في أعقاب الضربة الاستباقية التي شنتها الولايات المتحدة في صباح السبت 28 فبراير 2026 على إيران، والتي أسفرت عن مقتل كبار القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين، وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، فضلًا عن كثير من الخسائر المادية والبشرية الأخرى، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كلمة مصورة له على منصة “تروث سوشيال”، تضمنت العديد من الرسائل والدلالات، وكشفت أبعاد عدة لعملية “ملحمة الغضب” ضد طهران، كما أطلقت عليها واشنطن، ويمكن إيجاز تلك الرسائل على النحو التالي:
تجنب توصيف الضربة بـ”الحرب”؛ وصف الرئيس الأمريكي في كلمته، الضربة بأنها “عملية قتالية كبرى” ضد إيران، مشيرًا إلى إنها قد تكون مفتوحة ومستمرة، ويمكن تفسير ذلك على أنه محاولة من ترامب لتجنب توصيف المشهد الراهن على إنه حرب؛ رغبةً منه في تخطي الكونجرس، والذي يجب أن يحصل على موافقته أولًا قبل دخول الولايات المتحدة في أي حرب طويلة الأمد، استنادًا لقانون “صلاحيات الحرب” الأمريكي، والصادر في نوفمبر 1973.
الهجوم على إيران
استدعاء التاريخ لتبرير الهجوم على إيران؛ في ظل جهود الوساطة الإقليمية والدولية، ودعوات ومطالب دول المنطقة المتواصلة لتجنب الخيار العسكري في حسم الصراع الأمريكي- الإيراني، أراد الرئيس دونالد ترامب أن يجد ذريعة تبرر الهجوم على طهران، وتكسبه شرعية قانونية، سواء على صعيد الداخل الأمريكي، أو على الصعيد الإقليمي والدولي، ولذلك؛ عدد الرئيس ترامب خلال كلمته، كافة الأزمات التي كان سببًا في توتر العلاقات بين واشنطن وطهران، قائلًا:
على مدى 47 عامًا، ظل النظام الإيراني يردد شعار “الموت لأمريكا”، ويشن حملة لا تنتهي من سفك الدماء والقتل الجماعي، تستهدف الولايات المتحدة وقواتها، وأبرياء في دول كثيرة جدًا من بين أوائل أفعال النظام، دعمه الاستيلاء العنيف على السفارة الأمريكية في طهران، واحتجاز عشرات الرهائن الأمريكيين لمدة 444 يومًا وفي عام 1983، نفذت أذرع إيران تفجير ثكنات مشاة البحرية في بيروت، الذي أسفر عن مقتل 241 من أفراد الجيش الأمريكي.
وفي عام 2000، كانوا يعلمون وربما شاركوا في الهجوم على المدمرة الأمريكية “يو إس إس كول”، والذي أسفر عن قتل كثيرينوفي السنوات الأخيرة، قتلت القوات الإيرانية وجرحت مئات من أفراد الخدمة الأمريكية في العراق، وواصلت أذرع النظام إطلاق هجمات لا تُحصى ضد القوات الأمريكية المتمركزة في الشرق الأوسط، وكذلك ضد سفن البحرية الأمريكية والسفن التجارية الأمريكية وممرات الملاحة الدولية.
مهاجمة النظام الإيراني
مهاجمة النظام الإيراني وليس البرنامج النووي؛ أشار الرئيس ترامب في كلمته إلى أن الهدف من العملية هو “الدفاع عن الشعب الأمريكي من خلال القضاء على التهديدات الوشيكة الصادرة عن النظام الإيراني، وأنشطته العدائية، التي تهدد بشكل مباشر الولايات المتحدة، وقواتها، وقواعدها في الخارج، وحلفاءها في أنحاء العالم، فإيران هي الراعي الأول للإرهاب على مستوى الدول في العالم، ولهذه الأسباب، يباشر الجيش الأمريكي عملية ضخمة ومستمرة لمنع هذه الديكتاتورية المتطرفة من تهديد واشنطن ومصالح أمنها القومي الأساسية”.
ومن ثم؛ يختلف هدف عملية “ملحمة الغضب” عن هدف عملية “منتصف الليل” التي نفذتها الولايات المتحدة على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو الماضي، فهذه المرة لم يكن الهدف هو تعطيل أو تدمير البرنامج النووي الإيراني، بل خلخلة أسس وأركان النظام الإيراني ذاته.
توجيه دعوة مباشرة للشعب الإيراني لإسقاط الجمهورية الإسلامية؛ خاطب ترامب خلال كلمته الشعب الإيراني قائلًا “ساعة حريتكم قد حانت، تولوا أنتم حكومة بلادكم، لعلها ستكون فرصتكم الوحيدة لأجيال”، مضيفًا “لسنوات طويلة طلبتم مساعدة الولايات المتحدة، لكنكم لم تحصلوا عليها، الآن لديكم رئيس يمنحكم ما تريدون، فواشنطن تدعمكم بقوة ساحقة، الآن هو وقت السيطرة على مصيركم، وإطلاق مستقبل مزدهر بات قريبًا وفي متناول أيديكم، هذه لحظة التحرك، لا تدعوها تفلت”.
ويمكن تفسير تلك التصريحات بأن الرئيس الأمريكي، أولًا؛ يرغب في تبرير عمليته العسكرية الاستباقية، والتي جاءت في وقت تستمر فيه جهود الوساطة والمسار التفاوضي، تحت ذريعة نصرة الشعب الإيراني، وتلبية مطالبه في إسقاط نظام ولاية الفقيه، وثانيًا؛ يدرك أن ضرباته الصاروخية الكثيفة، واغتياله لكبار القادة في البلاد، بما فيهم المرشد نفسه، لن تسفر عن النتيجة التي يسعى إليها؛ ألا وهي إسقاط النظام الإيراني، وأنه ينبغي إلى جانب تلك الضربات، أن يكون هناك حراك شعبي داخلي رافض لاستمرار الجمهورية الإسلامية في البلاد.
سلب أدوات الردع الإيراني
رغبة أمريكية في سلب كافة أدوات الردع الإيراني؛ أكد الرئيس الأمريكي خلال كلمته أن “إيران رفضت كل فرصة للتخلي عن طموحاتها النووية، بل إنها حاولت إعادة بناء برنامجها النووي، ومواصلة تطوير صواريخ بعيدة المدى يمكنها الآن تهديد أصدقائنا وحلفائنا في أوروبا، وقواتنا المتمركزة في الخارج، وقد تصل قريبًا إلى الأراضي الأمريكية”.
كما توعد ترامب، إيران خلال تصريحاته، قائلًا “سندمر صواريخهم ونسوي صناعة الصواريخ لديهم بالأرض، سنُبيد بحريتهم، وسنضمن ألا تعود أذرع الإرهاب في المنطقة قادرة على زعزعة استقرار المنطقة أو العالم أو مهاجمة قواتنا، وسنضمن أن إيران لن تحصل أبدًا على سلاح نووي”.
ويبدو من تلك التصريحات أن مخاوف الولايات المتحدة من إيران، لا تتمحور فقط حول البرنامج النووي، بل أن واشنطن رغبت في تجريد النظام الإيراني من جميع قدراته الردعية في سبيل بقاءه وعدم تعرضه لتلك الضربة الأمريكية- الإسرائيلية القاسمة، وهو ما رفضته طهران، مما أفضى إلى الوضع الحالي.
استعداد أمريكي لتحمل الخسائر في مقابل التخلص من النظام الإيراني؛ أكد الرئيس ترامب خلال كلمته أن “اتخذت الإدارة الأمريكية كل خطوة ممكنة لتقليل المخاطر على أفراد الجيش الأمريكي في المنطقة، ومع ذلك، وقد تُزهق أرواح أبطال أمريكيين شجعان، وقد نتكبد خسائر، يحدث ذلك كثيرًا في الحرب، لكننا نفعل هذا ليس من أجل الآن، نحن نفعل هذا من أجل المستقبل، ولضمان ألا يُهدد الأمريكيون بإيران مسلحة نوويًا”.
ويتضح من هذا التصريح أن ترامب قرر المغامرة بالدخول في صدام عسكري مع إيران، وهو يعلم خطورة تبعات الأمر، ويدرك أن هناك خسائر قد تتكبدها الولايات المتحدة، ولكنه فضل أن يخوض تلك “الحرب” المحتملة ضد طهران، على أن يسمح لإيران أن تحتفظ ببرنامجيها النووي والصاروخي الباليستي.
وإجمالًا؛ يقف الشرق الأوسط الآن عند مفترق طرق مفصلي، فما بعد عملية “ملحمة الغضب” لن يكون كما كان قبلها، بل قد يُعاد تشكيل الشرق الأوسط وفقًا للرؤية الأمريكية- الإسرائيلية، والتي سبق وأن أعلنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تحت مسمى “الشرق الأوسط الجديد”، وفي حال تحييد إيران، وبعدها القوى الإقليمية السنية الأخرى سواء تركيا أو غيرها من دول المنطقة، ستتحقق تلك الرؤية، والتي قد يصح تسميتها بـ” الشرق الأوسط الإسرائيلي الجديد”.
المصدر: مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية
الكاتب : شيماء عبد الحميد
التاريخ : 1/3/2026
----------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: بالعربية
التاريخ : 1/3/2026
