الحرب الروسية – الأوكرانية في عامها الرابع
فرع القاهرة

مع حلول الذكرى السنوية الرابعة لاندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في فبراير 2026، دخل الصراع مرحلة جديدة تتسم بتشابك الأبعاد العسكرية والسياسية والدبلوماسية على نحو أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى منذ عام 2022. فقد أطلقت موسكو عمليتها العسكرية وهي تتوقع حسمًا سريعًا يفضي إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية الأوكرانية، إلا أن الحرب تحولت إلى صراع استنزاف طويل الأمد بفعل المقاومة الأوكرانية، وحجم الدعم العسكري والمالي الذي تلقته كييف من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

وجاءت الذكرى الرابعة للحرب محمّلة بتطورات لافتة، تمثلت في تحقيق الجيش الأوكراني تقدمًا ميدانيًا على الجبهة الجنوبية في 23 فبراير 2026، بعد نحو عام ونصف من التراجع النسبي أمام الضغوط الروسية. كما تزامن ذلك مع حراك أوروبي مكثف لتجديد الالتزام بدعم أوكرانيا، في ظل مؤشرات على تباين متزايد في الرؤى بين أوروبا والولايات المتحدة بشأن مسار إنهاء الحرب. وقد عكست هذه التطورات تداخلًا واضحًا بين الميدان والسياسة، بحيث أصبح كل تحرك عسكري يحمل رسالة تفاوضية، وكل موقف دبلوماسي يستند إلى معادلات القوة على الأرض.

يسعى هذا التقرير إلى تحليل المرحلة الراهنة من الحرب عبر أربعة محاور رئيسية: أولًا، تطور المشهد العسكري في الذكرى الرابعة؛ ثانيًا، إعادة التموضع الأوروبي وتعزيز الدعم العسكري؛ ثالثًا، التباين الأوروبي-- الأمريكي حول مسار التسوية؛ ورابعًا، آفاق المفاوضات وإشكالية السلام في ظل استمرار التصعيد.

تغير ميزان القوى الميداني

شهدت الأيام التي سبقت الذكرى الرابعة للحرب تطورًا ميدانيًا مهمًا تمثل في إعلان كييف استعادة قرابة 400 كيلومتر مربع في منطقة دينيبرو بيتروفسك، وفق البيانات العسكرية الرسمية الأوكرانية. ويكتسب هذا التقدم دلالته من توقيته، إذ جاء بعد فترة طويلة من الجمود النسبي والتراجع التكتيكي على عدة جبهات، ما منح القيادة الأوكرانية فرصة لإعادة بناء سرديتها حول القدرة على استعادة المبادرة.

لم يقتصر التحرك الأوكراني على العمليات البرية، بل امتد إلى توسيع نطاق الهجمات بالطائرات المسيّرة ضد أهداف استراتيجية داخل العمق الروسي، بما في ذلك منشآت نفطية مرتبطة بخط أنابيب دروجبا، الذي يُعد أحد أهم مسارات تصدير النفط الروسي إلى أوروبا. وتحمل هذه الضربات بعدًا يتجاوز الطابع العسكري، إذ تسعى كييف من خلالها إلى الضغط على البنية الاقتصادية الروسية وتقويض عائدات الطاقة، التي تمثل ركيزة أساسية لتمويل المجهود الحربي لموسكو.

في المقابل، واصلت روسيا استراتيجيتها القائمة على استهداف البنية التحتية الأوكرانية، خصوصًا منشآت الطاقة وشبكات الكهرباء، في محاولة لإضعاف القدرة الصناعية والعسكرية لكييف، وفرض كلفة اجتماعية مرتفعة على استمرار الحرب. ويعكس هذا النمط من العمليات المتبادلة تحوّل الحرب إلى صراع استنزاف مركّب، تتداخل فيه الجبهات العسكرية مع جبهات الاقتصاد والطاقة، بحيث يصبح تحقيق مكاسب محدودة على الأرض وسيلة لتحسين الموقع التفاوضي أكثر من كونه حسمًا استراتيجيًا نهائيًا.

وبذلك، فإن التقدم الأوكراني في فبراير 2026 لا يعني انقلابًا جذريًا في ميزان القوى، بقدر ما يشير إلى قدرة كييف على منع روسيا من تثبيت واقع ميداني نهائي. إنه تقدم رمزي واستراتيجي في آنٍ واحد، يعيد التأكيد على أن الحرب ما زالت مفتوحة على احتمالات متعددة، وأن أي حديث عن تسوية سياسية سيظل مرهونًا بالمعطيات المتغيرة على خطوط التماس.

 

 

إعادة التموضع الأوروبي

بالتوازي مع التطورات الميدانية، برز حراك أوروبي واضح لإعادة تثبيت الالتزام بدعم أوكرانيا. ففي 24 فبراير 2026، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال زيارتها إلى كييف أن الاتحاد الأوروبي سيواصل دعمه المالي والعسكري لكييف «طالما اقتضت الضرورة». وجاءت هذه الزيارة في لحظة رمزية، لتؤكد أن أوروبا لا تنظر إلى الحرب باعتبارها أزمة خارجية، بل تحديًا مباشرًا لأمنها القومي.

وقبيل هذه الزيارة، أعلن وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أن حلفاء أوكرانيا تعهدوا بتقديم 35 مليار دولار من المساعدات العسكرية، مع تركيز خاص على تعزيز أنظمة الدفاع الجوي لمواجهة الهجمات الروسية المكثفة. كما برز توجه نرويجي - فرنسي لتزويد كييف بقنابل ذكية ومعدات مراقبة متقدمة، في خطوة تعكس تطور نوعية الدعم من الإسناد الدفاعي التقليدي إلى دعم أكثر تخصصًا ودقة.

يحمل هذا الحراك الأوروبي دلالات استراتيجية مزدوجة. فمن جهة، يسعى إلى ردع موسكو ومنعها من تحقيق حسم عسكري قد يفرض تسوية بشروط روسية. ومن جهة أخرى، يوجّه رسالة ضمنية إلى إدارة Donald Trump، مفادها أن أوروبا قادرة على تحمل نصيب أكبر من عبء الدعم، وأنها ترفض تهميشها في أي مفاوضات مستقبلية مع روسيا. وهكذا يتحول الدعم العسكري إلى أداة لإعادة تعريف موقع أوروبا في هندسة الأمن الأوروبي، بعد سنوات من الاعتماد المكثف على المظلة الأمريكية.

تباين الرؤى عبر الأطلسي

تزامن التصعيد الميداني والحراك الأوروبي مع جولة مباحثات استضافتها جنيف، هدفت إلى بحث آلية محتملة لمراقبة وقف إطلاق النار. وقد عكس نقل المحادثات إلى جنيف - بدلًا من استمرارها في مسارات أخرى - رغبة أوكرانية وأوروبية في منع عزل الاتحاد الأوروبي عن العملية التفاوضية، خاصة في ظل مخاوف من ترتيبات قد تُبرم بعيدًا عن بروكسل.

ويكشف هذا التطور عن تباين متزايد بين الرؤية الأوروبية والرؤية الأمريكية لإنهاء الحرب. فبينما تبدو بعض الدوائر في واشنطن أكثر انفتاحًا على تسوية سريعة تُجمّد خطوط التماس الحالية، تُبدي العواصم الأوروبية حذرًا واضحًا من أي اتفاق قد يُكرّس مكاسب روسية أو يحوّل أوكرانيا إلى منطقة عازلة بين روسيا والاتحاد الأوروبي. ويستند هذا الحذر إلى تقدير أوروبي مفاده أن أي تسوية غير متوازنة قد تشجع موسكو على إعادة اختبار تماسك أوروبا في المستقبل.

في هذا السياق، يصبح المسار التفاوضي ساحة تنافس غير مباشر بين الحلفاء أنفسهم، حول شكل النظام الأمني الأوروبي بعد الحرب. فالسؤال لم يعد فقط: كيف تنتهي الحرب؟ بل أيضًا: من يملك صياغة شروط النهاية؟ إن هذا التباين لا يعني قطيعة عبر الأطلسي، لكنه يعكس إعادة تعريف للأدوار والمسؤوليات في ظل تحولات النظام الدولي نحو تعددية أكثر تعقيدًا.

آفاق التسوية ومعضلة السلام

رغم أجواء التفاؤل الحذر التي رافقت مباحثات جنيف، فإن التصريحات الأوروبية المتتالية تشير إلى انخفاض فرص التوصل إلى اتفاق سلام شامل في المدى القريب. فالاتهامات المتبادلة بشأن استخدام المفاوضات لفرض «واقع ميداني» تجعل من أي وقف إطلاق نار محتمل مجرد هدنة مؤقتة لا تعالج جذور الصراع.

تكمن معضلة التسوية في التباين الجذري بين أهداف الأطراف. فروسيا تسعى إلى تثبيت مكاسبها الإقليمية وضمانات أمنية تحد من توسع الناتو، بينما تصر أوكرانيا -بدعم أوروبي - على استعادة سيادتها الكاملة وضمان أمنها طويل الأمد. وفي ظل هذا التباعد، يصبح وقف إطلاق النار خطوة إجرائية أكثر من كونه حلًا نهائيًا.

كما أن استمرار الدعم العسكري الأوروبي يعكس قناعة بأن تحسين الموقع التفاوضي يتطلب الحفاظ على توازن ميداني يمنع روسيا من فرض شروطها. غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر إطالة أمد الحرب وتعميق كلفتها البشرية والاقتصادية. ومن ثم، فإن السلام في الحالة الأوكرانية لم يعد مجرد اتفاق سياسي، بل عملية معقدة تتطلب إعادة صياغة ترتيبات الأمن الأوروبي برمتها.

خاتماً: في عامها الرابع، لم تعد الحرب الروسية - الأوكرانية مجرد نزاع إقليمي، بل تحولت إلى اختبار شامل لقدرة أوروبا على صياغة أمنها الذاتي، ولتماسك التحالف الغربي في مواجهة قوة مراجِعة للنظام الدولي. وقد أظهرت تطورات فبراير 2026 أن الميدان لا يزال عنصرًا حاسمًا في تحديد مسار السياسة، وأن كل تقدم عسكري يعيد تشكيل الحسابات الدبلوماسية.

كما كشفت المرحلة الراهنة عن بروز دور أوروبي أكثر استقلالية، يسعى إلى تجنب تهميشه في أي تسوية محتملة، وعن تباين نسبي في الرؤى عبر الأطلسي بشأن شروط إنهاء الحرب. وفي ظل استمرار التصعيد وتضارب الأهداف، يبدو أن السلام لا يزال بعيد المنال، وأن الحرب ستبقى، في المدى المنظور، صراعًا مفتوحًا بين منطق الاستنزاف ومنطق التسوية.

وبذلك، فإن الذكرى الرابعة للحرب لا تمثل محطة ختامية، بل مرحلة انتقالية في صراع يعيد رسم حدود القوة والنفوذ في أوروبا، ويختبر في الوقت ذاته قدرة النظام الدولي على إدارة الأزمات الممتدة دون انزلاق نحو مواجهات أوسع.

 

 

المصدر: مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية

التاريخ : 24/2/2026

---------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: مونت كارلو الدولية

التاريخ : 26/2/2026


المقالات الأخيرة