمة التآمر لاختراق وسرقة البيانات شركات الدفاعالأمريكية، بما في ذلك معلومات عن طائرة النقل C-17 بالإضافة إلىالمقاتلات الشبحية F-22 وF-35.

كما أعادت بكين تنظيم صناعتها الدفاعية، التي كانت تهيمن عليها شركاتعملاقة تابعة للدولة عانت من عدم الكفاءة والفساد في الوقت الذي قاومت فيهجهود الحكومة لتعزيز التعاون مع الشركاء المدنيين وتأسست شركة "إيروإنجن"، المعروفة أيضاً باسم "إيه إي سي سي"، والتي فرضت عليهاالولايات المتحدة عقوبات في عامي 2020 و2021، من خلال تجميع نخبة منالعلماء والموارد من عشرات شركات الطيران والفضاء ومعاهد البحوث وضخت بكين مليارات الدولارات في هذا التكتل الجديد لمنافسة شركاتعملاقة مثل "جنرال إلكتريكو"برات آند ويتني". كما قامت بكين بدمجشركتين مملوكتين للدولة لتأسيس أكبر شركة لبناء السفن في العالموساعدت هذه التحركات الصين على تسريع تطويرها لحاملات الطائراتوالغواصات والطائرات الحربية محلية الصنع، مثل مقاتلة بكين الشبحيةالثانية، J-35، والتي كان ظهورها العلني الأول في عام 2024 يعني أنالصين انضمت إلى الولايات المتحدة كدولتين وحيدتين تشغلان أكثر من طرازواحد من المقاتلات الشبحية.

وكان تحسين جودة محركات الطائرات النفاثة أحد أكبر التحدياتوصرّحطيار اختبار عسكري صيني بارز لصحيفة صينية عام 2016 بأن المحركاتالمصنعة محلياً تعاني من ضعف قوة الدفع، وارتفاع معدلات استهلاكالوقود، وانخفاض الموثوقية.

وعززت شركة "إيه إي سي سيالتعاون البحثي مع الجامعات الصينية،وأعلنت أنها استعانت بتقنيات جديدة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي،لتسريع تصميم المحركات واختبارهاوأظهرت وسائل الإعلام الرسميةمهندسي "إيه إي سي سيكشخصيات ملهمة تُساعد الصين على كسراحتكار التكنولوجيا الغربية.

وبدأت الجهود تؤتي ثمارهافقد تم تزويد النسخ الأحدث من الطائراتالمقاتلة الصينية المصممة أصلاً بمحركات روسية، بما في ذلك ما يسمىبمقاتلات "الجيل الرابعمثل J-10 وJ-11، بمحركات طورتها وأنتجتهاكيانات صينية تم ضمها إلى شركة "إيه إي سي سي".

صناعة السفن الحربية  ورقائق الموصلات المتطورة

كما نجحت الصين في توطين قدرات عسكرية أخرى، بما في ذلك تفوقهاعلى الولايات المتحدة في قدرتها على بناء السفن الحربية بسرعة وبتكلفةمنخفضة.

ففي الفترة من 2015 إلى 2024، أطلقت البحرية الصينية 152 سفينة،بينما أطلقت الولايات المتحدة 70 سفينة، وفقاً لتقديرات المحلل الدفاعيالمستقل توم شوغارت.

ويُعد الأسطول الصيني الآن الأكبر في العالم من حيث عدد السفن، علىالرغم من أن البحرية الأمريكية تقول إن سفنها لا تزال أفضل.

وحاملة الطائرات الثالثة والأحدث لبكين، فوجيان، هي الأولى التي تمتصميمها وبناؤها بالكامل في الصين، وتتميز بمنجنيقات كهرومغناطيسيةلإطلاق الطائرات.

ودخلت حاملة الطائرات الصينية الخدمة في نوفمبر/تشرين الثاني، وهيتمثل نقلة نوعية مقارنةً بحاملتي الطائرات الصينيتين السابقتين، اللتينتفتقران إلى منصات إطلاق الطائرات القياسية الموجودة في حاملاتالطائرات الأمريكية.

وجُدِّدت حاملة الطائرات الصينية الأولى من هيكل سوفيتي الصنع تم شراؤهمن أوكرانيا عام 1998، بينما استند تصميم حاملة الطائرات الثانية بشكلكبير على تصميم الأوليأتي ذلك بينما كشفت وكالة رويترز أيضاً قبل عدةأيام تفاصيل عما أسمته "مشروع مانهاتنالصيني الذي تمكن من خلالهعلماء صينيون ببناء ما حاولت واشنطن منعه لسنواتنموذج أولي لآلة قادرةعلى إنتاج رقائق أشباه الموصلات المتطورة التي تشغل الذكاء الاصطناعيوالهواتف الذكية والأسلحة التي تعتبر أساسية للهيمنة العسكرية الغربية.

ووفقاً لرويترز، اكتمل بناء النموذج الأولي في أوائل عام 2025، وهو يخضعحالياً للاختبار، ويشغل مساحة تقارب مساحة أرضية مصنع كاملوقامببنائه فريق من المهندسين السابقين في شركة أشباه الموصلات الهولنديةالعملاقة ASML (ASML.AS)وبحسب شخصين مطلعين على المشروع،قام شخصان بهندسة عكسية لأجهزة الطباعة الحجرية بالأشعة فوقالبنفسجية المتطرفة التابعة للشركة.

 

النجاح الصيني في باكستان

ورغم صعوبة تحديد المحللين الغربيين مدى تطور بعض الأسلحة الصينيةمحلية الصنع بشكل قاطع، إلا أن بعض المؤشرات ظهرت خلال المناوشاتالتي جرت بين باكستان والهند في مايو/أيار الماضي، عندما أسقطتمقاتلات J-10 الباكستانية صينية الصنع، بحسب التقارير، عدداً منالطائرات الحربية الهندية، من بينها طائرة رافال فرنسية الصنع على الأقل،باستخدام صواريخ موجهة بالرادار صينيةوكان هذا أول انتصار جويمعروف تحققه طائرة صينية الصنع ضد مقاتلة غربيةوبعد أيام، بثت قناةالتلفزيون المركزية الصينية الحكومية فيلماً وثائقياً من جزأين بعنوان"أسطورة الطائرة J-10″، والذي استعرض تطور الطائرة المقاتلة منذثمانينيات القرن الماضي، واصفة إياه بأنه دليل على أن "نظام البحثوالتطوير المحلي الصيني للطائرات العسكرية قد نضج".

وبينما لا تزال الظروف الدقيقة لإسقاط الطائرة غامضة، قال بريندانمولفاني، مدير معهد دراسات الفضاء الجوي الصيني، وهو مركز أبحاثتابع لوزارة القوات الجوية الأمريكية: "إنها تثبت ما يقوله الصينيون والجميع هذه أشياء ذات قدرات عالية ولا ينبغي الاستهانة بها".

 

المصدرعربي بوست

الكاتب : طارق فرحات

التاريخ : 26/12/2025

------------------------------------------------------------------------------------------

المصدرالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

الكاتب : درغدة البهي

التاريخ : 15/6/2025

المقالات الأخيرة