القوة والإدراك في السياسة الدولية
فرع القاهرة

لا يرتبط الطابع الإشكالي لمفهوم «النظام الدولي الجديد» فقط بعدم اكتماله البنيوي، وإنما بطبيعة التحولات التي صاحبت نشأته، حيث لم يأتِ هذا النظام نتيجة توافق دولي جامع، بقدر ما تشكّل عبر مسارات فرض الأمر الواقع، مستندًا إلى اختلالات قائمة في موازين القوة، جرى إعادة إنتاجها بآليات أكثر مرونة وأقل صدامية في ظاهرها. فبينما تراجعت المواجهة الإيديولوجية المباشرة، لم تتراجع منطقية الصراع ذاته، بل أعيدت صياغته في صورة أكثر تعقيدًا، تنتقل فيه ساحات الاشتباك من الجبهات العسكرية إلى مساحات أوسع تشمل الاقتصاد والثقافة، والإعلام، والفضاء الرقمي ولعل أخطر ما في هذا التحول أن نزع الطابع الإيديولوجي عن العلاقات الدولية لم يكن نزعًا حقيقيًا بقدر ما كان إعادة تموضع للإيديولوجيا في خطاب أكثر براجماتية ومرونة، خطاب لا يرفع شعارات كبرى، لكنه يعمل بصمت على تكريس منظومة قيم ومفاهيم بعينها، يتم تقديمها بوصفها «معايير دولية» أو «قيمًا كونية» في حين أنها في جوهرها تعبير عن مصالح قوى بعينها، وقدرتها على فرض تعريفها الخاص للشرعية والعدالة والنظام.

في هذا السياق، تصبح نسبية الاستقرار التي يتسم بها النظام الدولي الجديد مؤشرًا على مرحلة انتقالية طويلة، لا على حالة توازن مستدام. فالنظام لا يزال في طور الاختبار وإعادة التشكيل وتتحرك قواه الفاعلة في اتجاه تثبيت أنماط جديدة من الهيمنة، لا تعتمد بالضرورة على الاحتلال المباشر أو التدخل العسكري الصريح، وإنما على التحكم في تدفقات المعلومات، وإدارة السرديات، وصياغة الإدراك الجمعي على المستويين الإقليمي والدولي.

التحولات الدولية وإعادة إنتاج منطق القوة

من منظور تحليلي أوسع، لا يمكن فهم النظام الدولي الجديد باعتباره قطيعة كاملة مع منطق توازن القوى الذي حكم العلاقات الدولية لعقود طويلة، بقدر ما يمكن النظر إليه بوصفه إعادة صياغة لهذا المنطق في سياق دولي أكثر تعقيدًا وتشابكًا فلم يعد توازن القوى مرادفًا للتوازن العسكري الصرف، كما كان الحال في ظل الثنائية القطبية، حيث كانت القوة تُقاس بعدد الرؤوس النووية أو حجم الجيوش النظامية، وإنما اتسع ليشمل منظومة أوسع من عناصر القوة، تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية والمعرفية والإعلامية. فالدولة القادرة على التحكم في سلاسل الإمداد العالمية، أو احتكار التكنولوجيا المتقدمة، أو التأثير في تدفقات المعلومات، باتت تمتلك أدوات ردع وتأثير لا تقل أهمية عن القوة العسكرية التقليدية، وربما تتفوق عليها في بعض السياقات.

هذا الاتساع في مفهوم القوة أفرز نمطًا جديدًا من التوازن، لا يقوم على الردع المتبادل الصريح، وإنما على إدارة دقيقة للاختلالات، تسمح للقوى الكبرى بالحفاظ على تفوقها، دون الانزلاق إلى مواجهات شاملة مكلفة وهنا، يظهر توازن المصالح بوصفه الإطار الحاكم لهذا النمط، حيث لم تعد العلاقات الدولية تُدار بمنطق «الصديق والعدو» الحاد، بل ضمن شبكة معقدة من المصالح المتقاطعة، التي قد تجمع بين أطراف متنافسة في مجال، ومتعاونة في مجال آخر.

في هذا السياق، يفرض الاعتماد المتبادل نفسه كأحد السمات الجوهرية للنظام الدولي الجديد. فالدول باتت أكثر ارتباطًا ببعضها البعض اقتصاديًا وماليًا وتكنولوجيًا، بما يخلق قيودًا موضوعية على استخدام القوة العسكرية، لكنه في الوقت ذاته يفتح المجال أمام أنماط أخرى من الإكراه غير العسكري فالاعتماد المتبادل لا يُلغِي عدم التكافؤ، بل قد يُعيد إنتاجه في صورة أكثر تعقيدًا، حيث تمتلك بعض الدول القدرة على توظيف هذا الاعتماد كسلاح ضغط فعال، بينما تظل دول أخرى رهينة له.

ومن هنا، فإن توازن المصالح في النظام الدولي الجديد لا يقوم على العدالة أو التكافؤ، بل على القدرة على إدارة هذا التشابك لصالح طرف دون آخر وهو توازن هش بطبيعته للاستقرار، لأنه قائم على حسابات دقيقة، وأي خلل فيها قد يدفع النظام إلى موجات جديدة من التوتر أو الصراع. هذا الطابع الهش للاستقرار يفسر لماذا تبدو الأزمات الدولية في النظام الجديد متكررة ومتداخلة، ولماذا تنتقل بؤر التوتر بسرعة من منطقة إلى أخرى، دون أن تصل بالضرورة إلى حروب شاملة، لكنها تترك آثارًا عميقة على الأمن الإقليمي والدولي. فالصراع هنا لا يُدار بهدف الحسم النهائي، بل بهدف الاستنزاف طويل الأمد، وتعديل موازين القوة تدريجيًا، بما يخدم مصالح القوى الأكثر قدرة على الصبر والمناورة.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز الإعلام بوصفه أحد أهم أدوات إدارة توازن القوى والمصالح معًا. فالإعلام لا يعمل فقط على تبرير سياسات القوة، بل يسهم في خلق بيئة إدراكية تجعل هذه السياسات مقبولة، أو على الأقل قابلة للفهم والتسويغ ومن خلاله، يمكن تضخيم تهديدات بعينها، أو تقليص أخرى، وإعادة ترتيب أولويات الرأي العام، بما يتيح تمرير خيارات استراتيجية معقدة دون مقاومة تُذكر.

وبذلك، يصبح الإعلام حلقة الوصل بين توازن القوى المادي وتوازن المصالح السياسي، حيث يُترجم اختلالات القوة إلى سرديات، ويحوّل الحسابات الاستراتيجية إلى قناعات عامة. وهو ما يجعل فهم دوره شرطًا أساسيًا لفهم طبيعة النظام الدولي الجديد ذاته، الذي لم يعد يُدار فقط بما تمتلكه الدول من قوة، بل بما تستطيع أن تفرضه من تصورات ومعانٍ.

الإعلام كجسر بين القوة والمصلحة

في سياق النظام الدولي الجديد، لم يعد بالإمكان الفصل بين أدوات القوة المادية وبين منطق إدارة المصالح، إذ بات الإعلام هو الحلقة الوسيطة التي تُترجم القوة إلى نفوذ، وتحوّل المصالح إلى سياسات قابلة للتمرير فالقوة، مهما بلغت، تظل في حاجة إلى إطار تفسيري يضفي عليها معنى وشرعية، والمصلحة، مهما كانت واضحة لصانع القرار، تحتاج إلى خطاب يُقنع الداخل ويُسوّغ الخارج وهنا تحديدًا يتجلى الدور المحوري للإعلام بوصفه الجسر الذي تعبر عليه القوة نحو تحقيق أهدافها، دون الاضطرار إلى استخدام أدوات الإكراه المباشر.

الإعلام في هذا السياق لا يعمل فقط على مرافقة القرار السياسي، بل يشارك في صياغته منذ مراحله الأولى، عبر إعادة تعريف طبيعة التهديدات، وترتيب الأولويات، وتحديد ما يُعد خطرًا يستوجب التدخل، وما يمكن التعايش معه أو تجاهله فقبل أن تتحرك القوة، يكون الإعلام قد تحرك بالفعل، ممهّدًا الطريق، ومُعيدًا تشكيل البيئة الإدراكية التي تجعل الفعل السياسي أو العسكري يبدو منطقيًا، بل وضروريًا في أحيان كثيرة.

ولعل أخطر ما في هذا التحول أن الإعلام بات قادرًا على إخفاء الطابع القسري للقوة خلف خطاب عقلاني أو إنساني أو قانوني، يُعيد تقديم التدخلات والضغوط بوصفها أفعالًا تنظيمية تهدف إلى حفظ النظام الدولي، أو حماية المدنيين، أو صون الاستقرار وهكذا، تنتقل القوة من صورتها الخشنة إلى صورة أكثر قبولًا، دون أن تفقد جوهرها أو أهدافها.

فعندما ينجح الإعلام في أداء هذا الدور الوسيط، فإنه لا يكتفي بتبرير القوة أو شرح المصلحة، بل ينتقل إلى مرحلة أكثر تقدمًا تتمثل في صناعة القبول. فالقبول هنا لا يُفهم بوصفه اقتناعًا كاملًا، بل حالة من التسليم أو اللامبالاة أو العجز عن الاعتراض، وهي في حد ذاتها كافية لتمرير سياسات كبرى، كان من الصعب تمريرها في سياقات تاريخية سابقة.

صناعة القبول عند الجمهور تعتمد على آليات متعددة، في مقدمتها التحكم في جدول الاهتمامات العامة، وتحديد ما يُناقَش وما يُستبعد، وإعادة تأطير القضايا بما يتوافق مع سردية بعينها. فبدلًا من السؤال عن مشروعية الفعل، يُطرح السؤال عن كفاءته، وبدلًا من مناقشة أسبابه العميقة، يجري التركيز على نتائجه الآنية، وبدلًا من مساءلة القوة، يتم تطبيع حضورها باعتباره عنصرًا ثابتًا في المشهد الدولي.

غير أن صناعة القبول ليست سوى مرحلة أولى في مسار أوسع، يصل في ذروته إلى ما يمكن تسميته بالهيمنة الإدراكية، حيث لا يقتصر الأمر على قبول السياسات، بل يمتد إلى تبني الإطار المفاهيمي الذي صيغت من خلاله. ففي هذه المرحلة، لا تُفرض القرارات بالقوة، ولا تُبرر فقط، بل تُصبح هي نفسها جزءًا من «المنطق الطبيعي» الذي يُنظر من خلاله إلى العالم.

الهيمنة الإدراكية تعني امتلاك القدرة على تعريف المفاهيم، وتحديد معاني الشرعية والتهديد والاستقرار، بل وإعادة رسم الحدود بين ما هو ممكن وما هو مستحيل، وما هو معقول وما هو متطرف وعندما تنجح قوة ما في فرض هذا الإطار الإدراكي، فإنها لا تحتاج إلى التدخل المستمر، لأن الفاعلين الآخرين يبدأون في ضبط سلوكهم ذاتيًا، وفق القواعد التي جرى ترسيخها.

في هذا السياق، يصبح الإعلام أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، لا عبر القمع، بل عبر الإقناع غير المباشر، والتكرار، والتطبيع. فالسرديات الإعلامية، حين تتكرر وتُقدَّم في سياقات مختلفة، تتحول من وجهة نظر إلى حقيقة، ومن خيار سياسي إلى قدر لا فكاك منه.

الإعلام بين الوسيلة والغاية 

عندما يُنظر إلى الإعلام في إطار النظام الدولي الجديد بوصفه وسيلة وغاية في آن واحد، فإن ذلك يعكس تحولًا بنيويًا عميقًا في موقعه ووظيفته داخل معادلة القوة العالمية فالإعلام لم يعد مجرد أداة تُستدعى عند الحاجة لتبرير قرار أو تلميع سياسة، بل أصبح فضاءً مستقلًا تتشكل داخله القرارات ذاتها، وتُختبر فيه شرعيتها قبل أن تنتقل إلى حيز التنفيذ بهذا المعنى، صار أحد مكونات النظام الدولي الجديد التأسيسية.

هذا التحول البنيوي يرتبط بطبيعة البيئة الدولية المعاصرة، التي تتسم بتسارع الأحداث، وتشابك الأزمات، واتساع دوائر التأثير، بحيث لم تعد القرارات الكبرى قادرة على الصمود دون غطاء إدراكي وإعلامي كثيف فالقوة، مهما بلغت، تظل بحاجة إلى خطاب يسبقها ويصاحبها، والمصلحة، مهما كانت واضحة لصانع القرار، تحتاج إلى سردية تُقدَّم بها للرأي العام بوصفها خيارًا عقلانيًا أو ضرورة لا مفر منها وهنا يتحول الإعلام إلى أداة لإنتاج المعنى، بل إلى بنية مولِّدة للشرعية.

الإعلام الحديث، بما يمتلكه من قدرات معلوماتية وتكنولوجية غير مسبوقة، أصبح قادرًا على إعادة ترتيب الواقع ذاته، لا فقط تمثيله فهو يحدد ما يدخل دائرة الضوء وما يبقى خارجها وما يُقدَّم بوصفه أزمة تستدعي التدخل، وما يُختزل في خبر عابر أو شأن هامشي. وبهذا يصبح الغياب الإعلامي شكلًا من أشكال الإلغاء السياسي والمعنوي.

وفي هذا السياق، يُعلن النظام الدولي الجديد عن نفسه من خلال محددات إعلامية قبل أن يُعلن عبر مؤسساته السياسية أو القانونية فالمفاهيم الكبرى، مثل الشرعية الدولية، والتدخل الإنساني، ومحاربة الإرهاب، وحفظ الاستقرار، تُصاغ أولًا في الخطاب الإعلامي، ثم تُعاد تدويرها سياسيًا وقانونيًا، حتى تتحول إلى مسلّمات يصعب مساءلتها. هنا، تكمن خطورة هذا الدور للإعلام، فبحكم طبيعته التراكمية والتكرارية، يمتلك القدرة على تحويل الخيارات السياسية إلى حقائق إدراكية، ومع مرور الوقت، إلى ثوابت غير قابلة للنقاش.

كما أن التحول التكنولوجي الهائل في أدوات الإعلام والاتصال أسهم في تعميق هذا الدور، حيث لم يعد التأثير الإعلامي حكرًا على المنصات التقليدية، بل امتد إلى الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أتاحت قدرًا أكبر من الانتشار والسرعة، لكنها في الوقت ذاته وفّرت أدوات أكثر دقة للتوجيه والتأثير. وهكذا، لم يعد الإعلام يخاطب جمهورًا عامًا فحسب، بل أصبح قادرًا على استهداف فئات بعينها، وتوجيه رسائل مصممة خصيصًا لتشكيل مواقفها وسلوكها، بما يخدم أهدافًا استراتيجية محددة.

ختامًافي ضوء ما سبق، يتضح أن ما يُعرف اصطلاحًا بـ«النظام الدولي الجديد» لم يعد يُقاس فقط بخرائط النفوذ العسكري أو مؤشرات القوة الاقتصادية، بقدر ما يُقاس بقدرته على إنتاج منظومة إدراكية مهيمنة، تُعيد تعريف الصراع، وتُعيد ترتيب الأولويات، وتُحدد من يمتلك حق السرد ومن يُدفع إلى هامش الرواية ورغم عدم اكتمال البنية المؤسسية لهذا النظام، فإن بعده الإعلامي يبدو الأكثر تماسكًا واستقرارًا، والأسرع قدرة على فرض منطقه على الفضاء الدولي.

من منظور واقعي، لم يتخلَّ هذا النظام عن منطق القوة، بل أعاد توظيفه في صورة أكثر نعومة وأقل صدامية، أما من منظور بنائي، فإن النظام الدولي الجديد يُعيد تشكيل الواقع ذاته من خلال الخطاب، حيث لا تُعد المصالح معطى ثابتًا بقدر ما تُبنى اجتماعيًا عبر السرديات والرموز والصور الذهنية فالدولة التي تفشل في إدارة خطابها، تُخاطر بأن تُعاد صياغة صورتها وهويتها من الخارج، وفق تصورات لا تعكس مصالحها أو واقعها.

 

 

المصدر: مجلة السياسة الدولية

الكاتب : أحمد ناجي قمحة

التاريخ : 8/2/2026

-------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث

الكاتب : محمد أحمد الصغير 

التاريخ : 3/7/2025

المقالات الأخيرة