في الوقت الذي تنهمك فيه الأوساط الدولية برصد التحركات العسكريةالأمريكية في الخليج العربي، تبدو طهران وبكين في حالة ترقب حذر للحظةإعادة ضبط التوازنات الإقليمية، وبالتدقيق في مشهد الصراع، سنراه يتبلوربين عقليتين: عقلية المقامر التي يتبناها ترامب، وعقلية حياكة السجادالإيرانية، التي تتقن فن إرباك الخصم وزرع حالة عدم اليقين، حيث تبرزإيران كلاعب لا يهدف بالضرورة لكسب المواجهة العسكرية، بل لتجريدخصومه من مبررات الشروع فيها.
تهديدات أمريكية متجددة
منذ يوم الأربعاء 28 يناير 2026، ينتهج الرئيس ترامب مسارًا مزدوجًا يزاوجبين "التهويل العسكري" عبر استعراض "الأرمادا" البحرية، وبين "إغراءاتالتفاوض". هذا الأسلوب لا يؤشر بالضرورة لطبول حرب شاملة، بل يعكسعقلية صانع الصفقات الذي يسعى لانتزاع تنازلات جوهرية وتوظيفها كـ"نصر إعلامي "يستثمر سياسيًا في الداخل الأمريكي. من هذا المنطلقيمكن حصر الأهداف الاستراتيجية لإدارة ترامب في النقاط التالية:
- تحقيق الخضوع الرمزي، من خلال تصدير مشهد انكسار إيراني يمكنتسويقه كإنجاز شخصي تاريخي، دون الانزلاق إلى مستنقع حرب شاملةباهظة التكاليف.
- الردع الوظيفي، بمنع إيران من بلوغ العتبة النووية، ليس لاعتبارات قيمية،بل لأن امتلاك طهران للسلاح النووي سيعني الانهيار النهائي لسياسةالضغط الأقصى، التي اقترنت باسم دونالد ترامب منذ 2018.
- التجميد المؤقت للطموح النووي، بمعنى حصر البرنامج النووي عندمستويات تخصيب متدنية (3.5%) تحت رقابة صارمة، لشرعنة ادعاءاتترامب بأنه نجح في تحييد الطموح النووي الإيراني بدون رصاصة واحدة.
- تحجيم النفوذ الإقليمي، عبر كبح أذرع طهران لحماية المصالح الأمريكيةوحلفائها، وعلى رأسهم إسرائيل، مع تجنب الغرق في طموحات إعادةهندسة المنطقة. وتأتي هذه الرغبة الأمريكية في وقت وضعت فيه تل أبيبشروطًا بديلة للحرب تتضمن الإنهاء الكامل للبرنامجين النووي والصاروخي،ووقف دعم وكلاء إيران في الشرق الأوسط، وفقًا لما نقلته القناة 12 الإسرائيلية (1 يناير 2026).
- التفاوض من موقع المتفوق، بهدف إجبار طهران على الجلوس إلى طاولةالتفاوض، وهي ترزح تحت وطأة الحصار، من أجل ضمان اتفاق غيرمتكافئ يقوم على تراجع إيراني جوهري مقابل تخفيف جزئي للعقوبات.
وفي ضوء هذا المشهد المعقد، يتردد سؤال يفرض نفسه بقوة وهو: هل إسقاطالنظام الإيراني هو غاية فعلية في أجندة ترامب، أم إنه يخشى تبعاتالسقوط أكثر من النظام نفسه؟
تكمن الإجابة الواقعية في أنه وخلافًا لمقاربة المحافظين الجدد الذين يرونفي تغيير الأنظمة هدفًا أيديولوجيًا، يمثل هذا الخيار لترامب عبئًااستراتيجيًا ومغامرة قد تفضي لفوضى تستوجب تورطًا عسكريًا طويلالأمد، وهو ما يصطدم مباشرة مع مبدأ أمريكا أولًا.
علاوة على ذلك، يفضل ترامب التعامل مع نظام مستنزف ومقوض بالأزماتالاجتماعية والاقتصادية، كونه يمثل فزاعة مفيدة لاستمرار تدفق مبيعاتالسلاح وتوطيد التحالفات الإقليمية، في وقت قد يخلف النظام الساقط فراغًاأمنيًا وجيوسياسي قد تملؤه قوى منافسة، وعلى رأسها الصين.
وبالنظر إلى تصريحاته الأخيرة لموقع Politico الأمريكي في 17 يناير2026، ردًا على وصف المرشد الإيراني له بالمجرم، يتضح أن ترامب لايتحرك بدوافع عقائدية أو هندسة جيوسياسية بعيدة المدى، بل يسير بمنطقالانطباع والنتيجة القابلة للبيع السياسي. إنه باختصار لا يلعب شطرنجًاسياسيًا محكومًا بقواعد زمنية ونفس طويل، بل يمارس بوكر مراهنات يعتمدبالدرجة الأولى على كسر إرادة الخصم قبل كشف الأوراق.
استراتيجية العراق للضغط على إيران
لا يمكن فصل التدخل الأمريكي المباشر في الشأن الانتخابي العراقي عنالاستراتيجية الشاملة الرامية لتطويق النفوذ الإيراني في المنطقة. فأثناءتسليط تقرير مجلة "ريسبونسبل ستيت كرافت" الأمريكية الضوء علىمحاولات الرئيس ترامب رسم مستقبل العراق السياسي، جاء تحذيرهالصادم عبر منصةTruth Social في 27 يناير 2026، ليضع خطًا أحمرأمام عودة نوري المالكي الذي رشحه الائتلاف السياسي الشيعي المعروفباسم الإطار التنسيقي لرئاسة مجلس الوزراء.
ويرتكز هذا الفيتو الأمريكي على قراءة براجماتية ترى في العراق الرئة الماليةالأهم لإيران للالتفاف على العقوبات الدولية، سواء عبر نافذة مزاد العملة أوممرات تجارة الطاقة. ومن هذا المنطلق، تُقرأ عودة المالكي الذي يصنفهترامب كحليف عضوي لطهران، بوصفها استمرارًا لحقبة النفوذ الهادئ التييسعى البيت الأبيض لتقويضها.
في المقابل إذا نجحت واشنطن في إقصاء مرشح الإطار التنسيقي، الذيتراه الوكيل الجيوسياسي الضامن لعمق طهران الاستراتيجي في بغداد،فستكون قد حققت نصرًا سياسيًا رمزيًا يهدف إلى إظهار طهران بمظهرالعاجز عن حماية حلفائها الأقرب في ساحتها الخلفية، مع ترسيخ حالة عدماليقين التي يزرعها ترامب لخلخلة حسابات إيران الإقليمية.
غير أن الاحتمالات تظل مفتوحة على توظيف ترامب لملف رئاسة الوزراء فيالعراق كورقة مساومة مع طهران، حيث قد يقايض تخفيف الضغط في بغدادبانتزاع تنازلات في الملف النووي. لكن هذا الأسلوب الخشن قد يفضي إلىنتائج عكسية، إذ يمنح المالكي وحلفاءه فرصة لاستثمار ورقة السيادةالوطنية، مما سيؤول إلى دفع الكتل البرلمانية المترددة إلى التصويب لصالحهنكاية في الإملاءات الأمريكية، وهو ما قد يحول العراق من ساحة ضغط علىإيران إلى ساحة استنزاف سياسي جديدة للإدارة الأمريكية.
من الاتفاق النووي إلى سياسة الضغط
في مقابل سياسة الضغط الأقصى الأمريكية، تنتهج طهران استراتيجيةمناورة تقوم على خطاب دبلوماسي مرن مشوب بحذر استراتيجي، ففي 31 يناير 2026، جدد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، استعداد بلادهلإبرام اتفاق نووي عادل ومتوازن يضمن عدم حيازة السلاح النووي مقابلالرفع الشامل للعقوبات. هذا الموقف، وإن بدا صدى لتصريحات عليشمخاني (مايو 2025)، إلا أنه يمثل محاولة ذكية لإلقاء الكرة في الملعبالأمريكي واختبار نوايا إدارة ترامب الجديدة.
بيد أن القراءة النقدية لهذه التحركات تكشف عن عوائق بنيوية تجعل منمسار التفاوض حقل ألغام سياسيا، أبرزها:
- عقدة الذاكرة التاريخية لتجربة الاتفاق النووي لعام 2015، لا تزال تلقيبظلالها الثقيلة على أي طاولة مفاوضات راهنة، فالتزام طهران الصارمبتقليص برنامجها وتفكيك أجزاء منه قوبل بانسحاب أمريكي أحاديومفاجئ في 2018. وهذا رسخ قناعة لدى النخبة الثورية بأن التنازلاتالنووية لا تضمن بالضرورة استقرارًا اقتصاديًا.
- شخصنة التفاوض، إذ يميل أسلوب ترامب التفاوضي إلى انتزاع أنصافالصفقات عبر الإهانة الرمزية والضغط العلني، وهو ما لا تتحمله الكبرياءالسياسية الإيرانية.
- سيكولوجية التنازل المتسلسل، بحيث تخشى القيادة الإيرانية من أن تقديمتنازل أولي سيكسر حاجز الردع النفسي، ويفتح الشهية الأمريكية لمطالب لاتنتهي، وبالتالي تحويل التفاوض من أداة لرفع العقوبات إلى أداة لتغييرسلوك النظام تدريجيًا.
ومن ثم جاء تصريح عراقجي من تركيا ليؤكد استعداد بلاده لمفاوضات تحترمالخطوط الحمراء وترفض الإملاءات، ليرد عليه المتحدث باسم الخارجيةالأمريكية (30 يناير 2026) بوضوح: "الرئيس ترامب يريد أن يأتي النظامللتفاوض من أجل معالجة مخاوفنا من العتبة النووية.
هذا التراشق الدبلوماسي أفرز مؤشرات جدية حول احتمالية انطلاقماراثون تفاوضي مباشر بين عراقجي والمبعوث الأمريكي ستيفن ويتكوف،وفقًا لما سربته وكالة تسنيم المقربة من الحرس الثوري (2 فبراير 2026)، إلاأن المشهد يزداد تعقيدًا مع تضارب الأنباء، إذ أفاد تقرير وكالة رويترز -نشرفي اليوم ذاته- بأن طهران قد تبدي مرونة في نقل مخزونها من اليورانيومالمخصب خارج البلاد مقابل رفع العقوبات، جاء نفي المجلس الأعلى للأمنالقومي القاطع لهذا الخبر بعد ساعة واحدة فقط، مؤكدًا أن المفاوضات لنتتطرق لهذا الملف أساسًا.
هذا الارتباك المتعمد أو نفي الأنباء المتسارعة يكشف بما لا يدع مجالًا للشكأننا أمام مناورة كشف النوايا، والتي تهدف من خلالها طهران إلى جسنبض إدارة ترامب قبل كشف أوراقها الحقيقية، وبالتالي وضع المنطقة أماممفترق طرق حاسم، إما صفقة تاريخية تعيد تعريف التوازنات الإقليمية، أواستمرار في الانزلاق نحو سياسة حافة الهاوية.
موقف القوى الخليجية
يُستنبط من الموقف الحذر للقوى الخليجية الكبرى، وعلى رأسها السعوديةودولة الإمارات، برفض استخدام أراضيها أو أجوائها في أي عمل عسكريضد إيران، أنه خيار استراتيجي تمليه ضرورات الأمن القومي الصرفة. إذتدرك الرياض في خضم سعيها لتحقيق رؤيتها التنموية الطموحة، أنالاستقرار المستدام هو الضمانة الوحيدة لمكانتها كقطب موثوق في سوقالطاقة والاستثمار، لذا فإن أي تهديد إيراني لمنشآت الطاقة -ولو عبرالوكلاء- كفيل برفع كلفة التأمين الملاحي وإرباك الأسواق، وعليه عودة شبح"استهداف أرامكو 2019" إلى الواجهة كأداة ردع قابلة للتفعيل.
أما في دولة الإمارات، التي تمثل شريانًا لوجستيًا وماليًا عالميًا، فإنالاستراتيجية الإيرانية ترتكز على سيكولوجية الانطباع، حيث يدرك صانعالقرار في طهران أن مجرد التلويح بتهديد الملاحة في مضيق هرمز يضربالميزة التنافسية لدبي وأبو ظبي كبيئة آمنة للأعمال. ومن هنا تنجح إيران فيتحييد الجوار الخليجي عبر رسالة ضمنية مفادها: البقاء خارج الصراع هوالسبيل الوحيد للبقاء خارج دائرة النار.
على صعيد آخر، وأثناء انشغال الرئيس ترامب في ممارسة سياسة الضغطالأقصى لانتزاع تنازلات تفاوضية، تبرز الصين كلاعب حاسم يمنح طهرانمتنفسا استراتيجيا عبر مسارين، يتمثل أحدهما في استمرار تدفق النفطعبر قنوات غير رسمية وبنظام المقايضة أو اليوان، بغية تأمين الحد الأدنىمن السيولة لمنع انهيار البازار الإيراني.
والآخر في استثمار الورقة الإيرانية كأداة إشغال لواشنطن في الشرقالأوسط، من أجل منح بكين هامش حركة أوسع في مسارح استراتيجيةأخرى، لعل أبرزها القطب الشمالي. حيث تسعى الصين للسيطرة علىمسارات الملاحة الناشئة نتيجة ذوبان الجليد، بعيدًا عن الرقابة الأمريكيةالمكثفة.
الخاتمة: بناءً على هذا التشابك المعقد يبدو أن مسار الصراعالأمريكي-الإيراني لا يتجه نحو حرب شاملة بقدر ما ينزلق إلى مواجهة إدارةأعصاب طويلة الأمد، حيث يسعى كل طرف إلى كسر إرادة الآخر دونتحمل كلفة الانفجار والسيناريو الأرجح على المدى القريب هو اتفاق تكتيكيمحدود أو ما يمكن تسميته باتفاق قشرة الموزة، بحيث يمنح ترامب صورةنصر سياسي قابل للتسويق داخليًا، ويمنح طهران متنفسًا اقتصاديًامحسوبًا، مع ترحيل الملفات البنيوية (الصاروخي والنفوذ الإقليمي) إلىمراحل لاحقة ومع ذلك يظل سيناريو حافة الهاوية قائمًا كأداة ضغط متبادللا كخيار مفضل، في حين يبقى الصدام غير المقصود احتمالًا منخفضًا لكنهالأخطر، وسيكون مرتبطًا بخطأ تقدير لا بقرار واعٍ وعليه لا يكمن جوهرالصراع فيمن يطلق الرصاصة الأولى، بل فيمن ينجح في فرض سرديةالتراجع على الآخر دون أن يظهر بمظهر المنكسر. ولأن ترامب يلعب بوكرمراهنات يقوم على رفع الرهان وكسر الخصم نفسيًا قبل كشف الأوراق،تراهن إيران على تكتيك النفس الطويل وتحييد مبررات الحرب، لا الانتصارفيها.
المصدر: مجلة السياسة الدولية
الكاتب: د. شيماء المرسي
التاريخ: 3/2/2026
--------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: بي بي سي عربية
التاريخ: 29/1/2026
