دول حوض النيل ومعضلة الاستقرار والصراعات
فرع القاهرة

يحمل عام 2026 العديد من التساؤلات حول مسار التفاعلات بين دول حوضالنيل على المستوى الجماعي أو المستوى الثنائي، وهي تساؤلات تُثار معبداية كل عام، كمحاولة لاستشراف المسارات خلال الفترة القادمة، وتدورحول حدود تغير المعادلات القائمة وطبيعة التحولات الكبرى، لا سيما وأنناأمام العديد من القضايا والإشكاليات القديمة والممتدة، فضلًا عما فرضتهالتحولات الجيوستراتيجية بجوانبها السياسية والاقتصادية والعسكرية منتعقيدات وتشابكات وزيادة الفاعلين والمنافسينفهناك العديد من المحدداتالتي عمّقت الصراعات والنزاعات وزادت من الحساسيات، وحدّت من توافرالثقة القادرة على بناء مرتكزات جديدة باتجاه التسكين أو التهدئة بالقدرالذي يساهم في زيادة عدالة التعاون والحد من وتيرة الصراعاتوانعكاساتها على معادلة الاستقرار.

بمعنى أدق، إن عام 2026 سوف يترك بصمة أكثر تأثيرًا على معادلة"الأمن، السلام، التنميةلتحقيق الثلاثية بما يحد من فاعلية الأُطرالجماعية، أو تبني مستويات أعلى من التعاون والتنسيق للحد من التوتراتوالصراعات التي تلقى بظلال كثيفة على إمكانية إيجاد آلية جماعية لتفعيلالرؤى الإقليمية بعيدًا عن التنافس والتناقض في المصالح سواء بين غالبيةدول الحوض وبعضها البعض، أو بين تأثيرات القوى الإقليمية والدوليةودورها في زيادة حدة التنافس والصراع سواء من أجل الموارد الطبيعيةوالنادرة، أو لزيادة مكانتها الدولية، أو تعزيز الاستفادة من التحولاتالجيوستراتيجية التي تشهدها منطقة حوض النيل وتقاطعاتها في البحرالأحمر والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل والصحراء.

 

 

الأنماط الصراعية والمرتكزات الحاكمة لها

مفهوم القوة المُعزِّزة للسلام الذي تتبناه العديد من الدول كسمة للمرحلةالراهنة ولحسم الصراعات أو الخلافات أخّل بمعادلات التعاون والعدالةالدولية، وبالتالي تغير مفهوم الأمن عالميًا وليس إقليميًا فقط، ومن ثم أصبحمنطق الأمن الجماعي قاصرًا عن تحقيق الاستقرار لارتباطه بالتحولاتالجيوسياسية والجيواقتصادية، وهو ما يطرح بدوره جملة من المرتكزاتالمحددة لرسم خريطة الصراعات ومحدودية آفاق التسويات، وهي:

-فلسفة النظام الجديد الذي يتشكلوالذي يستند إلى مرحلة ما بعد العولمةعبر خلخلة سيادة الدول وتفكيك المجتمعات، تسعى الآن للسيطرة علىالإنسان (من خلال تماهى الآلة مع الإنسان، واستنادها إلى الثورةالتكنولوجية، وما تتطلبه من سيطرة على الموارد النادرة ولو بالقوة لامتلاكروافد التقدم، وهي فلسفة جديدة تختلف عن النظام الدولي الذي عرف بعدالحرب العالمية الثانية، والذي استند إلى مفهوم الأمن الجماعي والقانونالدولي ومؤسسات العدالة الدولية (رغم المعايير المزدوجة التي استندت إليها.

-هندسة التفكيك والصراع.. حروب النفوذ والوكالةتشير خريطة الصراعاتواتجاهاتها إلى تشابك حجم التأثير والتأثر بين منطقة القرن الأفريقيوالبحر الأحمر ومنطقة الساحل والصحراء على سبيل المثال، فهي تعكسترابطًا استراتيجيًا وأمنيًا، وخاصة مع ارتفاع مؤشرات الصراع وعدمالاستقرار الداخلي في العديد من دول تلك المنطقة بالقدر الذي زاد منالحواضن المحفزة للصراع، على نحو يتجاوز القدرة على تفعيل المقارباتالأمنية التقليدية، وهو ما يتجلى بوضوح في دور قوات الدعم السريع فيالحرب السودانية من ناحية، والسلوك الإثيوبي في منطقة القرن الأفريقيوحوض النيل من ناحية أخرى، والتطورات التي شهدتها محاولات الانفصالفي دارفور وأرض الصومال وجنوب اليمن، والتنافس على الموانئ ومنافذالبحر الاحمر.

 -تأثيرات مباشرة للمتغيرات الدوليةفرضت المتغيرات الدولية نفسها علىسياقات الدبلوماسية الجماعية وجهودها في تقليل حدة الاضطرابات علىمستوى العالم وخاصة في المنطقة العربية ودول الجوار، الأمر الذي أظهرمحدودية الحلول السياسية والتفاوضية لصالح القوة والصفقات وتوسيعالنفوذ وهو ما يعكس طبيعة الصراع والتنافس على قمة النظام وبنيتهالجديدة.

-مخاطر تجاوز السياقات القائمةالتعامل مع جملة التحولاتالجيوستراتيجية الراهنة في منطقة حوض النيل، كونها مجرد مجموعة أزماتأو مخاطر ممتدة تهز أركان الدول وتفككها، يعنى تجاوز العديد منالسياقات، لحالة اللايقين الحالية التي يمر بها النظام الدولي وتداعياتهاالكبرى على النظم الإقليمية، وما تفرضه من تحركات وتفاعلات تعكساتجاهًا نحو تغيير المعادلات القائمة، وما يستتبعها من طموحات ومصالحمتغيرة لتوظيف المستجدات الجيو-اقتصادية لتغيير موازين القوى علىمستوى حوض النيل.

غلبة مؤشرات الصراع

للتعاون والصراع العديد من المؤشرات والمظاهر بين الفاعلين على الساحةالدولية، حيث يعتبر أدناها تبادل الإدانات والتصريحات ومنتهاها الحربالشاملة بين طرفينفي المقابل تستند أنماط ومستويات التعاون من التنسيقوتبادل الآراء إلى مستوى التحالفوتعكس هذه المقاييس مساراتالتفاعلات، من خلال رصد الأحداث وتحركات الأطرافوهنا يمكن الإشارةإلى غلبة الانماط الصراعية وعدم الاستقرار في منطقة حوض النيل ومنطقةالقرن الأفريقي والبحر الأحمر وتأثيراتها المتبادلة، بغية التوصل إلى رؤيةاستشرافية حول مستقبل العلاقات في تلك المنطقة في 2026.

والحقيقة أن طبيعة الصراعات وتشابكاتها لا تعطي فرصة لأطراف التسويةأو الحلول الدبلوماسية، فبنظرة على خريطة الصراعات، نجد أن الطموحالإثيوبي في إيجاد منفذ على البحر الأحمر لا ينعكس فقط على إريترياولكنه امتد إلى الصومال وتحديدًا أرض الصومال، وارتباط الأخير بمحاولاتاسرائيل لتفعيل هندسة التفكيك وتعزيز النهج الانفصالي والاعتراف بها،وتأثير ما يشهده اليمن الجنوبي وحرب السودان من تشابكات إقليمية تلقيبظلالها على البحر الأحمر والأمن البحري والتنافس على الموارد النادرة،وإذا ما أضفنا النزاعات الحدودية نجد الخلافات ما بينكينيا والصومال،وإثيوبيا والسودان، وإريتريا وجيبوتي، والصومال وإثيوبيا، وإثيوبياوإريتريا، والسودان وجنوب السودانويزيد من هذه التوترات ضعف البنيةالمجتمعية وما تفرضه محدودية تأثير سياسات الاندماج الوطني من توتراتعرقية وصراعات إثنية، وتدخل أطراف خارجية لزعزعة الاستقرار.

تشكل خريطة الصراعات السابقة العديد من التوترات الكامنة في منطقةحوض النيل والقرن الأفريقي، وهنا يمكن التأكيد على عاملين أساسيين،أولهمايتعلق بعوامل تراجع وصعود حدّتها نتيجة نجاح جهود التهدئة أولتغيير في التوازنات أو الحسابات، وثانيهاعدم الرهان أو ترجيح الخيارالسياسي للتوصل لتسوية سياسية وقانونية، حيث يظل الرهان على الخيارالعسكري هو الأكثر رجاحة لدى الأطراف، فعلى سبيل المثال:  نجد أن اتفاقالسلام الذي وقع بين الكونغو وقوات M23 في واشنطن في 4 ديسمبر2025، لم يصمد، ففي 8 ديسمبر 2025، اتهم رئيس الكونغو رواندا بعدمالالتزام بالاتفاق، كما وجهت الحكومة الرواندية في 10 ديسمبر 2025،اتهامات للكونغو وبوروندي بارتكاب انتهاكات متعمدة لاتفاقية السلام، وهوما دفع قوات M23 في المقابل إلى التقدم نحو بلدة أوفيرا الاستراتيجيةحسب السردية التي تروج لها.

والحقيقة أن أزمة الكونغو تعد من الصراعات التاريخية الممتدة ذات التأثيرالمباشر على عدد من دول حوض النيل بسبب البُعد الإثني والتنافس علىالموارد، وتحديدًا مع بوروندي ورواندا وكينيا، وهو ما يمتد للصراع بين حكومةإثيوبيا وجبهة تحرير تيغراي، وامتداده إلى إريتريافي المقابل وقّعت حكومةولاية أمهرة الوطنية الإقليمية ومنظمة أمهرة فانو الشعبية اتفاقية سلام دائمةفي 4 ديسمبر 2025، في خطوة وصفها المراقبون بأنها تحول مهم نحوالاستقرار في الإقليموكانت منظمة فانو قد رفضت بعد انتهاء حربالتيغراي أن تنضم بجانب قوات أخرى غير نظامية تحت قيادة مركزية.

ويتضح مما سبق أن أغلب تلك الأزمات لا تعكس تحولاً في أنماط الصراع،بل تعكس ديمومة تلك الصراعات وتقاطعات المصالح التي تؤدي لتأجيجهامن وقتٍ لآخروتتراوح مظاهر الصراع من تبادل التصريحات والاتهامات،مرورًا بالوقوف وراء أطراف داخل دول أخرى لإحداث قلاقل ودعم جماعاتإرهابية، وصولًا إلى مناوشات عسكرية وحروب مفتوحةوالملاحظ أن التغيرالذي يمكن رصده بوضوح وبشكل متنامٍ خلال الأعوام القليلة الماضية هوتزايد أدوات التدخل من قبل العديد من القوى الإقليمية والدولية، الأمر الذييزيد من صعوبة جهود الوساطة أو التسوية.

مؤشرات التعاون البينية

التعاون الثنائي هو النمط الغالب وليس الجماعيمع وجود استثناءاتمحدودة ترتبط بتوافقات حول بعض الملفات، مثلإنشاء آلية للتعاون الثلاثيبين مصر وإريتريا والصومال بشأن الأوضاع في السودان والبحر الأحمر،ومحاولات تطوير العملية التشاورية في مبادرة حوض النيل "NBIلاستعادة التوافق والحوار بين دول حوض النيل، واجتماعات التعاونوالتنسيق للمجلس الوزاري لمبادرة حوض النيل وآخرها الاجتماع الثالثوالثلاثين الذي عقد في بوروندي بتاريخ 6 ديسمبر 2025. في حين ما يزالالتعاون المائي الجماعي متعثرًا، وهو ما انعكس في تبنى العديد من الدوللمشروعات أحادية، مثلمشروع كينيا لبناء محطة كهرومائية بقدرة 700 ميجاواط على سد "هاي غراند فولزفي نهر تانا. 

في المقابل، شهدت أطر التعاون مساعٍ إثيوبية إلى توطيد علاقاتها مع عدةدول وعلى رأسها كينيا وأوغندا والكونغو وجنوب السودان، في العديد منالمجالات وخاصة التعاون في مجال الكهرباء، التعاون العسكريوالدبلوماسي، التصنيع، السياحة، إنتاج الماشية، الإعلام، والتعليم، كملتسعى لتطوير الخطوط الجوية الإثيوبية كشريك استراتيجي لدعم البنيةالتحتية الجوية في جنوب السودان وتوسيع خدمات الطيران.

تشير بعض نماذج التعاون السابقة إلى أن العلاقات التعاونية لا تسيربشكل تصاعدي بين أكثر من طرفين إلا في بعض الحالات، وحتى في تلكالحالة فإن التعاون لم يتعد الاتفاقيات الثنائية بين كل طرف وآخر، ومايجمعهم هو تقارب وجهات النظر والتنسيق المشتركويرجع ذلك إلى حالةالسيولة التي تشهدها الساحتان الإقليمية والدولية، حيث لا توجد تحالفات،ولكن مستويات من العلاقات.

ختاماالنتيجة المستخلصة تشير إلى أن الواقع الراهن في منطقة حوضالنيل لا يساعد على تحقيق الاستقرار والأمن في الأمد المنظور، ومن ثم يظلالهدف الساعي لتعزيز فرص التعاون الجماعي وتوافر الإرادة الجماعيةمحل شك في ظل المعطيات الراهنة، التي تشهدها منطقة حوض النيلوالقرن الأفريقي والتشابك العميق بين المجالات الاستراتيجية الحيويةوالمصالح العليا للعديد من الدول والقوى الإقليمية والدولية المتنافسة، فضلًاعما تشهده العديد من الدول من اضطرابات شديدة بين الدول وداخل الدولةالواحدة صراعات إثنية، موارد، تدخل أطراف خارجية.

المصدرSWI swissinfo.ch

التاريخ: 28/1/2026

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

المصدرمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

الكاتبدأيمن السيد عبد الوهاب

التاريخ: 23/1/2026

 
المقالات الأخيرة