منذ مطلع عام 2026، تشهد منطقة الشرق الأوسط تصاعدًا ملحوظًا في حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، في سياق يعكس إعادة تشكيل تدريجية لموازين القوة الإقليمية والدولية. فقد عادت إدارة الرئيس الأمريكي Donald Trump إلى خطاب تصعيدي مباشر تجاه طهران، بعد مرحلة من التوتر المتقطع بلغت ذروتها في يونيو 2025 فيما عُرف إعلاميًا بـ«حرب الإثني عشر يومًا». ورغم أن شرارة التصعيد الأخير ارتبطت برد فعل أمريكي على قمع الاحتجاجات الداخلية في إيران، فإن مسار الأحداث سرعان ما تجاوز البعد الحقوقي إلى ممارسة ضغوط استراتيجية مركزة على البرنامج النووي الإيراني، في محاولة لانتزاع تنازلات جوهرية من نظام يواجه تحديات داخلية وإقليمية مركبة.
غير أن أهمية هذا التصعيد لا تكمن فقط في أبعاده العسكرية أو السياسية المباشرة، بل تمتد إلى تأثيراته العميقة على أسواق الطاقة العالمية، وعلى رأسها سوق الغاز الطبيعي المسال، الذي أصبح خلال العقد الأخير عنصرًا محوريًا في منظومة أمن الطاقة الدولي. ففي ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتراجع الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي، وارتفاع الطلب الآسيوي المرتبط بالنمو الصناعي، باتت أي اضطرابات في الخليج العربي تنعكس فورًا على الأسعار والتدفقات التجارية والاستثمارات طويلة الأجل. ومن ثم، فإن دراسة التصعيد الأمريكي - الإيراني تقتضي قراءة متكاملة تربط بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد الطاقي، وتستشرف التحولات الهيكلية التي قد تعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية.
مضيق هرمز وأمن الإمدادات
يقف مضيق هرمز في قلب المعادلة الجيوسياسية الراهنة، بوصفه أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم. فمن خلال هذا الشريان الضيق يمر نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات النفط. وتعتمد دول الخليج العربي، وعلى رأسها قطر، بشكل شبه كامل على هذا الممر لتصدير إنتاجها إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية. وبذلك، يصبح أي تهديد لأمن الملاحة فيه تهديدًا مباشرًا لاستقرار أسواق الطاقة العالمية.
تدرك إيران الأهمية الاستراتيجية للمضيق، ولذلك لطالما استخدمته كورقة ردع غير مباشرة في مواجهة الضغوط الغربية. فالتلويح بإغلاقه أو استهداف ناقلات الطاقة لا يتطلب تنفيذًا فعليًا حتى يُحدث أثره؛ إذ يكفي مجرد التهديد لرفع مستويات القلق في الأسواق. ويُترجم هذا القلق سريعًا إلى ما يُعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية»، حيث يضيف المتعاملون تكلفة إضافية على الأسعار تحسبًا لاحتمال تعطل الإمدادات. وهكذا تتحول الجغرافيا من عامل ثابت إلى متغير مؤثر في معادلة التسعير.
إن حساسية سوق الغاز الطبيعي المسال لمضيق هرمز تفوق في بعض الأحيان حساسية سوق النفط، نظرًا لطبيعة العقود المرتبطة بالشحن البحري طويل المسافة، ولتعقيد سلاسل الإمداد التي تتطلب استقرارًا لوجستيًا عاليًا. كما أن محدودية البدائل الفورية في حال الانقطاع تجعل من أي اضطراب - even لو كان مؤقتًا- عاملًا مضاعفًا للتقلبات السعرية. ومن ثم، فإن استمرار التوتر العسكري بين واشنطن وطهران يعمّق إدراك الأسواق بأن أمن الطاقة بات رهينة مباشرة للتوازنات العسكرية في الخليج العربي.
تقلبات الأسعار وبنية السوق
لا تنتظر أسواق الغاز وقوع الأزمة حتى تتفاعل؛ فهي بطبيعتها استباقية، تتحرك وفق التوقعات المستقبلية بقدر ما تتحرك وفق المعطيات الراهنة. ومع كل تصعيد سياسي أو عسكري، ترتفع الأسعار الفورية مدفوعة بثلاثة عوامل مترابطة: أولًا، علاوة المخاطر التي يضيفها المتعاملون تحسبًا للانقطاع المحتمل؛ ثانيًا، ارتفاع تكاليف التأمين البحري على ناقلات الغاز في منطقة الخليج؛ وثالثًا، زيادة أسعار استئجار السفن (Charter Rates) نتيجة تزايد الطلب على تأمين الشحنات.
وقد انعكس ذلك بوضوح على مؤشرات التسعير الأوروبية، وعلى رأسها مؤشر TTF الهولندي، الذي يُعد مرجعًا أساسيًا لتداول الغاز في أوروبا. فمع تصاعد التصريحات الأمريكية في فبراير 2026 بشأن احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران، شهدت العقود الفورية ارتفاعات ملحوظة، رغم عدم وقوع أي تعطيل فعلي للإمدادات. ويؤكد هذا السلوك أن السوق بات يسعّر المخاطر السياسية كجزء دائم من بنيته.
ولا تقتصر الآثار على السوق الفورية، بل تمتد إلى العقود طويلة الأجل، حيث يسعى المشترون إلى إدراج بنود مرونة الوجهة (Destination Flexibility) لتغيير مسارات الشحنات عند الطوارئ، بينما يطالب الموردون بأسعار حد أدنى أعلى (Floor Prices) لتعويض المخاطر المحتملة. وبذلك تتحول علاوة المخاطر من استجابة مؤقتة إلى عنصر هيكلي يعيد تشكيل شروط التعاقد والتفاوض. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن أسواق الغاز لم تعد محكومة فقط بعوامل العرض والطلب التقليدية، بل أصبحت شديدة الارتباط بتقلبات البيئة الاستراتيجية الدولية.
التحولات الهيكلية في خريطة الطاقة
إن أخطر ما في التصعيد الأمريك - الإيراني لا يتمثل في الارتفاع اللحظي للأسعار، بل في التحولات الهيكلية التي يفرضها على استراتيجيات الدول المستوردة والمصدرة على حد سواء. فقد دفعت التوترات المتكررة العديد من الدول الأوروبية والآسيوية إلى تنويع مصادر الإمداد، وتوقيع عقود طويلة الأجل مع موردين جدد، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، لتقليل المخاطر الجغرافية المرتبطة بالخليج العربي.
كما ازداد الاستثمار في مرافق التخزين الاستراتيجي ومحطات إعادة التغويز، إلى جانب تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة باعتبارها وسيلة لتخفيف الاعتماد على الواردات المعرضة للصدمات الجيوسياسية. غير أن هذه البدائل، رغم أهميتها، لا يمكنها على المدى القصير تعويض أي انقطاع واسع النطاق في إمدادات الخليج، نظرًا لضخامة الكميات المتداولة وتعقيد البنية التحتية اللازمة لإعادة توجيه التدفقات.
وعليه، فإن السوق العالمية للغاز تتجه نحو مزيد من التشابك والترابط، بحيث يصبح أي اضطراب إقليمي ذا أثر عالمي مباشر. فالطلب الآسيوي المرتفع، والمنافسة الأوروبية على الشحنات الفورية، والاعتماد المتزايد على الغاز في توليد الكهرباء والصناعة، كلها عوامل تجعل من أمن الإمدادات مسألة استراتيجية تتجاوز حدود الدول المنتجة. وفي هذا السياق، يُعاد تعريف مفهوم «أمن الطاقة» ليشمل الاستقرار السياسي للممرات البحرية، والقدرة على إدارة المخاطر، وتكامل السياسات الطاقية مع الاعتبارات الجيوسياسية.
خاتمة يمكن القول إن التصعيد الأمريكي - الإيراني الراهن يتجاوز كونه مواجهة سياسية أو عسكرية محدودة، ليصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل بنية سوق الغاز الطبيعي العالمية. فحتى المواجهات القصيرة تترك أثرًا طويل الأمد في الأسواق، لأنها تعمّق الإحساس بعدم اليقين وتُكرّس إدماج الجغرافيا السياسية في معادلة التسعير. ومع كل جولة توتر جديدة، تترسخ قناعة بأن أمن الطاقة لم يعد مسألة اقتصادية فحسب، بل قضية استراتيجية ترتبط باستقرار الممرات البحرية والتوازنات الإقليمية.
وفي هذا السياق، تجد دول المنطقة نفسها أمام مفترق طرق تاريخي: فإما أن تبقى متلقية لارتدادات الصراعات الدولية، أو أن توظف موقعها وإمكاناتها لتعزيز أدوارها في النظام الطاقي العالمي. وبينما تستمر القوى الكبرى في إعادة ترتيب أوراقها، يبقى مستقبل أسواق الغاز مرهونًا بقدرة المجتمع الدولي على احتواء الصراعات، وضمان بقاء مضيق هرمز وغيره من الممرات الحيوية بعيدًا عن الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة قد تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية لعقود قادمة.
المصدر : ركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : د. أحمد قنديل
التاريخ : 23/2/2026
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
المصدر : Deutsche Welle
الكاتب : توماس كولمان
التاريخ : 15/1/2026
