تُشكل ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، التي بدأت ملامحها تتشكل منذ يناير 2025، منعطفاً حاسماً في تاريخ العلاقات الأمريكية الأفريقية فبعد عقود من تأرجح السياسة الأمريكية بين "الدبلوماسية التنموية" و"مكافحة الإرهاب"، تبنت الإدارة الجديدة في واشنطن نهجاً راديكالياً يستند بوضوح إلى مبادئ حركة "ماجا" (MAGA - Make America Great Again) هذا النهج يقطع الصلة مع التقاليد الدبلوماسية القائمة على العمل متعدد الأطراف والمساعدات المشروطة بالحوكمة، ليحل محلها إطار نفعي صارم (Utilitarianism) يعطي الأولوية المطلقة للمصالح الأمريكية المباشرة والقصيرة المدى.
تتمحور العقيدة الجديدة حول ثلاث ركائز أساسية لا رابع لها: أولاً، الحرب المفتوحة والمباشرة على الإرهاب دون قيود القواعد التقليدية للاشتباك؛ وثانياً، تأمين الوصول الحصري والمباشر إلى سلاسل توريد المعادن الحيوية (الليثيوم، الكوبالت، الكولتان) لكسر الهيمنة الصينية المتنامية؛ وثالثاً، احتواء النفوذ الروسي المتمدد في منطقة الساحل وفي هذا السياق، لم تعد القارة الأفريقية شريكاً يُستثمر في استقراره طويل الأمد، بل تحولت إلى ساحة عمليات متقدمة ومورد للمواد الخام الاستراتيجية.
ويتجلى هذا التحول في إعادة هيكلة دور القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، التي تحولت من قوة إسناد وتدريب للجيوش المحلية إلى "منصة قتالية كاملة" تنفذ ضربات استباقية وعقابية ويأتي ذلك بالتوازي مع تقليص حاد في ميزانيات "القوة الناعمة"، حيث تواجه برامج مثل "خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز" (PEPFAR) ومشاريع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) تخفيضات جوهرية بدعوى "عدم الاستراتيجية"، مع فرض شروط "الاكتفاء الذاتي" القاسية على الدول المتلقية يسعى هذا التقرير إلى تفكيك وتحليل الديناميكيات الثلاث الرئيسية لهذه السياسة: توظيف الهوية (العرق والدين) كسلاح دبلوماسي، صعود التهديدات الهجينة في ظل الفراغ الأمني، وعسكرة الوجود الأمريكي وتداعياته الجيوسياسية.
توظيف العرق والدين كأدوات للإكراه السياسي
تمثل إحدى أخطر سمات السياسة الأمريكية في عهد ترامب الثاني في الانتقال من الدبلوماسية القائمة على "القيم الديمقراطية" إلى دبلوماسية "الهوية"، حيث يتم استخدام السرديات العرقية والدينية كذرائع للتدخل المباشر وممارسة الضغوط القصوى على الحكومات الأفريقية. هذا التوظيف الانتقائي للأزمات يعكس محاولة لاسترضاء القاعدة الانتخابية في الداخل الأمريكي (اليمين المتطرف والإنجيليين) أكثر من كونه استجابة لواقع حقوق الإنسان في أفريقيا.
في الحالة الجنوب أفريقية، تبنى الرئيس ترامب بشكل كامل سردية اليمين المتطرف حول ما يُسمى بـ "الإبادة الجماعية للمزارعين البيض" ففي مايو 2025، واجه ترامب الرئيس سيريل رامافوزا بمواد دعائية مضللة (مقاطع فيديو لصلبان بيضاء رمزية صُورت كقبور جماعية) متجاهلاً البيانات الرسمية والحقائق الجنائية تشير إحصاءات عام 2024 بوضوح إلى أن جرائم قتل المزارعين لم تتجاوز 40 حالة من إجمالي 26 ألف جريمة قتل في البلاد، ومعظم الضحايا هم من السود في المناطق الفقيرة ورغم ذلك، اتخذت واشنطن إجراءات عقابية غير مسبوقة: طرد سفير جنوب أفريقيا، إلغاء دعوة بريتوريا لقمة مجموعة العشرين 2026، ومنح حق اللجوء السياسي لـ 60 من "الأفريكان" البيض هذا التصعيد لم يكن مجرد خلاف دبلوماسي، بل استهدافاً مباشراً لشرعية حكومة المؤتمر الوطني الأفريقي وسياساتها في إصلاح الأراضي وتوظيفاً للاقتصاد كسلاح لفرض رؤية أيديولوجية خارجية.
أما في الحالة النيجيرية، فقد تمحورت السردية حول "حماية المسيحيين" في مواجهة الإرهاب الإسلامي. في نوفمبر 2025، هدد ترامب بضربات "سريعة وقاسية" رداً على هجمات بوكو حرام، وهو ما تُرجم فعلياً في 25 ديسمبر 2025 بشن غارات بصواريخ "توماهوك" على مواقع في ولاية سوكوتو سُوقت هذه العملية في الإعلام الأمريكي المحافظ كـ"هدية عيد الميلاد"، لكنها في الواقع تجاوزت مفاهيم السيادة الوطنية، حيث تم التنفيذ بتنسيق محدود للغاية مع حكومة أبوجا لقد وُضعت الحكومة النيجيرية بين المطرقة والسندان: فرفض الضربات كان سيُفسر في واشنطن ولدى المسيحيين النيجيريين كتواطؤ مع الإرهاب، بينما قبولها أدى إلى تأجيج الغضب في الشمال المسلم إن خطورة هذه السياسة تكمن في أنها تحول الصراعات المعقدة (التي تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والمناخية) إلى حروب دينية صريحة، مما يغذي روايات الجماعات المتطرفة ويزيد من حدة الاستقطاب الطائفي في مجتمعات هشة أصلاً.
التهديد الهجين في ظل الفراغ الأمني الإقليمي
كشفت العمليات العسكرية الأمريكية الأخيرة، وخاصة تلك التي استهدفت غابة "باوني" ومناطق "دار السلطان" الحدودية، عن تحول نوعي في طبيعة التهديدات الإرهابية في غرب أفريقيا، يتجسد في صعود جماعة "لاكوراوا". يمثل هذا التنظيم نموذجاً لما يمكن تسميته بـ "الإرهاب الهجين"، الذي يدمج بين العقيدة الجهادية الهشة والممارسات الإجرامية البحتة، مستفيداً من تصدع منظومة الأمن الجماعي في المنطقة.
الجذور والسياق: نشأت "لاكوراوا" في عام 2018 في ولاية سوكوتو كمليشيا محلية للدفاع الذاتي استدعتها المجتمعات القروية لمواجهة قطاع الطرق في ظل غياب الدولة. لكن، وكما هو الحال في ظواهر تاريخية مماثلة، تحول "الحماة" إلى "غزاة". الاسم المشتق من الكلمة الفرنسية (Les recrues - المجندون) يشير بوضوح إلى أصول عناصرها القادمين من مالي والنيجر، والمرتبطين بـ "جبهة تحرير ماسينا". ومع ذلك، تختلف "لاكوراوا" عن التنظيمات التقليدية في أنها لا تدين ببيعة تنظيمية صارمة لـ "داعش" أو "القاعدة"، بل تعمل كشبكة مصالح انتهازية.
الديناميكيات الجديدة: يرتكز نموذج عمل الجماعة على السيطرة الاقتصادية، حيث تفرض "الزكاة" القسرية، وتصادر الماشية، وتتحكم في طرق التهريب. وما يزيد المشهد تعقيداً هو التحالفات الميدانية المتنامية بين "لاكوراوا" وفصائل من "بوكو حرام" (جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد) في ولاية النيجر، فضلاً عن التعاون مع شبكات قطاع الطرق غير المؤدلجة مثل شبكة "بيلو تورجي" هذا الاندماج بين "الإرهابي" و"الجنائي" يجعل استراتيجيات المكافحة التقليدية غير فعالة.
فشل الاستجابة: رغم تصنيف نيجيريا للجماعة كتنظيم إرهابي في يناير 2025 وإطلاق عملية "فانسان ياما" العسكرية، إلا أن النتائج تظل محدودة. يعود ذلك بشكل رئيسي إلى التوترات الدبلوماسية الحادة بين نيجيريا والنيجر عقب انقلاب نيامي 2023، مما أدى إلى غياب التنسيق عبر الحدود وسمح للجماعة بحرية الحركة والمناورة علاوة على ذلك، فإن التعامل الأمريكي الذي يركز حصراً على "الضربات الجوية" يتجاهل الجذور الاجتماعية للأزمة، والمتمثلة في الصراع على الموارد بين الرعاة والمزارعين، وتأثيرات التغير المناخي، وغياب العدالة، مما يجعل من القضاء على "لاكوراوا" أمراً مستحيلاً دون معالجة شاملة.
عسكرة أفريكوم ومخاطر الحروب اللامتناهية
تُعبر الاستراتيجية العسكرية الأمريكية الحالية عن مفهوم "الترامبية الخشنة"، الذي يفضل الحلول الأمنية المباشرة واستعراض القوة على حساب بناء التحالفات المستدامة. يأتي هذا التوجه كرد فعل مباشر على التراجع الجيوسياسي الذي منيت به واشنطن في عهد بايدن وتحديداً بعد طرد القوات الأمريكية من "القاعدة الجوية 201" في النيجر عام 2024، والتي كانت درة تاج عمليات المراقبة في الساحل.
إعادة التموضع الاستراتيجي: لمواجهة هذا الفقدان، لم تنسحب واشنطن، بل أعادت نشر قواتها بشكل أكثر عدوانية نحو دول خليج غينيا. في نوفمبر 2025، تم نقل أصول عسكرية نوعية إلى أكرا (غانا) لتسيير رحلات مراقبة فوق حوض بحيرة تشاد، وتم تأكيد نشر قوات برية في نيجيريا بحلول فبراير 2026. هذا التحرك يهدف ليس فقط لمحاربة الإرهاب، بل لإنشاء "طوق أمني" حول مناطق الثروات المعدنية في الغرب والوسط الأفريقي لمنع تمدد النفوذ الروسي القادم من الساحل.
تكثيف العمليات: تشير البيانات الميدانية إلى ارتفاع غير مسبوق في وتيرة العمليات الحركية (Kinetic Operations). ففي الصومال وحدها، نفذت أفريكوم 23 غارة جوية في الشهر الأول من عام 2026، وهو معدل يتجاوز بكثير السنوات السابقة كما بدأت واشنطن محادثات أمنية مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، وحاولت إعادة فتح قنوات خلفية مع مالي، مدفوعة ببراغماتية بحتة لمواجهة فاغنر (الفيلق الأفريقي الروسي).
التداعيات والمخاطر: إن هذه العسكرة المفرطة تحمل في طياتها بذور فشلها. فالاعتماد على الضربات الجوية (مثل صواريخ توماهوك) قد يحقق خسائر تكتيكية في صفوف العدو، لكنه غالباً ما يتسبب في أضرار جانبية للمدنيين، مما يولد نقمة شعبية تستثمرها الجماعات الإرهابية في التجنيد والدعاية. بالإضافة إلى ذلك، فإن تقليص المساعدات التنموية والدبلوماسية يُفرغ الوجود الأمريكي من أي محتوى أخلاقي أو إنساني، ويجعله مجرد قوة احتلال بحكم الأمر الواقع في نظر الشعوب المحلية هذا النهج يفتح الباب واسعاً أمام الصين وروسيا لتقديم نفسيهما كـ "شركاء بدلاء" يحترمون السيادة ولا يتدخلون في القيم الثقافية والدينية، مما قد يؤدي على المدى الطويل إلى خسارة الولايات المتحدة لنفوذها الاستراتيجي في القارة، واستبداله بحروب استنزاف لا نهاية لها.
المصدر: مركز الأهرام للدرسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : أ. د. حمدي عبد الرحمن حسن
التاريخ : 7/2/2026
------------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: العين الإخبارية
التاريخ : 26/1/2026
