تمثل المواجهة العسكرية الراهنة مع إيران لحظة فارقة في تاريخ النظام الإقليمي للشرق الأوسط، إذ انتقل الصراع من نمط الحروب غير المباشرة وحروب الوكلاء إلى مستوى الاشتباك شبه المباشر بين قوى تمتلك قدرات عسكرية تقليدية ومتقدمة، بما في ذلك الصواريخ بعيدة المدى وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة وأدوات الحرب السيبرانية. هذه المرحلة ليست مجرد تصعيد عابر، بل هي نقطة تحوّل استراتيجية في معادلات الردع الإقليمي والدولي، حيث تتقاطع الحسابات الأمنية مع رهانات الهيمنة الإقليمية ومخاوف الانتشار النووي وأمن الطاقة العالمي.
في هذا السياق، تتجه المنطقة نحو مفترق طرق حاسم بين احتواء التصعيد ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تعيد تشكيل خرائط التحالفات وموازين القوى لعقود مقبلة. فالتداعيات المحتملة لهذه المواجهة لا تقتصر على البعد العسكري فقط، بل تشمل أيضًا أسواق الطاقة، وأمن الممرات البحرية، واستقرار الدول الهشة في المنطقة، ومستقبل النظام الإقليمي ذاته.
خلفيات الضربة الكبرى
شكّلت أحداث 28 فبراير 2026 نقطة تحوّل استراتيجية غير مسبوقة في مسار الصراع الإقليمي، إذ انتقل التنافس بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى من نمط “حرب الظل” والعمليات غير المباشرة إلى مستوى المواجهة العسكرية المباشرة المفتوحة. منذ سنوات، اعتمدت الأطراف الثلاثة على أدوات الردع غير التقليدي، مثل الاغتيالات السيبرانية، والضربات المحدودة، والحروب بالوكالة عبر الميليشيات الإقليمية، لكنها شهدت تحولًا نوعيًا في الأساليب بعدما أصبحت الضربة الاستباقية الواسعة، التي استهدفت العمق الإيراني بمنطقة طهران تحديدًا، نقطة فارقة. تلك الضربة مثلت "كسر المحظورات الاستراتيجية"، حيث نُفذت عبر تنسيق أمريكي–إسرائيلي باستخدام صواريخ بعيدة المدى وطائرات مقاتلة ومسيرات هجومية. استهدفت العملية مراكز القيادة والمنشآت العسكرية الحساسة في إيران، وهو ما وصفته تل أبيب بأنه "هجوم استباقي لإزالة التهديدات الوجودية".
تكمن خطورة هذه الضربة في أنها لم تقتصر على تدمير أهداف عسكرية تقليدية، بل طالت قلب النظام السياسي والأمني الإيراني، بما في ذلك مجمعات القيادة العليا في طهران. هذا الهجوم المباشر أسفر عن أزمة قيادة داخلية عميقة في إيران، حيث استهدفت العملية شل قدرة إيران على اتخاذ القرار وإدارة الرد، وعرّضت شبكتها الأمنية لارتباك. تشير التقديرات إلى أن الضربة قد تسببت في إضعاف مركز القرار الإيراني بشكل كبير، وهو ما يعكس انهيارًا في منظومة الردع التي كانت تعتمد بشكل أساسي على التهديد بالانتقام عبر شبكة حلفائها الإقليميين. ولا يمكن إغفال المدى السياسي لهذه الضربة، إذ إن مقتل قيادات عليا، وأهمها المرشد الأعلى الإيراني، إن ثبت نهائيًا، يمثل زلزالًا سياسيًا يعادل انهيار مركز ثقل النظام الإيراني بأسره، مما يفتح بابًا لسيناريوهات عدم استقرار داخلي قد يؤدي إلى إعادة تشكيل السلطة.
هذا الهجوم يعكس أيضًا تحولًا جذريًا في العقيدة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، حيث انتقلت من سياسة الاحتواء والردع إلى استراتيجية "المنع بالقوة"، أي تدمير مصادر التهديد قبل اكتمالها، خاصة فيما يتعلق بالبرنامجين الصاروخي والنووي الإيرانيين. الولايات المتحدة أعلنت أن الهدف الأساسي من الهجوم هو تعطيل القدرات العسكرية الإيرانية ومنعها من امتلاك سلاح نووي، بل ودفع النظام الإيراني نحو التغيير. في هذا السياق، يظهر أن هذه العملية لم تكن مجرد تكتيك محدود بل جزءًا من رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بشكل شامل.
في المقابل، جاء الرد الإيراني سريعًا لكنه محسوب، حيث أطلقت طهران موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل وقواعد أمريكية في عدة دول بالمنطقة. هدف الرد الإيراني كان إظهار القدرة على الردع وإعادة توازن القوى، محاولة عدم تكريس صورة العجز أمام خصومها. إلا أن هذا الرد الذي استهدف نطاقًا إقليميًا واسعًا كشف أن المواجهة لم تعد ثنائية، بل تحولت إلى صراع متعدد المسارح قد يمتد إلى الخليج وشرق المتوسط والبحر الأحمر، مما يعكس تعقيدًا أكبر في المعادلة العسكرية. أظهرت هذه الضربات أن إيران لا تزال تعتمد على استراتيجية "التصعيد المحكوم"، حيث تنفذ الردود بشكل تدريجي لتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تهدد استقرار النظام الإيراني.
الأهداف الاستراتيجية للأطراف المتحاربة
تعكس المواجهة الراهنة مع إيران صراعًا يتجاوز حدود العمليات العسكرية المباشرة ليصل إلى مستوى إعادة تعريف الأهداف الاستراتيجية الكبرى لكل طرف. هذا الصراع يشكل سعيًا متبادلًا لفرض معادلة ردع جديدة تهدف إلى إعادة تشكيل توازن القوى في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة وإسرائيل لا تنظران إلى الضربة العسكرية باعتبارها مجرد رد على تهديد آني، بل كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقويض قدرة إيران على تهديد الأمن الإقليمي، وإعادة ترسيخ التفوق العسكري النوعي، ومنع نشوء قوة إقليمية قادرة على تحدي الهيمنة الغربية في المنطقة. في هذا السياق، ركزت الضربات على مراكز الثقل الاستراتيجية في إيران، بما يشمل البنية التحتية العسكرية، والمنشآت النووية، ومنظومات الصواريخ، وشبكات القيادة والسيطرة. هدف العملية هو إحداث فجوة طويلة الأمد في القدرات الإيرانية وليس مجرد إضعاف مؤقت، مما يعكس تحولًا في العقيدة العسكرية باتجاه تدمير مصادر التهديد قبل اكتمالها.
من جهتها، تسعى إسرائيل إلى تحقيق هدف مزدوج يتمثل في إزالة التهديد الوجودي المحتمل من البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين. وفي الوقت ذاته، تهدف إلى إعادة ترميم قوة الردع التي تآكلت بفعل تعدد الجبهات المحيطة بها. فتل أبيب تدرك أن بقاء إيران كقوة إقليمية قادرة على العمل عبر شبكة واسعة من الحلفاء يشكل تهديدًا دائمًا، مما يعزز حالة استنزافها الأمنية. لذلك، تسعى إسرائيل إلى نقل المعركة إلى العمق الإيراني نفسه، بما يحول دون استمرار نموذج "الحرب بالوكالة" الذي أرهق البيئة الأمنية الإسرائيلية لسنوات. هذا التحول لا يقتصر فقط على الرد العسكري، بل يتضمن رسالة ردعية قوية موجهة إلى باقي الفاعلين الإقليميين، مفادها أن القدرة على الوصول إلى العمق الاستراتيجي لأي خصم أصبحت خيارًا متاحًا.
أما الولايات المتحدة، فتتحرك وفق منظور أوسع يرتبط بالحفاظ على استقرار النظام الدولي للطاقة وأمن الممرات البحرية، فضلا عن منع أي قوة إقليمية من تهديد مصالحها أو مصالح حلفائها. تسعى واشنطن أيضًا إلى إعادة ترسيخ مصداقية الردع الأمريكي بعد سنوات من الانكفاء النسبي، بهدف إظهار قدرتها على إدارة الأزمات الكبرى في بيئة دولية تتسم بتزايد التنافس مع قوى كبرى أخرى. وبالتالي، فإن الانخراط الأمريكي في المواجهة لا يقتصر على دعم إسرائيل، بل يشمل استراتيجية أوسع لاحتواء النفوذ الإيراني ومنع تحوله إلى عامل مخل بالتوازنات الدولية.
في المقابل، ترتكز الاستراتيجية الإيرانية على الحفاظ على بقاء النظام واستمرارية قدرته على التأثير الإقليمي، وهو ما يفسر اعتماد إيران على الرد المتدرج وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تستنزف مواردها وتعرضها لضربات مدمرة. تدرك إيران أن ميزان القوى التقليدي لا يميل لصالحها في مواجهة مباشرة طويلة الأمد، لذلك تواصل الاعتماد على أدوات الردع غير المتماثل. تشمل هذه الأدوات الصواريخ بعيدة المدى، والطائرات المسيّرة، والشبكات الإقليمية الحليفة، وكذلك القدرات السيبرانية. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى خلق "توازن الضعف"، بحيث تصبح تكلفة استهداف إيران مرتفعة بما يكفي لردع خصومها عن تصعيد النزاع إلى مستويات قد تهدد بقاء النظام.
تصعيد الموقف العربي
في خضم التصعيد العسكري الراهن مع إيران، برزت المواقف العربية كعنصر حاسم في إدارة الأزمة واحتواء تداعياتها المحتملة على الأمن الإقليمي. إذ وجدت الدول العربية نفسها في موقف معقد، يتطلب منها التعامل مع تحدٍ مزدوج يتمثل في الحفاظ على استقرارها الداخلي وحماية مصالحها الحيوية من جهة، والتعامل مع واقع المواجهة العسكرية المباشرة بين قوى كبرى من جهة أخرى. فالدول العربية، التي طالما تأثرت بتداعيات الصراعات الإقليمية الممتدة، مدفوعة بقلق عميق من احتمالية التصعيد إلى حرب شاملة قد تهدد الأمن الإقليمي.
اتخذت المملكة العربية السعودية، بالتنسيق مع مصر، موقفًا يركز على احتواء التصعيد والابتعاد عن الانخراط المباشر في العمليات العسكرية. فقد أعربت الرياض عن قلقها العميق إزاء تصاعد المواجهة، مؤكدة على أهمية تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تؤثر بشكل كارثي على أمن الملاحة في الخليج وأمن الإمدادات النفطية العالمية. في الوقت ذاته، اتخذت المملكة تدابير عملية لتعزيز قدراتها الدفاعية، حيث تم تعزيز الدفاعات الجوية وحماية المنشآت النفطية الحيوية، خاصة بعد الهجمات السابقة على مرافق حيوية.
أما الكويت وقطر، فقد اتخذت كلتا الدولتين سياسة الحياد الاستراتيجي، حيث دعتا إلى اجتماع طارئ لمجلس التعاون لدول الخليج العربية بهدف مناقشة التصعيد وتنسيق الرد الإقليمي. وقد ركزت هذه الدول على حماية أراضيها ومواطنيها من أي تهديد محتمل، مع التأكيد على الحفاظ على موقف غير منحاز في العمليات العسكرية. في الوقت ذاته، أبدت الكويت وقطر استعدادًا لتقديم الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية الموجودة في المنطقة ضمن إطار اتفاقيات الدفاع المشترك، دون الانخراط المباشر في العمليات القتالية.
دولة الإمارات العربية المتحدة سلطت اهتمامها على حماية الملاحة والتجارة البحرية، حيث إن اقتصادها يعتمد بشكل أساسي على الممرات البحرية الحيوية في الخليج. ومع استمرار التصعيد، تكثف الإمارات من تعزيز أمن هذه الممرات لحماية مصالحها الاقتصادية، جنبًا إلى جنب مع الحفاظ على علاقات استراتيجية قوية مع الحلفاء الدوليين. أما سلطنة عمان، فقد تبنت دور الوسيط التقليدي بين إيران والغرب، مستفيدة من سياستها الدبلوماسية التي لطالما اعتمدت على الحوار والوساطة.
حسابات الطاقة والممرات البحرية
تمثل دول الخليج الحلقة الأكثر حساسية في الأزمة الراهنة، حيث تتقاطع مصالحها الاستراتيجية مع أحداث الصراع الحالي بشكل يهدد استقرار المنطقة بأسرها. تعتمد اقتصادات هذه الدول بشكل كبير على إمدادات النفط والغاز، والتي تشكل شريان الحياة للاقتصاد العالمي، فضلاً عن الموقع الجغرافي الحساس الذي يضعها بالقرب المباشر من إيران. منذ بداية الضربة الكبرى على إيران في 28 فبراير 2026، أصبحت هذه الدول في موقع دفاعي حساس، حيث تتعامل مع الأزمة ضمن إطار مزدوج يجمع بين الاستعداد الدفاعي الصارم والسياسة التوازنية الدقيقة، لتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تؤثر على أمنها القومي ومصالحها الحيوية.
في هذا السياق، اتخذت المملكة العربية السعودية موقفًا محافظًا يركز على احتواء التصعيد وحماية المنشآت الحيوية، خاصة تلك المتعلقة بمرافق النفط والموانئ البحرية التي تشكل عماد الاقتصاد الوطني. شهدت المملكة تعزيزًا كبيرًا في أنظمة الدفاع الجوي والرصد المبكر، وهو ما يعكس استعدادها لحماية مصالحها الاستراتيجية.
أما دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد ركزت على حماية الاقتصاد الوطني وأمن الملاحة البحرية، خاصة في مضيق هرمز وخليج عمان، إذ تُعد هذه الممرات شرايين أساسية لاقتصادها. أظهرت الإمارات حرصًا على موازنة علاقاتها الدولية، حيث دعمّت العمليات الدفاعية الأمريكية بشكل غير مباشر، بينما حافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران للحد من تصعيد الأزمة.
فيما يتعلق بالكويت، فقد اتخذت موقفًا حياديًا استراتيجيًا، مركزًا على تعزيز الأمن الداخلي والتعاون الإقليمي. استدعت الكويت قيادة مجلس التعاون لدول الخليج لعقد اجتماعات عاجلة لمناقشة التصعيد وتنسيق الردود، مع الحرص على عدم الانخراط المباشر في العمليات العسكرية.
أما سلطنة عمان، فقد لعبت دور الوسيط التقليدي، حيث ركزت جهودها على فتح قنوات تفاوضية خلفية بين طهران والولايات المتحدة بهدف تخفيف التوترات. سلطت عمان الضوء على أهمية حماية مضيق هرمز كممر ملاحي دولي حيوي، الذي يشكل شريانًا رئيسيًا للإمدادات العالمية من النفط.
الموقف الخليجي في مجمله يعكس سياسة توازن دقيقة تعتمدها دول الخليج، التي تسعى إلى تعزيز قدراتها الدفاعية لحماية منشآتها الحيوية وممرات الطاقة التي تمثل جزءًا كبيرًا من الاقتصاد العالمي. في الوقت ذاته، تسعى هذه الدول إلى الحفاظ على التهدئة السياسية والدبلوماسية لتجنب الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران. من خلال التعاون المشترك عبر مجلس التعاون لدول الخليج، تظهر هذه الدول وعيًا عميقًا بخطر الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة قد تؤدي إلى تداعيات واسعة النطاق على استقرار المنطقة. إن تعامل دول الخليج مع الأزمة يظهر بوضوح إدراكها لأبعاد النزاع المتعددة، التي تشمل القوة العسكرية المباشرة، والتأثير الاقتصادي، وأهمية الممرات البحرية الحيوية.
خاتماً: تشكل المواجهة العسكرية الأخيرة مع إيران، بدءًا من الضربات الأمريكية–الإسرائيلية المباشرة في 28 فبراير 2026، نقطة تحول تاريخية في النظام الإقليمي للشرق الأوسط. فقد تجاوز الصراع حدود الردع غير المباشر وحروب الوكلاء، ليصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأطراف على إدارة التصعيد والتحكم في مسار الأزمة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
لقد أظهرت الأحداث أن الأمن والاستقرار في المنطقة أصبحا مرتبطين بقدرة الأطراف على ضبط الحسابات العسكرية والاستراتيجية بعناية، مع مراعاة مصالح الطاقة والملاحة الدولية، فضلا عن التوازن الداخلي للدول العربية والخليجية. كما كشف التحليل أن إيران، من خلال الرد المتدرج والحرب غير المتماثلة، تسعى للحفاظ على مركزية نفوذها الإقليمي، بينما تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل إعادة صياغة معادلة الردع لضمان تفوقهما العسكري والسياسي. هذا الصراع يعكس التنافس على الهيمنة الإقليمية في ظل تصاعد التهديدات المتبادلة.
المصدر: مجلة السياسة الدولية
الكاتب : د. محمد إبراهيم حسن فرج
التاريخ : 2/3/2026
---------------------------------------------------------------------------------
المصدر : تريندز للبحوث والاستشارات
الكاتب : عائشة خلفان الرميثي
التاريخ : 2/3/2026
