مثّلت الحرب التي اندلعت بين الثوار الليبيين وقوات العقيد معمر القذافي خلال ثورة 17 فبراير 2011 نقطة تحول مفصلية في التاريخ السياسي والعسكري لليبيا المعاصرة فبعد أن بدأت الاحتجاجات الشعبية في عدد من المدن الليبية في سياق موجة التحولات العربية، سرعان ما تطورت إلى صراع مسلح واسع النطاق، اتخذ في مراحله الأولى طابعاً جغرافياً واضحاً تمثل في انقسام البلاد بين شرقٍ خرج مبكراً عن سيطرة السلطة المركزية، وغربٍ ظلّ مسرحاً لمعارك طويلة ومعقدة وقد كشفت هذه الحرب عن هشاشة بنية الدولة الأمنية، وحدود قدرة النظام على الاحتفاظ باحتكار القوة في ظل توسع رقعة التمرد، كما أبرزت في الوقت ذاته إشكاليات التنظيم العسكري للثوار وتفاوت قدراتهم، واعتمادهم في مراحل حاسمة على التدخل الخارجي.
أما تطور العمليات العسكرية في الجبهة الشرقية والساحلية بين فبراير وأبريل 2011 بوصفها المرحلة التأسيسية لمسار الصراع، مع تحليل ديناميات التقدم والتراجع بين الطرفين، وتأثير العوامل الجغرافية والاستراتيجية، وصولاً إلى إعادة تشكيل ميزان القوى عقب التدخل الدولي. ويرتكز التحليل على قراءة تسلسلية للوقائع الميدانية، ضمن إطار يربط بين الأداء العسكري والتحولات السياسية التي أعادت رسم الخريطة الليبية خلال تلك المرحلة.
سيطرة الثوار على مدن الشرق
بدأت المواجهة المسلحة فعلياً مع اتساع نطاق الاحتجاجات في مدن الشرق الليبي، ولا سيما بنغازي والبيضاء وطبرق وأجدابيا، حيث تمكن المتظاهرون من طرد قوات الأمن والشرطة وإحكام السيطرة على المؤسسات المحلية. وقد شكّل هذا التحول انتقالاً من الاحتجاج المدني إلى الصراع المسلح، بعدما لجأ النظام إلى استخدام القوة النارية لقمع التحركات، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من السكان إلى حمل السلاح دفاعاً عن مدنهم.
مع تثبيت السيطرة على الشرق، اتجه الثوار إلى التفكير في نقل المعركة غرباً، باعتبار أن الحسم النهائي للصراع يتطلب الوصول إلى العاصمة طرابلس وكانت مدينة البريقة النفطية أولى محطات هذا الزحف، إذ شهدت في 2 مارس أول معركة كبرى بين الطرفين. ورغم تعثر الهجوم الأول واضطرار الثوار إلى الانسحاب المؤقت، فإنهم أعادوا تنظيم صفوفهم وشنوا هجوماً مضاداً في اليوم ذاته مكّنهم من السيطرة على المدينة، فاتحين بذلك الطريق نحو العقيلة ثم رأس لانوف.
شكّل هذا التقدم السريع عاملاً معنوياً مهماً، إذ أظهر قدرة الثوار على التحرك الهجومي خارج نطاق الدفاع المحلي. وفي 4 و5 مارس، تمكنوا من دخول رأس لانوف بعد اشتباكات عنيفة، مستفيدين من انسحاب تدريجي لبعض وحدات قوات القذافي نحو الداخل الصحراوي. وبوصولهم إلى بن جواد، بلغ الزحف الأول أقصى مداه، قبل أن تتبدل موازين القوى سريعاً مع شن قوات القذافي هجوماً معاكساً مكثفاً في 6 مارس، أعاد المدينة إلى سيطرتها وبدأ مرحلة تراجع الثوار شرقاً.
الزحف الأول للقذافي وحصار بنغازي
مثّل الهجوم المعاكس لقوات القذافي نقطة انعطاف مهمة في مسار العمليات. فبعد استعادة بن جواد، واصلت تلك القوات تقدمها شرقاً، مسترجعة رأس لانوف والبريقة، ودافعة الثوار إلى التمركز مجدداً في أجدابيا وقد اتسم هذا الزحف بكثافة استخدام المدفعية والأسلحة الثقيلة، مقابل ضعف نسبي في تسليح الثوار وتنظيمهم، ما أدى إلى تراجع سريع في خطوطهم الدفاعية.
شكّلت أجدابيا عقدة استراتيجية بحكم موقعها كبوابة لبنغازي، ومع احتدام المعارك فيها، بدا أن ميزان القوى يميل لصالح قوات القذافي. ومع استمرار التقدم، وصلت هذه القوات إلى مشارف بنغازي في 19 مارس، وفرضت حصاراً على المدينة التي أصبحت رمزاً للثورة ومركزها السياسي والعسكري. وقد أثار هذا التطور مخاوف واسعة من سقوط المدينة، بما يعني عملياً إنهاء الثورة في الشرق وإعادة فرض السيطرة المركزية بالقوة.
اتسمت هذه المرحلة بارتفاع حدة الخطاب المتبادل، وتصاعد المخاوف الإنسانية، خاصة مع استخدام القصف المدفعي والصاروخي في مناطق مأهولة كما كشفت عن محدودية قدرة الثوار على الصمود في مواجهة هجوم منظم ومدعوم بقدرات تسليحية تقليدية متفوقة. وبدا أن مسار الصراع يتجه نحو حسم عسكري لصالح النظام، لولا التحول الحاسم الذي أحدثه التدخل الدولي.
التدخل الدولي والزحف الثاني للثوار
مع وصول قوات القذافي إلى بنغازي، بدأت عمليات التحالف الدولي بقصف مواقعها، ما أجبرها على التراجع السريع من محيط المدينة ثم الانسحاب غرباً على طول الساحل حتى سرت. وقد أدى هذا التدخل إلى إعادة تشكيل ميزان القوى، إذ وفر غطاءً جوياً حاسماً مكّن الثوار من استعادة زمام المبادرة والانطلاق في زحف ثانٍ نحو الغرب.
في 21 مارس، تحركت قوات كبيرة من بنغازي باتجاه أجدابيا، وخاضت معارك استمرت عدة أيام، انتهت بطرد قوات القذافي وتأمين المدينة ثم في 27 مارس، استعاد الثوار البريقة والعقيلة ورأس لانوف وبن جواد دفعة واحدة تقريباً، مستفيدين من انسحاب سريع لقوات القذافي تحت تأثير الضربات الجوية. وبنهاية ذلك اليوم، كانوا قد أعادوا السيطرة على كامل الشريط الساحلي شرق سرت.
غير أن هذا التقدم لم يكن مستقراً بالكامل، إذ اصطدم الثوار في منطقة الوادي الأحمر بكمائن وحقول ألغام أجبرتهم على التراجع، ما مهّد لبدء زحف ثانٍ لقوات القذافي أعاد الصراع إلى حالة من الكر والفر وقد كشفت هذه التطورات عن الطبيعة المتحركة للحرب، حيث لم يكن أي تقدم ميدانياً نهائياً، بل كان خاضعاً لتبدل سريع في موازين القوة تبعاً للدعم الجوي والتنظيم الميداني.
الجبهة الغربية وتطويق طرابلس
بالتوازي مع المعارك على محور بنغازي - سرت، شهدت مدن الغرب الليبي انتفاضات متفرقة، أبرزها في مصراتة والزاوية والزنتان. وقد اتسمت معارك مصراتة بشدة خاصة، حيث تمكن الثوار من السيطرة على المدينة في فبراير، قبل أن تتعرض لحصار طويل وقصف مكثف. ومع حلول يونيو، بدأ الثوار في الجبهة الغربية تطوير مستوى التنسيق بينهم، والتحول من الدفاع المحلي إلى عمليات هجومية منسقة.
تمكنت مصراتة من فك الحصار وبدأت قواتها بالتقدم نحو زليتن غرباً وتاورغاء شرقاً، فيما استمرت المعارك في الجبل الغربي بين تقدم وتراجع. ومع أواسط أغسطس 2011، كان الثوار قد استعادوا السيطرة على معظم مدن الجبل، بما في ذلك غريان والزاوية، ما أدى إلى تطويق طرابلس من ثلاث جهات وإغلاق طرق الإمداد الرئيسية إليها، إضافة إلى السيطرة على مصافي النفط في غرب البلاد.
أظهر هذا التطور انتقال الصراع من حرب مواقع ساحلية في الشرق إلى معركة استراتيجية تستهدف مركز السلطة السياسية كما عكس تحسناً نسبياً في قدرة الثوار على التنسيق الميداني، مستفيدين من الخبرات المتراكمة والدعم الخارجي. وهكذا، فإن المرحلة الممتدة من فبراير إلى أبريل 2011 شكّلت الأساس العسكري الذي مهد لاحقاً لمعركة طرابلس وسقوط النظام، وأعادت رسم الخريطة السياسية والعسكرية لليبيا.
خاتماً: تكشف دراسة حرب الشرق الليبي خلال ثورة 17 فبراير عن صراع اتسم بالحركية العالية والتقلب السريع في موازين القوى، حيث تعاقبت مراحل التقدم والتراجع بين الطرفين في ظل بيئة جغرافية مفتوحة وتفاوت كبير في القدرات العسكرية وقد مثّل التدخل الدولي عاملاً حاسماً في منع سقوط بنغازي وإعادة إطلاق الزخم العسكري للثوار، بينما أسهم تطور الأداء الميداني في الجبهة الغربية في نقل الصراع إلى مرحلة الحسم الاستراتيجي.
وعليه، يمكن القول إن تلك المرحلة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كانت لحظة تأسيسية أعادت تشكيل بنية الدولة الليبية وحدود السلطة فيها، وفتحت الباب أمام مسار طويل من التحولات السياسية والأمنية التي ما زالت تداعياتها ممتدة حتى اليوم.
المصدر: مؤسسة ويكيميديا
التاريخ : 4/4/2023
------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: الجزيرة نت
التاريخ : 20/2/2024
