يشهد النظام الدولي في المرحلة الراهنة حالةً من السيولة الاستراتيجية غير المسبوقة في المجال النووي، في ظل تراجع منظومة الحد من التسلح، وتصاعد الشكوك المتبادلة بين القوى الكبرى، وتزايد الأزمات الإقليمية ذات الطابع الأمني الحاد. فقد تزامن تعثر المسار التفاوضي بشأن البرنامج النووي الإيراني مع انهيار معاهدة «نيو ستارت» بين الولايات المتحدة وروسيا، فضلًا عن تصاعد الخطاب المرتبط بالردع النووي في عدد من الأقاليم الحيوية، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول مستقبل نظام عدم الانتشار النووي وإمكانية انزلاق العالم نحو سباق تسلح جديد.
في هذا السياق المضطرب، برزت تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بوصفها مؤشرًا على تحوّل نوعي في الخطاب الاستراتيجي لأنقرة، إذ أشار إلى ما وصفه بـ«الظلم النووي العالمي» المرتبط بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1970، ملمّحًا إلى أن بلاده قد تجد نفسها مضطرة لإعادة النظر في خياراتها إذا اختلّ ميزان القوى الإقليمي. وقد أثارت هذه التصريحات ردود فعل دولية، من بينها تعليق المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، ما يعكس حساسية المسألة في الحسابات الجيوسياسية الكبرى.
السياق الدولي للحد من التسلح
شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في فعالية منظومة ضبط التسلح النووي، التي تشكّلت خلال الحرب الباردة لضمان قدر من الاستقرار الاستراتيجي بين القوى الكبرى. ويُعد انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» محطة مفصلية في هذا المسار، إذ كانت الاتفاقية تحدد سقفًا للرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة ومنصات الإطلاق لدى كل من الولايات المتحدة وروسيا، بما أسهم في ضبط التوازن النووي ومنع الانفلات الكمي.
إن رفض تجديد المعاهدة، مقرونًا بإصرار واشنطن على إشراك الصين في أي ترتيبات مستقبلية، ورفض بكين لذلك الطرح، يعكس تحوّلًا في بنية النظام الدولي من ثنائية قطبية مضبوطة إلى تعددية نووية أكثر تعقيدًا. كما أن إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن تجارب صواريخ ذات محرك نووي، وردّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستئناف التجارب النووية، يشيران إلى عودة منطق الردع القائم على استعراض القدرات، بدلًا من الاكتفاء بإدارتها ضمن أطر تعاقدية.
يضاف إلى ذلك استمرار التوتر حول البرنامج النووي الإيراني، بما يحمله من تداعيات مباشرة على توازنات الشرق الأوسط. وتكمن خطورة هذا المشهد في كونه يعيد إنتاج مناخ عدم اليقين الاستراتيجي، ويفتح المجال أمام قوى إقليمية لإعادة تقييم التزاماتها ضمن معاهدة عدم الانتشار، خصوصًا في حال شعرت بتراجع الضمانات الأمنية التقليدية.
الخطاب التركي بين النقد وحسابات الردع
جاءت تصريحات هاكان فيدان في سياق نقدٍ صريحٍ للبنية غير المتكافئة لمعاهدة عدم الانتشار، التي سمحت للدول المالكة للسلاح النووي قبل عام 1970 بالاحتفاظ بترساناتها، مقابل التزامها بنزع تدريجي للسلاح وتسهيل نقل التكنولوجيا النووية السلمية. ويعكس هذا الطرح مقاربة معيارية تشكك في عدالة النظام الدولي، وتربط بين غياب الالتزام بنزع السلاح واستمرار التمييز بين الدول.
غير أن القراءة المتعمقة تكشف أن الخطاب التركي لا ينفصل عن حسابات ردعية عملية. فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وتستفيد من مظلة الردع النووي للحلف، لكنها في الوقت ذاته تقع في بيئة إقليمية شديدة التقلب، تشمل أزمات في سوريا والعراق وشرق المتوسط، إضافة إلى التهديدات المرتبطة بالملف الإيراني. ومن ثمّ، فإن إثارة احتمال الانخراط في سباق تسلح نووي لا يعني بالضرورة قرارًا استراتيجيًا وشيكًا، بقدر ما يمثل ورقة ضغط سياسية ضمن معادلة توازن القوى.
كما أن تأكيد أنقرة التزامها الحالي بمعاهدة عدم الانتشار، وغياب برنامج عسكري نووي معلن، يشير إلى أن التصريحات تدخل في إطار إعادة التموضع الاستراتيجي، أكثر من كونها إعلانًا عن تحوّل وشيك في العقيدة الدفاعية التركية.
المتغيرات الإقليمية وديناميات سباق التسلح
يتأثر الموقف التركي أيضًا بالتحولات الإقليمية المتسارعة. فاحتمالات فشل المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران، مقرونة بتهديدات متبادلة باستخدام القوة، ترفع منسوب القلق الأمني في المنطقة. وفي حال تحوّل إيران إلى دولة على عتبة نووية، فإن ذلك قد يدفع قوى إقليمية أخرى إلى إعادة حساباتها، في إطار ما يُعرف بتأثير العدوى النووية.
إلى جانب ذلك، فإن توقيع اتفاقيات تعاون نووي مدني بين الولايات المتحدة ودول في الفضاء السوفيتي السابق، مثل أرمينيا، يعكس إعادة ترتيب للتحالفات في مجالات الطاقة النووية السلمية، بما يحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز البعد التقني. فالتعاون النووي المدني غالبًا ما يشكل قاعدة معرفية وصناعية يمكن تطويرها لاحقًا، وإن ظل ذلك خاضعًا للرقابة الدولية.
من هذا المنظور، تبدو تركيا حريصة على عدم الإخلال بالتوازن الهش في الإقليم، لكنها في الوقت ذاته تلوّح بخيار الردع النووي بوصفه احتمالًا مشروطًا بتدهور البيئة الأمنية. وهذا التلويح قد يسهم في إعادة تشكيل حسابات الفاعلين الآخرين، دون أن يعني بالضرورة اندلاع سباق تسلح وشيك.
السيناريوهات المحتملة لموقع تركيا النووي
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الموقف التركي في المجال النووي. يتمثل السيناريو الأول في استمرار الالتزام الصارم بمعاهدة عدم الانتشار، مع تعزيز الاعتماد على مظلة الناتو وتطوير القدرات التقليدية والصاروخية، دون الانتقال إلى خيار نووي عسكري.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على توسيع القدرات النووية السلمية والبنية التحتية التقنية، بما يمنح أنقرة قدرة كامنة أو «خيار العتبة» دون إعلان امتلاك سلاح نووي، وهو مسار يتيح مرونة استراتيجية مع تجنب كلفة الانتهاك الصريح للمعاهدات الدولية.
في حين يفترض السيناريو الثالث حدوث تحوّل جذري في البيئة الأمنية – كامتلاك إيران سلاحًا نوويًا فعليًا أو انهيار كامل لمظلة الردع الأطلسية – بما يدفع أنقرة إلى مراجعة التزاماتها الدولية بصورة مباشرة. غير أن هذا السيناريو يبقى الأقل ترجيحًا في المدى المنظور، نظرًا للتكلفة السياسية والاقتصادية الباهظة التي قد تترتب عليه.
خاتمة: تعكس التصريحات التركية الأخيرة إدراكًا عميقًا لحالة التحول التي يشهدها النظام النووي الدولي، حيث تتراجع قيود الحد من التسلح وتتزايد الشكوك بشأن الضمانات الأمنية. وبينما تنتقد أنقرة ما تعتبره ظلمًا بنيويًا في معاهدة عدم الانتشار، فإنها لا تزال ملتزمة رسميًا بها، مع الاحتفاظ بهامش مناورة استراتيجي في حال اختلال التوازن الإقليمي.
إن مستقبل تركيا في المعادلة النووية سيظل رهينًا بتطورات البيئة الدولية، لا سيما مسار العلاقات الأمريكية–الروسية، ومآلات الملف الإيراني، ومستقبل نظام عدم الانتشار ذاته. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن أنقرة تسعى إلى توظيف الخطاب النووي كأداة ردع سياسية، أكثر من سعيها الفوري إلى امتلاك السلاح النووي، ما يعكس براغماتية استراتيجية تحاول التوفيق بين الالتزامات الدولية ومتطلبات الأمن القومي.
المصدر: مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية
الكاتب : شيماء عبد الحميد
التاريخ : 23/2/2026
----------------------------------------------------------------------------------
المصدر: صحيفة صدى البلد
التاريخ : 10/2/2026
