التحولات الجيوسياسية للأمن الإقليمي في الساحل
فرع القاهرة

يشهد إقليم الساحل الأفريقي تحولًا لافتًا في مقاربته للأمن الإقليمي، مع إطلاق تحالف دول الساحل (مالي - النيجر- بوركينا فاسو)، قوة عسكرية موحدة (FU-AES)، دخلت حيز التنفيذ العملياتي في 20 ديسمبر 2025، عقب انعقاد الاجتماع الثاني لرؤساء دول التحالف. ويأتي هذا التطور في سياق تراجع فاعلية الأطر الإقليمية التقليدية وعلى رأسها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس”، إلى جانب تصاعد التهديدات الأمنية العابرة للحدود، وسعي الدول الثلاث إلى بلورة نموذج أمني بديل يرتكز على السيادة الوطنية وتقليص الاعتماد على الشركاء الغربيين وتحديدًا فرنسا، ولا يقتصر هذا التحول على البعد العسكري فحسب، بل يتكامل مع مسارات اقتصادية وإعلامية ومؤسسية تعكس إعادة صياغة شاملة لفكرة التعاون الإقليمي.

ويأتي تأسيس هذه القوة في إطار مسار تراكمي من التحولات الأمنية العميقة التي شهدها الإقليم منذ عام 2022، اتسم بتفكك منظومات الأمن الإقليمي التقليدية، والانسحاب التدريجي للقوى الدولية، إلى جانب تصاعد غير مسبوق لتهديدات الإرهاب العابر للحدود، وتداخله المتزايد مع شبكات الجريمة المنظمة؛ مما جعل المقاربات الأحادية أو الوطنية غير كافية لاحتواء التهديدات المركبة. وقد أفضى انسحاب القوات الفرنسية والأوروبية، وإنهاء بعثة الأمم المتحدة في مالي، وتفكك مجموعة دول الساحل الخمس (G5)، إلى فراغ أمني واسع استغلته التنظيمات الإرهابية لتوسيع نطاق نفوذها؛ الأمر الذي عجّل بسعي تحالف دول الساحل إلى البحث عن بديل أمني خارج الأطر الإقليمية القائمة.

التحولات الجيو-أمنية وتأسيس العقيدة القتالية للقوة الموحدة

يشهد المشهد الأمني في غرب أفريقيا، وتحديداً في إقليم الساحل، إعادة تشكيل جذرية لمنظومات الأمن الجماعي، مدفوعة بانهيار الترتيبات التقليدية وتراجع النفوذ الغربي. في هذا السياق، يمثل الإطلاق العملياتي للقوة العسكرية الموحدة (FU-AES) في 20 ديسمبر 2025، تتويجاً لمسار سيادي انتهجه تحالف دول الساحل (مالي، النيجر، بوركينا فاسو). جاء هذا التأسيس كاستجابة حتمية للفراغ الأمني الناجم عن تفكك مجموعة دول الساحل الخمس (G5)، وانسحاب القوات الفرنسية، وإنهاء مهام البعثة الأممية في مالي، بالتزامن مع عجز المنظمات الإقليمية مثل "إيكواس" عن تقديم حلول ناجعة. وترتكز فلسفة هذه القوة الجديدة على مبدأ "السيادة الوطنية المشتركة"، متجاوزة الاعتماد الكلاسيكي على الشركاء الغربيين، ومتبنية استراتيجية الاعتماد على الذات لمواجهة التهديدات المركبة للإرهاب العابر للحدود والجريمة المنظمة.

تتجسد الهيكلية التنظيمية للقوة في حشد قوام بشري يقدر بنحو خمسة آلاف مقاتل من نخبة جيوش الدول الثلاث، تحت قيادة مركزية موحدة تتخذ من "نيامي" مقراً لها، وبإدارة عملياتية يتولاها حالياً العميد "داودا تراوري" من بوركينا فاسو. وقد صاغت القوة عقيدة قتالية غير تقليدية تتناسب مع الطبيعة الجغرافية الوعرة لمنطقة المثلث الحدودي (ليبتاكو-جورما)؛ حيث تعتمد على "كتائب التدخل السريع" ووحدات الكوماندوز المجهزة بدراجات نارية. وتقوم هذه العقيدة على ثلاثية (السرعة، التنسيق، والمثابرة)، بهدف حرمان الجماعات المسلحة من الملاذات الآمنة، وضمان سرعة الانتشار والمناورة خلال ساعات قليلة، وهو ما يعكس استيعاباً لدروس الماضي التي أثبتت عدم جدوى الجيوش النظامية الثقيلة في مواجهة حروب العصابات المرنة.

المكتسبات التكتيكية والتحديات البنيوية والتمويلية

على الصعيد العملياتي، دشنت القوة مسارها عبر سلسلتين من العمليات النوعية تحت اسم "يريكو 1" و"يريكو 2" خلال عامي 2024 و2025. وقد أظهرت هذه العمليات قدرة متنامية على التنسيق الميداني المشترك، مدعومة بمنظومة لوجستية مستقلة تشمل ورش صيانة متنقلة ووحدات طبية مدرعة، مما أسفر عن تحقيق مكاسب تكتيكية ملموسة، تمثلت في تدمير قواعد خلفية للجماعات المسلحة، وتحييد عناصر قتالية، ومصادرة مخزونات لوجستية حيوية. إلا أن هذه النجاحات الأولية تصطدم بجملة من القيود البنيوية التي تهدد الاستدامة الاستراتيجية للقوة؛ يأتي في مقدمتها النقص الحاد في الغطاء الجوي وقدرات الاستطلاع والمراقبة (ISR) بعيدة المدى، وهي عناصر حاسمة في مراقبة المساحات الصحراوية الشاسعة التي تنشط فيها جماعات تتميز بمرونة حركية عالية.

علاوة على ذلك، تواجه القوة معضلة "الاستنزاف المالي"، حيث يعتمد التمويل بشكل كامل على الميزانيات الوطنية المنهكة للدول الثلاث، مما يضع ضغوطاً هائلة على القدرة لتغطية تكاليف التشغيل المستمرة من رواتب، ووقود، وصيانة، وتسليح. يفاقم هذا الوضع غياب إطار مؤسسي "فوق وطني" شامل لإدارة الموارد والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، مما يجعل العمليات تميل للطابع الظرفي "المؤقت" بدلاً من الحلول المستدامة. كما يبرز تحدي التكيف العملياتي للعدو؛ حيث طورت تنظيمات مثل "نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) و"داعش في الصحراء الكبرى" (ISGS) تكتيكاتها للاختفاء واستغلال التضاريس، مما يتطلب استجابة استخباراتية وعسكرية متطورة قد لا تتوفر بشكل كامل في ظل الاعتماد المحدود على الدعم التقني الروسي، الذي يثير بدوره تساؤلات حول حدود الاستقلالية السيادية للتحالف.

تكامل المسار العسكري مع الروافع الاقتصادية والإعلامية

إدراكاً من قادة التحالف بأن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لترسيخ الاستقرار، تبنت دول الساحل استراتيجية "السيادة الشاملة" التي تدمج القوة الصلبة (العسكرية) مع أدوات القوة الناعمة (الاقتصاد والإعلام). اقتصادياً، تم تأسيس "بنك الاستثمار والتنمية لتحالف دول الساحل" برأسمال 500 مليار فرنك أفريقي، كذراع مالي يهدف لتمويل مشاريع البنية التحتية والطاقة والزراعة، وتقليص الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية، مما يوفر ظهيراً تنموياً يدعم المجهود الحربي ويحقق الاستقلال المالي. وإعلامياً، أطلق التحالف منصات موحدة (تلفزيون وإذاعة AES) لضبط السردية الإعلامية، ومكافحة التضليل، وحشد الوعي الشعبي خلف المشروع الإقليمي الجديد، في إطار حرب فكرية توازي الحرب الميدانية.

ختاماً، يمثل هذا النموذج الجديد تحولاً مفصلياً في تاريخ الأمن الأفريقي، حيث يسعى لتقديم بديل محلي خالص يعالج جذور الأزمات لا أعراضها. ومع ذلك، يظل مستقبل هذا التحالف مرهوناً بقدرته على تجاوز "فجوة القدرات"؛ أي الموازنة بين الطموح السياسي السيادي وبين الواقع الميداني الذي يتطلب موارد مالية ضخمة وتقنيات متطورة. إن نجاح القوة الموحدة في التحول من "أداة احتواء" للأزمات إلى "فاعل استراتيجي" يفرض الاستقرار، يعتمد كلياً على معالجة الثغرات الاستخباراتية والجوية، وبناء مؤسسات إقليمية قادرة على تحويل المكاسب العسكرية المؤقتة إلى واقع تنموي وأمني مستدام.

 

 

المصدر: المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

الكاتب : نسرين الصباحى

التاريخ: 4/2/2026

--------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: الصحراء نيوز

التاريخ: 26/1/2026

المقالات الأخيرة